عاجل

الدكتور معتصم أبو خضرة: الدعم النقدي ليس عصا سحرية.. نجاح التحول مرهون بحماية القوة الشرائية للمواطن وليس بمجرد تغيير آلية الصرف

معتصم أبو خضرة
معتصم أبو خضرة

أكد الدكتور معتصم أبو خضرة، الخبير الاقتصادي، أن توجه الدولة نحو تطوير منظومة الدعم والتحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي السلعي يمثل خطوة مهمة لإعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية وتحسين كفاءة توجيه الموارد العامة، لكنه شدد على أن نجاح هذه الخطوة لا ينبغي أن يُقاس بمدى قدرة الحكومة على تغيير آلية تقديم الدعم أو تحقيق وفر في الموازنة، وإنما بمدى انعكاسها الحقيقي على مستوى معيشة المواطنين وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وأوضح أبو خضرة أن الدعم النقدي يمتلك عددًا من المزايا الاقتصادية، أبرزها منح الأسر حرية أكبر في اختيار السلع التي تتناسب مع احتياجاتها، وتقليل بعض الأعباء المرتبطة بالتخزين والنقل والتوزيع، فضلًا عن إمكانية تحسين كفاءة الاستهداف والحد من صور الهدر والتسرب داخل منظومة الدعم، إلا أن هذه المزايا تظل مرتبطة بوجود تصميم اقتصادي واجتماعي دقيق للمنظومة الجديدة.

وأضاف أن التحدي الأكبر الذي يجب أن تضعه الحكومة أمامها هو طبيعة الاقتصاد المصري في ظل الضغوط التضخمية، موضحًا أن الانتقال إلى الدعم النقدي دون وجود آلية مرنة لمراجعة قيمته قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمخصصات بمرور الوقت، وهو ما يعني أن المواطن قد يحصل على مبلغ مالي ثابت، لكنه يكتشف بعد فترة أن هذا المبلغ لم يعد قادرًا على توفير الكميات نفسها من السلع التي كان يحصل عليها سابقًا.

وأشار إلى أن هناك فارقًا جوهريًا بين انخفاض معدل التضخم وانخفاض الأسعار، فتباطؤ التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وإنما يعني أن وتيرة الزيادة أصبحت أقل، بينما تظل تكلفة المعيشة مرتفعة، وهو ما يجعل ربط الدعم بمؤشرات الأسعار ضرورة أساسية وليس مجرد إجراء تكميلي.

وشدد الخبير الاقتصادي على أهمية ألا تعتمد الحكومة على معدل التضخم العام وحده عند تحديد قيمة الدعم، لأن طبيعة إنفاق الأسر محدودة الدخل تختلف عن متوسط إنفاق المجتمع، حيث تستحوذ السلع الغذائية والأساسية على نسبة أكبر من ميزانياتها، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الغذاء قد يترك أثرًا أكبر على هذه الفئات مقارنة بما تعكسه المؤشرات العامة.

واقترح أبو خضرة دراسة إنشاء مؤشر خاص بتكلفة سلة الغذاء الأساسية، يضم مجموعة السلع الأكثر استهلاكًا لدى الأسر المستفيدة، ويُستخدم في مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية، بما يضمن عدم انفصال المخصصات المالية عن التغيرات الفعلية في تكلفة الاحتياجات الغذائية، مع ضرورة الإعلان عن قواعد واضحة لتوقيت الزيادة وآليات احتسابها.

وفيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية، أكد أن نجاح المنظومة الجديدة يتطلب إعادة النظر في معايير الاستحقاق، وعدم الاكتفاء بمعايير الدخل الرسمية، خاصة أن شريحة واسعة من المواطنين تعمل في الاقتصاد غير الرسمي أو تعتمد على مصادر دخل متغيرة وغير منتظمة، وهو ما قد يجعل بعض الأسر المستحقة خارج نطاق قواعد البيانات التقليدية.

وأوضح أن المطلوب هو بناء منظومة استهداف أكثر دقة، تعتمد على مجموعة متكاملة من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، وتراعي عدد أفراد الأسرة وتركيبتها وظروفها الصحية والمعيشية، مع توفير آلية فعالة للتظلمات والتحديث المستمر للبيانات، حتى لا يؤدي تطوير المنظومة إلى استبعاد فئات تحتاج بالفعل إلى الحماية.

ولفت إلى أن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في قدرة الأسواق على استيعاب التحول، موضحًا أن منح المواطن قدرة أكبر على الاختيار لن يحقق أهدافه إذا لم تتوافر السلع بكميات كافية وأسعار تنافسية، أو إذا استمرت بعض الممارسات الاحتكارية التي قد تؤدي إلى امتصاص جزء من قيمة الدعم من خلال ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن نجاح الدعم النقدي يتطلب بالتوازي تطوير منظومة الرقابة على الأسواق، وزيادة المعروض من السلع، وضمان كفاءة سلاسل الإمداد، وتعزيز المنافسة بين منافذ البيع، لأن الدعم مهما بلغت قيمته لن يحقق أثره الاجتماعي إذا لم يقابله سوق قادر على توفير احتياجات المواطنين بصورة مستقرة.

وحول مستقبل الدعم العيني، أكد أبو خضرة أن التحول الكامل من النقدي إلى العيني أو العكس ليس بالضرورة الاختيار الأكثر كفاءة في جميع الظروف، مشيرًا إلى أن النموذج الهجين الذي يجمع بين الدعم النقدي السلعي والإبقاء على الدعم العيني لبعض السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الخبز، يستحق دراسة جادة، بما يحقق التوازن بين مرونة الاختيار وضمان الأمن الغذائي للفئات الأكثر احتياجًا.

وأضاف أن التجربة المرتقبة في محافظة البحيرة تمثل فرصة مهمة لاختبار كفاءة النموذج الجديد قبل التوسع في تطبيقه، لكن يجب أن تخضع لتقييم اقتصادي واجتماعي مستقل، يقيس تطور القوة الشرائية للأسر، ومدى توافر السلع، وحجم التغير في الإنفاق الأسري، ونسب الاستبعاد الخاطئ، فضلًا عن التكلفة الإدارية والمالية للمنظومة.

واختتم الدكتور معتصم أبو خضرة تصريحه بالتأكيد على أن إصلاح منظومة الدعم يمثل ضرورة اقتصادية، لكن نجاح الإصلاح لا يعني بالضرورة تقليل ما تنفقه الدولة، وإنما تحقيق أفضل عائد اجتماعي من كل جنيه يتم توجيهه للحماية الاجتماعية، مشددًا على أن الدعم النقدي يجب ألا يتحول إلى مجرد رقم يُضاف إلى بطاقة المواطن، بل يجب أن يكون ضمانة حقيقية لقدرة الأسرة على توفير احتياجاتها الأساسية. فالمعيار النهائي لنجاح أي منظومة دعم ليس ما توفره الحكومة في دفاتر الموازنة، وإنما ما يشعر به المواطن في قدرته الشرائية ومستوى معيشته وأمانه الغذائي.

تم نسخ الرابط