عاجل

لم تعد قوة الدول في عالمنا المعاصر تقاس بما تمتلكه من قدرات عسكرية أو اقتصادية فحسب، وإنما أصبحت تقاس، بدرجة كبيرة، بمدى تماسك مجتمعاتها، وقدرتها على إدارة الاختلاف، وحماية وعي مواطنيها، والحفاظ على الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
ففي عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية، وتتداخل فيه الصراعات الإقليمية والدولية، باتت الجبهة الداخلية أحد أهم محددات الأمن القومي، وأحد الشروط الضرورية لاستمرار مسيرة التنمية والبناء.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على التماسك المجتمعي لم يعد مجرد قيمة أخلاقية أو شعار وطني، بل أصبح " ضرورة استراتيجية " تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة، وما تشهده المنطقة من اضطرابات وصراعات وتحديات غير مسبوقة. فالدولة التي يتماسك مجتمعها، ويحتكم أبناؤها إلى الحوار والمؤسسات، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات واحتواء تداعياتها، بينما تظل المجتمعات التي " تتآكل " فيها الثقة وتتسع فيها الانقسامات أكثر عرضة للاهتزاز وفقدان القدرة على التعامل مع التحديات.
اولا : دروس الإقليم :  تكلفة الفوضى وتداعيات غياب الاستقرار
تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة في ظل ما تشهده بعض دول الجوار من أزمات ممتدة، تقدم دروسًا بالغة الدلالة حول التكلفة الإنسانية والاقتصادية والسياسية لانهيار مؤسسات الدولة أو تفكك النسيج الوطني ،  فالأوضاع في السودان، وما ترتب على الصراع المسلح هناك من نزوح واسع النطاق وتراجع في الخدمات الأساسية ومعاناة إنسانية قاسية، وكذلك ما شهدته ليبيا من سنوات طويلة من الانقسام وعدم الاستقرار، تؤكد أن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها الوطنية ليس مسألة إدارية أو سياسية محدودة، بل هو شرط جوهري لحماية المجتمع وصون مقدراته.
ولا ينبغي أن يكون استحضار هذه التجارب من باب " إثارة الفزع "  أو المقارنة المبسطة بين أوضاع تختلف في ظروفها وتفاصيلها، وإنما هو من باب استخلاص العبر الموضوعية ، فالفوضى لا تتوقف آثارها عند حدود السياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن الاجتماعي، وتنعكس على فرص العمل ومستويات المعيشة ومستقبل الأجيال ،  كما أن إعادة بناء ما تهدمه الصراعات قد  تستغرق سنوات طويلة، وتستهلك موارد هائلة كان من الممكن توجيهها إلى التنمية وتحسين حياة المواطنين.
ثانيا :  حرب الشائعات : معركة الوعي في العصر الرقمي
وفي سياق الحفاظ على استقرار المجتمعات، تبرز أهمية الوعي المجتمعي باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات بث الفرقة وإثارة الانقسام ونشر المعلومات المضللة ،  فقد أصبحت الشائعة في عصر المنصات الرقمية قادرة على الانتشار في دقائق، وتجاوز الحدود الجغرافية، والتأثير في اتجاهات الرأي العام قبل أن تتاح الفرصة للتحقق من صحتها ،  ولم تعد الشائعات مجرد أخبار غير دقيقة، بل قد تتحول، عندما تتكرر وتتراكم، إلى عامل مؤثر في ثقة القائمة بين المواطن ومؤسسات الدولة ، كما تتحول إلى مصدر للقلق والاحتقان وإرباك النقاش العام.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن بعض الشائعات تستند إلى وقائع جزئية أو صور مجتزأة أو معلومات قديمة يعاد تقديمها في سياق مختلف، بما يجعل التمييز بينها وبين الحقيقة أكثر صعوبة،  ومن ثم، فإن مواجهة حرب الشائعات لا يمكن أن تعتمد على الإنكار أو الاكتفاء بالتحذير من تداول المعلومات، وإنما تستلزم بناء " منظومة متكاملة " تقوم على سرعة إتاحة البيانات، ووضوح الخطاب الرسمي، وتعدد قنوات التواصل، وتعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية لدى المواطنين.
