هناك فارق كبير بين دولة تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، ودولة تعرف كيف تحوّل هذا الموقع إلى نفوذ سياسي، وقيمة اقتصادية، ومكاسب اجتماعية يشعر بها المواطن. وهناك فارق أكبر بين دولة تنجح في عبور الأزمات، ودولة تمتلك القدرة على تحويل الأزمات نفسها إلى فرص لإعادة بناء المستقبل.
ومصر، بحكم موقعها وتاريخها وثقلها الإقليمي وتركيبتها السكانية، تقف أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فهي ليست مجرد دولة تبحث عن مكان لها وسط عالم مضطرب، وإنما دولة تقع عند تقاطع طرق التجارة والطاقة والسياسة والأمن، وتتحرك في مساحة تتشابك فيها المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية، وتتداخل فيها تحديات الداخل مع ضغوط الخارج.
ومن هنا تأتي دلالة التعبير الشعبي «مصر واخدة ناصية»؛ فالناصية في الوعي المصري ليست مجرد موقع على تقاطع شوارع، وإنما مساحة تكشف لك أكثر من اتجاه، وتضعك أمام مسؤولية الاختيار بين طرق متعددة. لكن امتلاك الناصية لا يعني بالضرورة امتلاك الطريق، والوقوف في موقع استراتيجي لا يضمن وحده الوصول إلى الوجهة المنشودة.
السؤال الحقيقي ليس: أين تقف مصر على خريطة العالم؟ وإنما: ماذا تستطيع أن تفعل بهذا الموقع؟ وكيف يمكن تحويل رصيدها السياسي والجغرافي والبشري إلى اقتصاد منتج، ومجتمع أكثر توازناً، ومستقبل تتسع فيه الفرص أمام الجميع؟
هذه هي القضية التي تستحق أن نناقشها بعيداً عن المبالغة في تصوير التحديات باعتبارها نهاية الطريق، أو التعامل مع الإنجازات باعتبارها نهاية المطاف. فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مقومات، وإنما بقدرتها على إدارة هذه المقومات، ولا تُقاس فقط بما تنفذه من مشروعات، وإنما بما تتركه هذه المشروعات من أثر مستدام في حياة الناس.
أولاً: معادلة القوة.. مصر بين الجغرافيا والسياسة وحسابات العالم
في عالم لم تعد فيه القوة حكراً على السلاح أو حجم الاقتصاد وحده، أصبحت الجغرافيا عنصراً بالغ التأثير في رسم موازين النفوذ. فالممرات البحرية، ومصادر الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأسواق الاستهلاكية، ومناطق التوتر، كلها تحولت إلى أدوات مؤثرة في حسابات الدول الكبرى.
ومصر تمتلك في هذه المعادلة موقعاً بالغ الأهمية؛ فقناة السويس ليست مجرد ممر ملاحي، وإنما أحد الشرايين المؤثرة في حركة التجارة العالمية، والبحر الأحمر ليس مجرد مساحة مائية، وإنما منطقة تتقاطع عندها اعتبارات الأمن والتجارة والطاقة، كما أن ارتباط مصر بالمتوسط وأفريقيا والعالم العربي يمنحها مساحة واسعة من الحركة السياسية والاقتصادية.
لكن هنا يجب التمييز بين امتلاك الموقع وتحقيق العائد منه.
فالموقع الجغرافي يمنح الدولة فرصة، لكنه لا يصنع وحده اقتصاداً قوياً. والممر الملاحي يمنحها أهمية دولية، لكنه لا يغني عن بناء قاعدة إنتاجية وصناعية قادرة على الاستفادة من حركة التجارة. والعلاقات الدولية تمنحها مساحة للمناورة، لكنها تحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة تحول هذه العلاقات إلى استثمارات وشراكات ونقل للتكنولوجيا وفتح للأسواق.
وهنا تظهر فلسفة القوة الحديثة: لم تعد الدولة القوية هي التي تستطيع فقط حماية حدودها، وإنما التي تستطيع أيضاً حماية مصالحها الاقتصادية، وتأمين احتياجاتها الاستراتيجية، وتقليل اعتمادها على الخارج في الملفات الحيوية، دون الانغلاق عن العالم.
