عاجل

الجنيه المصري يعكس مساره ويقفز 5% مقابل الدولار .. ما الذي تغير؟

الدولار
الدولار

عكس الجنيه المصري  مساره أمام الدولار، محققاً انتعاشاً لافتاً خلال أيام قليلة، بعدما تعرض لضغوط دفعته لتسجيل مستويات قياسية منخفضة في أكتوبر، في تحول أثار تساؤلات بشأن العوامل التي أعادت المستثمرين للرهان على العملة المحلية، ومدى قدرة الجنيه في الحفاظ على مكاسبه. 

استعاد الجنيه نحو 5% من قيمته منذ الخميس الماضي، مع ارتفاع سعر صرف العملة إلى 53.070 جنيه للدولار من 53.36 جنيه وسط مؤشرات على تغير شهية المستثمرين تجاه الأصول المصرية، بعد موجة التخارج من أدوات الدين المحلية بفعل التوترات الجيوسياسية. وكانت العملة المصرية تراجعت ما يزيد عن 7% مقابل الدولار. 

ويرى متعاملون في سوق الصرف تحدثوا إلى "الشرق بلومبرغ" أن التحسن الأخير يعكس تصحيحاً للمبالغة في انخفاض الجنيه خلال الفترة السابقة، بعدما تجاوز سعر الدولار في السوق المحلية مستويات تبررها أساسيات العرض والطلب، فيما ساهم تغير حسابات العائد والمخاطرة في إعادة جذب المستثمرين إلى السوق المصرية.

قرار مفاجئ يغير حسابات المستثمرين

كان قرارالبنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة خلافاً لتوقعات الأسواق نقطة تحول في حسابات المستثمرين الأجانب، إذ تزامن مع تراجع الجنيه إلى مستويات جعلت الاستثمار في أدوات الدين الحكومية أكثر جاذبية، بعد أن دفعت المخاطر الجيوسياسية كثيراً من المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول المصرية.

عزا متعامل دولي في أدوات الدين الحكومية، تحدث لـ"الشرق بلومبرغ"، تحسن أداء العملة المحلية إلى الجمع بين رفع أسعار الفائدة، واستمرار مرونة سعر الصرف، ما عزز جاذبية الاستثمار في الأصول المقومة بالجنيه، ورفع العائد الذي يمكن أن يحصل عليه المستثمرون الأجانب من الاحتفاظ بأدوات الدين المحلية.

أضاف المتعامل: "عندما يغلب العائد المخاطرة، تصبح هناك ضرورة للاستثمار. هذا ما فعله البنك المركزي بالفعل باستخدام أدواته؛ إذ ترك العملة تتحرك بمرونة، وتراجعت بشكل مبالغ فيه، ثم رفع الفائدة في اجتماعه الأخير على عكس كل التوقعات، ما أتاح للمستثمر الأجنبي فرصة الدخول عند سعر صرف جيد وعائد مرتفع أيضاً، وهو ما جذب مستثمرين جدداً إلى أدوات الدين".

العائد المرتفع يعيد المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين المصرية

وتكمن جاذبية هذه المعادلة في أن ارتفاع العائد على أذون الخزانة قد يعوض المستثمر عن جانب من مخاطر تقلب سعر الصرف، خصوصاً إذا استقرت العملة أو واصلت التعافي. كما أن شراء أدوات الدين بالجنيه يقتضي تحويل العملات الأجنبية إلى العملة المحلية، ما يمكن أن يوفر دعماً إضافياً لسوق الصرف.

كانت سوق الدين المصرية قد شهدت خلال أكتوبر نزوح استثمارات أجنبية من أذون الخزانة، بالتزامن مع عمليات بيع كثيفة في البورصة المصرية، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية ومخاوف اتساع نطاق الحرب في المنطقة. ويترقب المستثمرون ما إذا كان ارتفاع العائد وتحسن سعر الصرف سيشجعان عودة التدفقات الأجنبية إلى أدوات الدين المحلية.

قال متعاملون لـ"الشرق بلومبرغ" إن البنك المركزي المصري نجح في جذب شريحة جديدة من المستثمرين الأجانب عند سعر صرف بلغ نحو 56 جنيهاً للدولار، وسط حالة من التشاؤم كانت سائدة آنذاك بين المتعاملين المحليين بشأن التوترات في المنطقة.

قناة السويس تقدم إشارة إيجابية

إلى جانب التحول في جاذبية أدوات الدين، تلقت آفاق سوق الصرف دعماً من تحسن إيرادات قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، بعد أشهر من الضغوط التي فرضتها اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر على حركة السفن والإيرادات.

وقفزت إيرادات القناة 94% على أساس سنوي خلال أكتوبر إلى 724 مليون دولار، بالتزامن مع ارتفاع عدد السفن العابرة 65%، بحسب تصريحات رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع لـ"الشرق بلومبرغ" مساء الأربعاء.