كما أن المسؤولية في هذا المجال مشتركة؛ فالمؤسسات الرسمية مطالبة بتقديم المعلومات الدقيقة في توقيتها المناسب، ووسائل الإعلام مطالبة بالتحقق المهني وعدم الانسياق وراء الإثارة، والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية مطالبة بتعزيز التفكير النقدي، فيما يتحمل المواطن مسؤولية عدم إعادة نشر ما لا يملك دليلًا على صحته ،  فالمجتمع الواعي لا يتلقى المعلومات بصورة سلبية، وإنما يفحصها ويقارن مصادرها ويميز بين الخبر والرأي والتأويل.
وفي هذا السياق، اكتسبت قضية الوعي الوطني حضورًا واضحًا في أحاديث السيد الرئيس خاصة خلال شهر أكتوبر 2026، حيث أكد، خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر، أن الحفاظ على الذاكرة الوطنية والتصدي لمحاولات تزييف الحقائق وتشويه التاريخ يمثلان مسؤولية وطنية مشتركة، محذرًا من خطورة توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة في التأثير على وعي المواطنين وإضعاف تماسك المجتمع. كما شدد خلال افتتاح منتدى مصر 2026 على أن " الوعي الشعبي هو الحصن الأساسي للأمم" ، وأن بناء الدول لا يستند إلى ما تمتلكه من موارد وإمكانات فحسب، وإنما إلى وعي مواطنيها وإرادتهم وقدرتهم على العمل،  وأكد كذلك أن الوعي والوحدة والقدرة على إدراك طبيعة التحديات تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات زعزعة استقرار الدولة.
تحمل هذه الرسائل دلالة مهمة، مفادها أن حماية الوعي لا تقتصر على مواجهة الشائعات بعد انتشارها، بل تبدأ ببناء " عقل نقدي"  قادر على التحقق من المعلومات، وصون الذاكرة الوطنية، والتمييز بين الاختلاف المشروع ومحاولات بث الفرقة والانقسام.
ثالثا : الثقة في مؤسسات الدولة :  علاقة متبادلة أساسها الشفافية والمساءلة
إن تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة يستلزم النظر إليها باعتبارها " علاقة متبادلة " ، وليست مجرد مطالبة من طرف واحد،  فالمواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن المؤسسات تعمل لخدمته، وأن قراراتها تستند إلى أسس واضحة، وأن أداءها يخضع للتقييم والمراجعة، وأن أبواب الحوار والتظلم والمساءلة مفتوحة أمامه،  وفي المقابل، تحتاج المؤسسات إلى مجتمع يقدر طبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتقها، ويدرك تعقيدات إدارة الموارد والأزمات، ولا يبني أحكامه على معلومات غير موثقة أو انطباعات عابرة.
ومن المهم هنا التأكيد أن الثقة الحقيقية لا تتعارض مع النقد الموضوعي، بل تتعزز به،  فالنقد المسؤول ليس تهديدًا للاستقرار، وإنما أداة لتصحيح المسار وتحسين الأداء وكشف أوجه القصور،  كما أن الاعتراف بالمشكلات لا ينتقص من قيمة ما تحقق، بل يمنح السياسات العامة قدرًا أكبر من المصداقية.
ولا يمكن بناء رأي عام واعٍ وداعم لمسيرة التنمية إلا من خلال المصارحة، وإتاحة المعلومات، واحترام حق المجتمع في المعرفة والمناقشة.
وقد جاءت تأكيدات السيد الرئيس في أحاديثه ولقاءاته بشأن العلاقة بين الدولة والمواطن لتسلط الضوء على أهمية التلاحم بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وعلى ضرورة التعلم من التجارب والاستفادة من الأخطاء والتحديات،  وهي رؤية تضع المصارحة والتقييم المستمر في إطار المسؤولية الوطنية المشتركة.