ومن هذا المنطلق، فإن قوة مصر السياسية ينبغي أن تكون مرتبطة بقدرتها على بناء شبكة مصالح اقتصادية متبادلة، تجعل استقرارها مصلحة إقليمية ودولية، وتجعل حضورها السياسي امتداداً لقدرتها الإنتاجية وليس منفصلاً عنها.
فالقوة السياسية التي لا تستند إلى اقتصاد قادر على الصمود تظل معرضة لضغوط متكررة، والاقتصاد الذي لا تحميه مؤسسات مستقرة ورؤية استراتيجية واضحة يظل أكثر حساسية للتقلبات الخارجية.
بمعنى أبسط: السياسة تفتح الأبواب، لكن الاقتصاد المنتج هو الذي يجعل الدولة قادرة على البقاء داخل الغرفة والتأثير في ما يدور فيها.
ثانياً: الاقتصاد المصري.. هل نحتاج إلى نمو أكبر أم إلى فلسفة مختلفة للنمو؟
ربما تكون هذه واحدة من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تفرض نفسها على النقاش الاقتصادي في مصر.
فالنمو الاقتصادي في حد ذاته هدف ضروري، لكنه ليس الغاية النهائية. إذ إن قيمة النمو الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى فرص عمل، وزيادة في الإنتاج، وتحسن في الدخول، وتراجع في الضغوط المعيشية، واتساع في قاعدة المستفيدين من النشاط الاقتصادي.
وهنا نحتاج إلى التمييز بين اقتصاد يتحرك بالأرقام، واقتصاد يتحرك في حياة الناس.
قد ترتفع معدلات الاستثمار، وتتوسع المشروعات، وتتحسن بعض المؤشرات الكلية، لكن المواطن يظل منشغلاً بسؤال مختلف تماماً: هل تحسنت قدرتي على تلبية احتياجات أسرتي؟ هل أصبح دخلي أكثر قدرة على مواجهة الأسعار؟ هل يستطيع أبنائي الحصول على فرص عمل مناسبة؟ وهل يمكنني التخطيط للمستقبل دون أن تلتهم الالتزامات اليومية كل ما أحققه؟
هذه الأسئلة ليست اعتراضاً على أهمية المؤشرات الاقتصادية، وإنما هي المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به نتائج السياسات الاقتصادية.
والحقيقة أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى الانتقال بصورة أكثر عمقاً من الاعتماد على التوسع في الإنفاق والمشروعات إلى توسيع قدرته على الإنتاج والتصدير وخلق القيمة المضافة.
نحتاج إلى صناعة لا تكتفي بتجميع المنتجات، وإنما تتوسع في التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا. ونحتاج إلى زراعة أكثر كفاءة في استخدام المياه والموارد، وسلاسل إمداد تقلل الفاقد وتزيد القيمة المضافة. ونحتاج إلى قطاع خاص يمتلك مساحة حقيقية للمنافسة والنمو، ومشروعات صغيرة ومتوسطة تستطيع التحول من أنشطة محدودة إلى كيانات منتجة وقادرة على التوسع.
كما أن الاستثمار لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل السوق، وإنما بطبيعة الفرص التي يخلقها، وعدد الوظائف المستدامة التي يوفرها، وحجم التكنولوجيا التي ينقلها، ومدى ارتباطه بالاقتصاد المحلي.
فليست كل استثمارات ناجحة بالضرورة استثمارات تصنع اقتصاداً قوياً، وليست كل زيادة في النشاط الاقتصادي تعني بالضرورة تحسناً متوازناً في مستوى المعيشة.
وهنا تكمن أهمية إعادة ترتيب الأولويات: من اقتصاد يطارد المؤشرات إلى اقتصاد يصنع الفرص، ومن سوق يعتمد على الاستهلاك والاستيراد إلى قاعدة أكثر قدرة على الإنتاج والتنافس والتصدير.
ثالثاً: العدالة الاجتماعية.. ليست توزيعاً للفقر بل توسيعاً لمساحة الفرص
العدالة الاجتماعية واحدة من أكثر المفاهيم التي يجري تداولها، وأحياناً يجري اختزالها في الدعم أو المساعدات أو إجراءات الحماية الاجتماعية.
لكن العدالة في معناها الأوسع ليست مجرد أن يحصل المحتاج على مساعدة، وإنما أن تتوفر أمامه فرصة حقيقية للخروج من دائرة الاحتياج.