ويكتسب هذا التحسن أهمية خاصة بعدما دفعت التوترات الأمنية شركات شحن عالمية إلى تحويل مسارات سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وباب المندب، ما حرم مصر من جانب من إيرادات القناة وضغط على مواردها الدولارية.

ورغم أن عودة السفن إلى القناة لا تعني بالضرورة استعادة مستويات الملاحة السابقة للأزمة، فإن استمرار تحسن الحركة قد يوفر تدفقات إضافية من النقد الأجنبي، ويخفف الضغوط على سوق الصرف خلال الفترة المقبلة.

وفي مؤشر إضافي على تحسن موارد النقد الأجنبي، ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري إلى 57.5 مليار دولار بنهاية أكتوبر، مقابل 57.35 مليار دولار في سبتمبر، بزيادة بلغت 151 مليون دولار، ما يوفر دعماً إضافياً لقدرة البلاد على مواجهة الالتزامات الخارجية.

 

هل غيرت انتخابات أميركا توقعات السوق؟

لم تقتصر العوامل الداعمة للجنيه على التطورات المحلية، إذ ساهمت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تعزيز الرهانات على احتمال انحسار التوترات الجيوسياسية في المنطقة، بعدما سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس، ما قد يزيد الضغوط السياسية على الرئيس دونالد ترمب لإنهاء الحرب مع إيران.

من جانبه، قال عمرو الألفي، رئيس استراتيجيات الأسهم بشركة "ثاندر لتداول الأوراق المالية"، إن تحسن الجنيه جاء نتيجة تضافر عوامل عدة، من بينها رفع أسعار الفائدة والبيانات الإيجابية لإيرادات قناة السويس، إلى جانب نتائج الانتخابات الأميركية التي قد تمهد لتغير في توجهات واشنطن تجاه الشرق الأوسط، بما يدعم احتمالات التهدئة.

تزامنت هذه التطورات مع قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بما أبقى تكلفة الاقتراض بالدولار عند مستوياتها الحالية، وقلص احتمالات حدوث مفاجآت نقدية فورية قد تؤثر على حركة رؤوس الأموال العالمية.

لكن أثر التطورات السياسية الأميركية على تدفقات الاستثمار إلى الأسواق الناشئة، ومنها مصر، يظل مرهوناً بمسار التوترات الإقليمية والسياسة الخارجية الأميركية الفعلية، وليس بمجرد نتائج الانتخابات وحدها.

تراجع النفط والغاز يخفف الضغوط على ميزانية مصر

يمثل انخفاض أسعار الطاقة  العالمية عاملاً إضافياً قد يدعم العملة المصرية، بعدما تراجع خام برنت إلى أقل من 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع تراجع أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية، وسط توقعات بإمكانية احتواء الحرب في المنطقة.

وأشار الألفي إلى أن تراجع أسعار النفطوالغاز يمنح الموازنة المصرية فرصة لالتقاط الأنفاس، في ظل الأعباء التي فرضتها تكلفة استيراد الطاقة خلال الفترة الماضية.

تعتمد مصر على استيراد شحنات من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية لتلبية احتياجات السوق المحلية، خصوصاً تشغيل محطات الكهرباء وتوفير الوقود للأنشطة الصناعية، ما يجعل تحركات الأسعار العالمية مؤثرة في فاتورة الواردات والطلب على الدولار

ومن شأن استمرار انخفاض أسعار الطاقة أن يقلص احتياجات البلاد من النقد الأجنبي لتمويل الواردات، بالتوازي مع تحسن الإيرادات الدولارية من قناة السويس، وهو ما قد يخفف الضغوط على الموازنة العامة وبالتالي على سوق الصرف.

غير أن هذا الأثر يظل مشروطاً باستمرار تراجع الأسعار العالمية، واستقرار الإمدادات، وعدم تجدد الاضطرابات التي قد ترفع تكلفة الشحن والتأمين أو تعطل وصول شحنات الطاقة.

هل يستطيع الجنيه الحفاظ على مكاسبه؟

رغم التعافي السريع، فإن استمرار صعود الجنيه سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة السوق المصرية على الاحتفاظ بالتدفقات الأجنبية الجديدة، واستعادة الاستثمارات التي خرجت خلال موجة الاضطرابات، دون أن يؤدي أي تصعيد إقليمي جديد إلى تجدد الضغوط على العملة.

كما ستظل موارد النقد الأجنبي من قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب تكلفة واردات الطاقة، عوامل رئيسية في تحديد قدرة الجنيه على الحفاظ على مستوياته الحالية.

ويواجه البنك المركزي تحدياً في الموازنة بين الحفاظ على جاذبية العائد على الأصول المقومة بالجنيه، والحد من تكلفة التمويل المرتفعة على الشركات والحكومة، مع استمرار مرونة سعر الصرف لاستيعاب تحركات رؤوس الأموال.

تم نسخ الرابط