رابعا : مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية أساس بناء الثقة المجتمعية
ولا يمكن الحديث عن التماسك المجتمعي بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطنون ،  فهناك ضغوط معيشية وتحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الحياة وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات، فضلًا عن الأعباء التي تفرضها الأوضاع الإقليمية والدولية على الاقتصاد الوطنى.
وهذه التحديات لا ينبغي التقليل من شأنها أو مطالبة المواطنين بتجاهلها، بل يتعين التعامل معها بسياسات واقعية وبرامج قابلة للقياس، وتحديد أولويات الإنفاق، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية.
إن استكمال مسيرة البناء لا يعني الاكتفاء بما تحقق من مشروعات أو مؤشرات، وإنما يعني الانتقال المستمر من بناء البنية الأساسية إلى تعظيم عائدها على حياة المواطنين، وتحسين جودة التعليم والصحة والنقل والخدمات، وتوسيع قاعدة الإنتاج والاستثمار، وخلق فرص حقيقية أمام الشباب،  فالمشروعات الوطنية تكتسب قيمتها الحقيقية بقدر ما تنعكس نتائجها على مستوى معيشة المواطنين، وتزيد قدرتهم على المشاركة في الاقتصاد والمجتمع.
خامسا : تكوين رأي عام واعٍ وداعم: بين الإنجاز والنقد الموضوعي
إن تكوين رأي عام داعم للدولة ومؤسساتها لا ينبغي أن يكون هدفًا منفصلًا عن جودة الأداء العام، ولا أن يقوم على خطاب أحادي الاتجاه، وإنما يتحقق من خلال بناء " قناعة مجتمعية"  تستند إلى الحقائق، وتوازن بين تقدير الإنجازات ورصد أوجه القصور، وبين إدراك المخاطر المحيطة بالدولة والمطالبة بتحسين السياسات والاستجابة لاحتياجات المواطنين.
وتتطلب المرحلة الراهنة أيضًا إعادة الاعتبار لفكرة " المسؤولية المشتركة " ؛ فالدولة وحدها لا تستطيع مواجهة جميع التحديات دون مشاركة مجتمعية فعالة، كما أن المجتمع لا يستطيع حماية مصالحه في غياب مؤسسات وطنية قوية وقادرة على أداء وظائفها ،  وبين الطرفين تنشأ علاقة تكاملية قوامها الثقة والمشاركة واحترام القانون والمصلحة العامة .
ومن هنا، فإن الحفاظ على الاستقرار لا يعني تجميد المجتمع أو مصادرة اختلاف الآراء، وإنما يعني " إدارة الاختلاف " بصورة سلمية ومؤسسية، والاحتكام إلى القانون، ورفض العنف والتحريض، وحماية حق الجميع في التعبير المسؤول ،  فالتماسك الحقيقي لا يقوم على تطابق الأفكار، بل على وجود إطار وطني جامع يسمح بالتنوع ويحمي وحدة المجتمع.
سادسا: استكمال البناء مسؤولية وطنية تتطلب تكاتف الجميع
تواجه مصر تحديات حقيقية، لكنها تمتلك كذلك مقومات بشرية ومؤسسية وتاريخية تتيح لها مواصلة مسيرة البناء والتطوير،  والمطلوب اليوم ليس إنكار الصعوبات، ولا الاستسلام لها، وإنما التعامل معها بوعي وواقعية، وتغليب المصالح الوطنية المشتركة، وتوسيع مساحات الحوار والتفاهم، والابتعاد عن كل ما يغذي الانقسام أو يدفع إلى الفوضى.
وختاما ، 
إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا تُحمى بتجاهل المشكلات، وإنما تُصان بوعي شعوبها، وكفاءة مؤسساتها، وعدالة سياساتها، وتكاتف أبنائها،  وبين تحديات الحاضر وآمال المستقبل، تظل وحدة المجتمع والثقة المتبادلة والعمل المشترك ركائز لا غنى عنها لاستكمال البناء، وحماية مقدرات الدولة، وضمان أن تظل التنمية " مشروعًا وطنيًا " يشارك فيه الجميع ويعود خيره أيضا على الجميع .

تم نسخ الرابط