هي أن يحصل الطفل في قرية بعيدة على تعليم يمنحه فرصة تنافسية، كما يحصل عليه طفل في مدينة كبرى. وأن يجد الشاب فرصة عمل وفقاً لكفاءته، لا وفقاً لقدرته على الوصول إلى أصحاب النفوذ. وأن تكون الخدمات الصحية الأساسية متاحة بصورة تحفظ كرامة الإنسان، وأن لا يتحول المرض أو فقدان الوظيفة إلى تهديد مباشر لاستقرار الأسرة.
العدالة الاجتماعية ليست توزيعاً متساوياً للنتائج، وإنما بناء بيئة أكثر إنصافاً في الوصول إلى الفرص.
وهنا تظهر أهمية الطبقة المتوسطة، التي تمثل في أي مجتمع مساحة مهمة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فهي ليست مجرد شريحة استهلاكية، وإنما قوة إنتاجية ومهنية وتعليمية، ورافعة للطلب المحلي، وعنصر أساسي في الحفاظ على التوازن المجتمعي.
وعندما تتعرض هذه الطبقة لضغوط متزايدة، فإن التأثير لا يتوقف عند حدود دخل الأسرة، بل يمتد إلى أنماط الاستهلاك، والاستثمار في التعليم، والقدرة على الادخار، وحتى توقعات الأجيال الجديدة بشأن المستقبل.
ومن ثم فإن حماية الطبقة المتوسطة، وتوسيع فرص صعود الفئات الأكثر احتياجاً، ليستا مطلبين اجتماعيين منفصلين عن الاقتصاد، بل جزء من بناء اقتصاد أكثر استقراراً واستدامة.
فالدولة التي تريد مجتمعاً مستقراً لا يكفيها أن تحمي من يسقط، بل عليها أن تفتح الطريق أمام من يريد الصعود.
رابعاً: اقتصاد الفرص.. من دولة تقدم الخدمات إلى دولة تصنع الإمكانيات
هناك سؤال جوهري ينبغي أن يكون حاضراً في أي نقاش عن المستقبل الاقتصادي المصري: هل نريد اقتصاداً يوفر للمواطن احتياجاته فقط، أم اقتصاداً يمنحه القدرة على صناعة احتياجاته وتحقيق طموحاته؟
الفرق بين السؤالين كبير؛ فالأول ينظر إلى المواطن باعتباره مستهلكاً ينتظر الخدمة، بينما الثاني ينظر إليه باعتباره طاقة إنتاجية يمكن أن تغير شكل الاقتصاد بأكمله.
مصر لديها ثروة بشرية ضخمة، لكن الثروة البشرية لا تتحول تلقائياً إلى قوة اقتصادية. فالشباب لا يصبحون ميزة تنافسية لمجرد ارتفاع أعدادهم، وإنما عندما يمتلكون تعليماً مناسباً، ومهارات تتوافق مع احتياجات السوق، وقدرة على الابتكار، ومسارات حقيقية للترقي المهني.
وهنا يجب أن نعيد التفكير في فلسفة التعليم والتشغيل والتدريب.
لم يعد مقبولاً أن يستمر التعليم في إنتاج شهادات لا تجد طريقها بسهولة إلى سوق العمل، أو أن يتخرج الشباب وهم يمتلكون معرفة نظرية لا تكفي لمواجهة متطلبات اقتصاد يتغير بسرعة.
نحن أمام عالم تتحول فيه التكنولوجيا إلى عنصر رئيسي في الإنتاج، وتتوسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتتغير فيه طبيعة الوظائف، وتختفي بعض المهارات التقليدية أو تتراجع قيمتها، بينما تظهر فرص جديدة في البرمجة والصناعات الرقمية والخدمات التكنولوجية والطاقة واللوجستيات.
وهذا يفرض تحدياً حقيقياً: هل نستعد لإنتاج كوادر قادرة على المنافسة في الاقتصاد الجديد، أم نكتفي بمراقبة التحولات من بعيد؟
اقتصاد الفرص يعني أن يصبح الشاب قادراً على تأسيس مشروع، وأن تستطيع المرأة الدخول إلى سوق العمل والاستمرار فيه، وأن يجد صاحب الحرفة طريقاً للتطوير والتمويل والتسويق، وأن لا تتحول الإجراءات الإدارية أو صعوبة التمويل إلى حواجز تمنع الأفكار الجيدة من التحول إلى مشروعات حقيقية.
كما يعني أن تكون هناك مساحة عادلة للمنافسة، لأن السوق الذي لا تتكافأ فيه الفرص لا يستطيع إطلاق كامل طاقاته الإنتاجية.
وهنا لا بد من التأكيد على أن دعم القطاع الخاص لا يعني إعفاءه من المسؤولية، كما أن دور الدولة لا يعني أن تتحول إلى منافس دائم لكل الأنشطة الاقتصادية. المطلوب هو علاقة متوازنة: دولة تضع القواعد وتضمن المنافسة وتحمي الحقوق، وقطاع خاص يستثمر وينتج ويوفر فرص العمل، ومؤسسات رقابية تضمن عدم تحول النفوذ الاقتصادي إلى امتياز مغلق.
فالاقتصاد الذي يمنح الفرص للقادرين فقط على الوصول إلى الفرصة، ليس اقتصاداً يحرر الطاقات، وإنما اقتصاد يعيد إنتاج الفوارق.
خامساً: المجتمع والوعي.. المعركة التي لا تظهر في جداول الحسابات
قد تمتلك الدولة الموارد، وقد تتوافر لديها الخطط، وقد تنفذ مشروعات ضخمة، لكن هناك عنصراً لا يمكن تعويض غيابه بالمال أو القرارات، وهو الثقة المجتمعية.
الثقة ليست مفهوماً عاطفياً أو شعاراً إعلامياً، وإنما رأس مال اجتماعي له تأثير مباشر في الاقتصاد والسياسة.
عندما يثق المواطن في جدوى العمل، يصبح أكثر استعداداً للاستثمار في مهاراته ومستقبله. وعندما يثق المستثمر في استقرار القواعد، يصبح أكثر استعداداً لضخ أمواله وتوسيع نشاطه. وعندما يشعر المجتمع بأن الفرص متاحة بصورة عادلة، تتراجع دوافع الإحباط ويتعزز الانتماء والمشاركة.
أما عندما تتسع الفجوة بين ما يسمعه المواطن وما يراه في حياته اليومية، فإن مساحة الشك تتزايد، ويصبح من الصعب بناء توافق حول الأولويات.
ومن هنا فإن إدارة المجتمع لا ينبغي أن تقوم على مخاطبة الناس من أعلى فقط، وإنما على فهم مخاوفهم وتفسير القرارات لهم، وإتاحة مساحة للنقاش المسؤول، والتعامل مع النقد باعتباره فرصة لاكتشاف الخلل وتصحيح المسار.
وهنا تظهر أهمية الإعلام والتعليم والثقافة، ليس فقط في نقل المعلومات، وإنما في بناء الوعي القادر على التمييز بين المعلومة والشائعة، وبين النقد المسؤول والهدم، وبين الاختلاف في الرأي والاختلاف على مصلحة الوطن.
ولا ينبغي أن نضع المجتمع أمام اختيار زائف بين الاستقرار والتغيير؛ فالاستقرار الحقيقي لا يعني تجميد الواقع، والتغيير المسؤول لا يعني هدم المؤسسات.
بل إن الإصلاح المتدرج القائم على المعرفة والمحاسبة والتقييم هو أحد أهم شروط الاستقرار المستدام.
المجتمع لا يحتاج إلى من يطلب منه الصبر فقط، بل يحتاج إلى أن يرى أين يقوده هذا الصبر، وما الذي يتغير، وكيف سيصبح الغد مختلفاً عن اليوم.
سادساً: معضلة الدولة.. كيف نوازن بين الضرورات والإمكانيات؟
من السهل أن نطالب بزيادة الإنفاق على التعليم والصحة، ورفع الأجور، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وخفض الضرائب، وزيادة الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في كيفية تمويل كل هذه الأولويات داخل موارد محدودة والتزامات متنافسة.
وهنا تظهر واحدة من أهم معضلات الإدارة الاقتصادية: كيف تحقق الدولة التوازن بين الاستقرار المالي ومتطلبات العدالة الاجتماعية؟
هناك من يرى أن الأولوية يجب أن تكون لخفض العجز والديون وضبط الإنفاق، باعتبار أن استقرار المالية العامة شرط لجذب الاستثمار وحماية الاقتصاد من الصدمات.
وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن التشدد المالي إذا لم يراعِ الاحتياجات الاجتماعية والاستثمار في الإنسان، قد يؤدي إلى إضعاف الطلب المحلي وتراجع جودة الخدمات وإبطاء تكوين رأس المال البشري.
والحقيقة أن التعامل مع المسألة باعتبارها اختياراً بين الاقتصاد والمواطن هو اختزال غير دقيق؛ لأن الاقتصاد في النهاية موجود لخدمة المجتمع، والمجتمع يحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويل احتياجاته بصورة مستدامة.
المطلوب ليس إنفاقاً بلا حساب، ولا تقشفاً بلا حدود، وإنما إنفاق أكثر كفاءة، وأولويات أكثر وضوحاً، وتقييم مستمر للعائد من كل جنيه يتم توجيهه.
كما أن العدالة الضريبية ينبغي أن تكون جزءاً من هذه المعادلة، بحيث تتوزع الأعباء بصورة منصفة، ولا يتحمل أصحاب الدخول المحدودة العبء الأكبر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بينما تظل بعض الأنشطة الاقتصادية بعيدة عن المساهمة العادلة في الإيرادات العامة.
وهنا تبرز أهمية توسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية، ومحاربة التهرب، ودمج الأنشطة غير الرسمية بصورة تدريجية وعادلة، دون تحويل الإجراءات التنظيمية إلى عبء يطرد أصحاب المشروعات الصغيرة من السوق.
إن الدولة التي تبحث عن موارد إضافية لا ينبغي أن تنظر فقط إلى ما يمكن تحصيله من الاقتصاد القائم، وإنما إلى كيفية توسيع الاقتصاد نفسه حتى تصبح هناك موارد وفرص أكبر للجميع.
سابعاً: مصر أمام ثلاثة سيناريوهات.. أي طريق سيصنع المستقبل؟
لا يمكن قراءة المشهد المصري دون النظر إلى السيناريوهات المحتملة، لأن المستقبل لا يتشكل بالنيات وحدها، وإنما بتفاعل القرارات مع الموارد والظروف الإقليمية والدولية واستجابة المجتمع.
وهنا يمكن تصور ثلاثة مسارات تحليلية، ليست تنبؤات مؤكدة، وإنما احتمالات مشروطة بطريقة إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
السيناريو الأول: تعميق الإصلاح وتحويل المقومات إلى إنتاج.
في هذا المسار، تتجه الأولويات بصورة أكبر نحو التصنيع والتصدير، وتحسين مناخ المنافسة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.
وتصبح الاستثمارات أكثر ارتباطاً بقدرتها على خلق قيمة مضافة، وتتوسع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتتطور البنية التحتية لتخدم الإنتاج والتجارة، وليس فقط التوسع العمراني.
في هذه الحالة، يمكن أن يتحول الموقع الاستراتيجي لمصر إلى قاعدة لوجستية وصناعية وخدمية ذات قيمة أعلى، وأن يصبح الشباب جزءاً من محرك النمو بدلاً من أن يظلوا مجرد رقم في معادلات سوق العمل.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب وقتاً، واستقراراً في القواعد المنظمة، وشفافية في الأولويات، وقدرة على قياس النتائج ومراجعة الأخطاء.
السيناريو الثاني: نمو غير متوازن واستمرار الضغوط المعيشية.
في هذا المسار، تستمر بعض الأنشطة والمشروعات في تحقيق توسع، لكن دون أن تنتقل آثار هذا التوسع بالقدر الكافي إلى مستويات الدخول وفرص العمل والإنتاجية.
وقد تتحسن بعض المؤشرات الكلية، بينما تظل الأسر منشغلة بتكاليف المعيشة، ويظل القطاع الإنتاجي في حاجة إلى مزيد من التمويل والتكنولوجيا وتيسير الإجراءات.
وهنا تظهر المفارقة الخطيرة: يمكن أن يتحرك الاقتصاد في اتجاه إيجابي على مستوى بعض المؤشرات، لكن المواطن لا يشعر بالتحسن بالسرعة نفسها.
وهذا السيناريو لا يعني بالضرورة غياب الإنجاز، وإنما يعني وجود فجوة بين النمو الاقتصادي والعائد الاجتماعي، وهي فجوة إذا طالت قد تؤثر في الثقة والتوقعات المستقبلية.
السيناريو الثالث: ضغوط خارجية وداخلية تعيد ترتيب الأولويات.
قد تتعرض المنطقة لمزيد من التوترات، أو تواجه التجارة العالمية اضطرابات جديدة، أو تتزايد تقلبات أسعار الطاقة والتمويل، بالتزامن مع تحديات محلية تتعلق بالموارد والالتزامات المالية.
وفي مثل هذه الظروف، قد تضطر الدولة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار، وتأجيل بعض المشروعات أو إعادة تقييمها، وتوجيه الموارد نحو الملفات الأكثر إلحاحاً.
لكن إدارة الأزمات لا ينبغي أن تتحول إلى أسلوب دائم لإدارة الاقتصاد، لأن الدولة التي تنشغل دائماً بإطفاء الحرائق لا تجد الوقت الكافي لبناء مستقبل أكثر أمناً.
والفارق بين دولة تتأثر بالصدمات ودولة تستطيع احتواءها لا يتعلق فقط بحجم مواردها، وإنما بمرونة اقتصادها، وتنوع مصادر دخله، وقوة مؤسساته، ومدى امتلاكه لبدائل حقيقية.
وهنا تبرز أهمية بناء هوامش أمان اقتصادية، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتنويع الأسواق، وتحسين إدارة المخاطر، بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد للنمو أو مورد واحد للعملة الأجنبية.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً: هل نريد اقتصاداً ينجح عندما تكون الظروف مواتية فقط، أم اقتصاداً يمتلك القدرة على الصمود عندما تتغير الظروف؟
ثامناً: تفكيك بعض المفاهيم.. ليست كل الحلول كما تبدو
في تقديري، واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه النقاش العام هي الميل إلى البحث عن حلول سريعة لقضايا مركبة، وكأن الاقتصاد والسياسة والمجتمع يمكن إصلاحهم بقرار واحد أو إجراء منفرد.
هناك من يعتقد أن جذب الاستثمارات وحده كافٍ لحل الأزمات الاقتصادية، لكن الاستثمار الذي لا يرتبط بالإنتاجية والتشغيل ونقل التكنولوجيا قد لا يحقق العائد التنموي المطلوب.
وهناك من يرى أن زيادة الإنفاق الحكومي هي الطريق المباشر لتحسين مستوى المعيشة، بينما الحقيقة أن كفاءة الإنفاق لا تقل أهمية عن حجمه، وأن توجيه الموارد إلى مشروعات ذات عائد اقتصادي واجتماعي مستدام قد يكون أكثر تأثيراً من التوسع غير المدروس.
وهناك من يختزل العدالة الاجتماعية في زيادة الدعم، متجاهلاً أن الدعم ضرورة للحماية في ظروف معينة، لكنه لا يستطيع وحده بناء مجتمع قادر على الاعتماد على الإنتاج والعمل وتكافؤ الفرص.
وفي المقابل، هناك من يتعامل مع السوق باعتباره قادراً وحده على حل جميع المشكلات، متجاهلاً أن الأسواق تحتاج إلى قواعد عادلة، ورقابة فعالة، ومؤسسات قوية، وحماية للفئات التي لا تمتلك القدرة نفسها على المنافسة.
كذلك فإن الاعتماد على الموقع الجغرافي باعتباره ضمانة للنجاح الاقتصادي يمثل قراءة ناقصة؛ فالموقع يمنح الفرصة، لكنه لا يعوض غياب الإنتاج، ولا يغني عن الاستثمار في الإنسان، ولا يحل محل التخطيط طويل الأجل.
وحتى الحديث عن قوة الدولة يجب ألا يقتصر على قدراتها المادية أو العسكرية أو الدبلوماسية، لأن القوة الحقيقية تتضمن أيضاً قدرتها على تحسين جودة الحياة، وتطوير المؤسسات، وحماية الحقوق، وخلق بيئة تسمح للمواطن بأن يكون شريكاً في التنمية.
فالمشكلة ليست في نقص الشعارات الكبرى، وإنما في الفجوة التي قد تنشأ بين الفكرة الجميلة والتطبيق الفعلي.
تاسعاً: ماذا نحتاج من المرحلة المقبلة؟
إذا أردنا الانتقال من الحديث عن المقومات إلى صناعة النتائج، فإن هناك مجموعة من الأولويات التي تستحق أن تكون في قلب أي رؤية وطنية للمستقبل.
أولاً، إعادة الاعتبار للإنتاج باعتباره المحرك الأساسي للنمو، من خلال دعم الصناعة الوطنية، وتطوير سلاسل القيمة، وزيادة الصادرات، وتوسيع قاعدة المشروعات القادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ثانياً، تحقيق توازن أكثر وضوحاً بين دور الدولة والقطاع الخاص، بحيث تكون قواعد المنافسة مستقرة ومعلنة، وتتاح الفرص أمام المستثمرين وفق معايير واضحة، مع الحفاظ على دور الدولة في التخطيط الاستراتيجي والرقابة وحماية المصلحة العامة.
ثالثاً، وضع الإنسان في قلب السياسات الاقتصادية، من خلال تطوير التعليم الفني والمهني، وتحسين الخدمات الصحية، وتوسيع برامج التدريب، وربط مخرجات التعليم بالوظائف التي يحتاجها الاقتصاد بالفعل.
رابعاً، التعامل مع العدالة الاجتماعية باعتبارها استثماراً في الاستقرار، وليس مجرد بند إنفاق، لأن تحسين فرص التعليم والصحة والعمل يرفع قدرة المجتمع على الإنتاج ويقلل من الفجوات التي قد تعوق التنمية.
خامساً، بناء منظومة أكثر كفاءة لإدارة الموارد، تعتمد على تقييم المشروعات وفق عوائدها الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد الأولويات وفق الاحتياجات الفعلية، والابتعاد عن منطق التوسع لمجرد التوسع.
سادساً، تعزيز الشفافية والتواصل المؤسسي، بحيث يعرف المواطن طبيعة التحديات، وأسباب القرارات، والنتائج المستهدفة، وما تحقق منها بالفعل. فالمصارحة لا تضعف الدولة، وإنما تساعد على بناء الثقة عندما تقترن بالمسؤولية والعمل.
وسابعاً، الاستثمار في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ليس باعتبارهما مجرد موضة تكنولوجية، وإنما كفرصة لتطوير الإنتاج والخدمات، وتحسين كفاءة المؤسسات، وفتح أسواق جديدة أمام الشباب والشركات المصرية.
هذه الأولويات لا تعمل بمعزل عن بعضها؛ فالتعليم الجيد يحتاج إلى اقتصاد يخلق وظائف، والاقتصاد المنتج يحتاج إلى استقرار تشريعي، والاستقرار يحتاج إلى مجتمع يشعر بالإنصاف، والعدالة الاجتماعية تحتاج إلى موارد حقيقية لا إلى وعود غير قابلة للاستمرار.
عاشراً: مصر ليست مجرد موقع على الخريطة.. إنها مشروع إنسان
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر عمقاً في الحكاية كلها.
فنحن كثيراً ما نتحدث عن مصر باعتبارها دولة ذات تاريخ عظيم، وموقع استراتيجي، وحضارة ممتدة، وثقل سياسي، وإمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة.
وكل هذه العناصر تمثل رصيداً مهماً، لكن التاريخ لا يدفع الفواتير، والجغرافيا لا توفر فرص العمل بمفردها، والحضارة لا تعفي الحاضر من مسؤولياته.
قيمة التاريخ الحقيقية أنه يمنح الأجيال ثقة في قدرتها على البناء، لا أن يتحول إلى وسيلة للاكتفاء بالحديث عن أمجاد الماضي.
وقيمة الجغرافيا أنها تفتح أمام الدولة أبواباً للنفوذ والتجارة والتعاون، لا أن تظل مجرد ميزة نذكرها في المناسبات.
وقيمة الثروة البشرية أنها قادرة على تحويل الأفكار إلى إنتاج، والموارد إلى قيمة، والتحديات إلى ابتكار.
وهنا يجب أن نعيد تعريف معنى النجاح الوطني.
النجاح ليس فقط أن تكون الدولة حاضرة في الملفات الدولية، وإنما أن يكون المواطن حاضراً في أولوياتها. وليس فقط أن تتوسع المدن، وإنما أن تتطور جودة الحياة داخلها. وليس فقط أن تتزايد الاستثمارات، وإنما أن تتسع دائرة المستفيدين منها.
الدولة ليست مباني ومؤسسات وطرقاً فقط، رغم أن كل ذلك ضروري، بل هي في جوهرها عقد اجتماعي بين مؤسسات ومواطنين، يقوم على الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص والثقة المتبادلة.
وكلما كان هذا العقد أكثر وضوحاً وعدالة، أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
إننا بحاجة إلى الانتقال من سؤال: ماذا تمتلك مصر؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف تدير مصر ما تمتلكه؟
ومن سؤال: كم مشروعاً تم تنفيذه؟ إلى سؤال: كم فرصة عمل مستدامة خلقها؟ وما القيمة الاقتصادية التي أضافها؟ وكيف انعكس على حياة المواطنين؟
ومن سؤال: كيف نحافظ على الاستقرار؟ إلى سؤال: كيف نصنع استقراراً قائماً على الرضا المجتمعي والقدرة الاقتصادية والعدالة المؤسسية؟
هذه ليست أسئلة نظرية، وإنما هي جوهر المعركة الحقيقية من أجل المستقبل.
الخلاصة.. مصر واخدة ناصية، لكن المستقبل لا ينتظر أحداً
في النهاية، أعتقد أن التعبير الشعبي «مصر واخدة ناصية» يحمل أكثر من معنى، وربما يكون أكثر تعبيراً عن اللحظة التي نعيشها من كثير من المصطلحات الاقتصادية والسياسية المعقدة.
نعم، مصر تمتلك موقعاً استراتيجياً، ولديها ثقل إقليمي وتاريخي، وتمتلك طاقات بشرية وإمكانات متنوعة، لكنها في الوقت نفسه تواجه اختبارات تتطلب رؤية اقتصادية أكثر عمقاً، وإدارة سياسية قادرة على قراءة التحولات، وسياسات اجتماعية تضع الإنسان في قلب معادلة التنمية.
لا يمكن أن نطالب المواطن بمزيد من التحمل دون أن نفتح أمامه مسارات واضحة للأمل. ولا يمكن أن نطالب المستثمر بضخ أمواله دون أن نوفر له قواعد مستقرة ومنافسة عادلة. ولا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد قوي دون أن نمنح الصناعة والإنتاج والتكنولوجيا المكانة التي تستحقها. ولا يمكن أن نتحدث عن مجتمع متماسك دون أن نعيد الاعتبار للتعليم والصحة والعدالة وتكافؤ الفرص.
القوة ليست أن تمتلك الدولة كل شيء، وإنما أن تعرف كيف تستخدم ما تمتلكه. والعدالة ليست أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، وإنما أن يمتلك الجميع فرصة حقيقية للوصول إلى حياة أفضل. والتنمية ليست أن نترك للأجيال القادمة مشروعات ضخمة فقط، وإنما أن نترك لها اقتصاداً قادراً على الاستمرار ومجتمعاً قادراً على النهوض.
وأنا هنا لا أطرح رؤية وردية تتجاهل حجم التحديات، ولا قراءة متشائمة تنكر قيمة ما تمتلكه مصر من مقومات، وإنما أطرح ضرورة النظر إلى المشهد باعتباره مشروعاً متكاملاً يحتاج إلى مراجعة الأولويات، وقياس النتائج، وتصحيح المسارات، وتوسيع مساحة المشاركة والمسؤولية.
فمصر لا تحتاج إلى الاختيار بين قوتها السياسية واحتياجاتها الاقتصادية، ولا بين الاستقرار والعدالة الاجتماعية، ولا بين طموح الدولة وحقوق المواطن؛ بل تحتاج إلى صياغة معادلة تجعل هذه العناصر تدعم بعضها بعضاً.
لأن الدولة التي تملك قوة سياسية بلا قاعدة اقتصادية تظل أمام اختبار الصمود، والدولة التي تحقق نمواً بلا عدالة تظل أمام اختبار التماسك، والمجتمع الذي يمتلك الطموح بلا فرص يظل أمام اختبار الأمل.
وهنا نعود إلى الناصية مرة أخرى...
الناصية تمنحك فرصة رؤية الطرق، لكنها لا تختار لك الطريق، ولا تضمن لك الوصول، ولا تعفيك من مسؤولية القرار.
ومصر أمامها أكثر من طريق، وأكثر من فرصة، وأكثر من تحدٍ، لكن الرهان الحقيقي ليس على ما تقف عليه اليوم، وإنما على ما تستطيع أن تصنعه غداً.
فمصر واخدة ناصية.. لكن الأهم أن تكون واخدة طريقها نحو دولة قوية باقتصادها، عادلة بفرصها، متماسكة بمجتمعها، وقادرة على أن تجعل الإنسان المصري شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرج على أحداثه.
فالبلاد لا تُقاس فقط بما تتركه في كتب التاريخ، وإنما بما تتركه في حياة أبنائها.