جاءت دعوة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر د. أحمد الطيب في الثاني عشر من أكتوبر 2026، والتي تضمنت تشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة من حكماء وممثلي الدول العربية والإسلامية، مع إعلان الأزهر استعداده لدعم جهودها، جاءت هذه الدعوة الكريمة في توقيت بالغ الدقة والخطورة، وفي ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وحروب وأطماع من الأعداء لتكريس الفرقة والصدام بين الدول العربية والإسلامية، فضلًا عن صرف الاهتمام عن القضية الأهم وهي القضية الفلسطينية باستمرار الصراعات والانقسامات في المنطقة، مما يضعف القدرة على التحرك المشترك لدعم الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه المشروعة. فكلما اتسعت دائرة الصراع والحروب العربية تراجعت مساحة الاهتمام الإقليمي والدولي بالقضية الفلسطينية، وتزايدت الأعباء الإنسانية والسياسية التي يتحملها الفلسطينيون.
جاءت هذه الدعوة المباركة لتفتح نافذة جديدة للأمل، وتعيد التأكيد على أن الحوار والمصالحة والحكمة وتغليب مصلحة الأمة هي الطريق الحقيقي لإنهاء الصراعات وصون المقدرات. ومما لا شك فيه أن هذه الدعوة تعبر عن رؤية أوسع لدور الأزهر كمؤسسة دينية وتعليمية في حماية المجتمعات وإعلاء قيم الإخوة والتسامح والتعايش، والعمل على رأب الصدع بين الأشقاء وتغليب المصلحة العامة على الخلافات والحسابات الضيقة.
فليست مجرد نداء عابر لوقف القتال واحتواء أزمة مؤقتة، بل تمتد إلى ترسيخ ثقافة المصلحة والتسامح وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وفتح قنوات اتصال جادة يمكن أن تفضي إلى حلول سياسية عادلة ومستدامة، وتؤكد أن الخلافات مهما بلغت حدتها لا ينبغي أن تتحول إلى حروب مفتوحة يدفع ثمنها الأبرياء، وتبدد ثروات الشعوب وفرص التنمية والتقدم. كما أنها تؤكد أن وحدة الصف العربي والإسلامي ليس مجرد شعار عاطفي، وإنما ضرورة لحماية الأمن القومي العربي والإسلامي، وصون مقدرات الدول والحفاظ على مستقبل الأجيال القادمة.
انطلاق هذه الدعوة من الأزهر تحمل رسالة واضحة مفادها أن الأزهر ليس بعيدًا عن قضايا الأمة وآلام شعوبها، بل يحمل مسؤولية أخلاقية وإنسانية في الدعوة إلى الإصلاح وإطفاء نيران الفتن. ولعل أكثر ما يميز هذه المبادرة أنها لم تكتف بالتعبير عن القلق إزاء ما يجري في المنطقة، وإنما طرحت آلية عملية واقعية تتمثل في تشكيل لجنة الوساطة والتهدئة تضم شخصيات تتسم بالحكمة والقبول والقدرة على التواصل مع الأطراف المختلفة، تتولى التحرك لاحتواء الأزمات وتقريب وجهات النظر وفتح مسارات جادة للحوار والمصالحة.
ومن هنا تبرز أهمية أن تتوافر لهذه اللجنة الاستقلالية والموضوعية والقدرة على الاستماع إلى جميع الأطراف والابتعاد عن الانحيازات، والعمل وفق رؤية واضحة تضع وقف نزيف الدماء وحماية الأمة وشعوبها والحفاظ على استقرار الدول وسيادتها في مقدمة الأولويات. لذا فإن هذه المبادرة تحمل مضمونًا بتجاوز حدود الوساطة السياسية إلى بناء وعي جديد لدى الشعوب والنخب وصناع القرار، يقوم على أن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببًا للعداء، وأن العلاقات بين الدول والشعوب يجب أن تقدم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على تأجيج الخلافات وتوسيع دوائر الصراع.
انطلاقًا من ثقافة المصالحة التي تنبع من ديننا الحنيف، فقد جعل الإسلام الإصلاح بين المتخاصمين من أعظم القيم التي ينبغي أن يتحلى بها المجتمع المسلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: الآية 10). كما دعا إلى الاعتصام ونبذ الفرقة، فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: الآية 103).
وهذه التوجيهات القرآنية ليست مجرد مبادئ أخلاقية نظرية، وإنما تمثل منهجًا متكاملًا لبناء المجتمعات والحفاظ على تماسكها، وتؤكد أن الإصلاح بين المتنازعين مسؤولية جماعية، وأن حقن الدماء مقدم على الانتصار للرأي أو التمسك بالخلاف.
فهذه المبادرة رسالة إنسانية وحضارية في المقام الأول، رسالة تؤكد أن الدماء التي تسفك في الحروب لا ينبغي أن تكون قدرًا محتومًا، وأن العقل والحكمة قادرتان على فتح أبواب كانت تبدو مغلقة، وأن الأمة التي تجمعها روابط الدين والتاريخ واللغة والمصير الواحد لا يجوز أن تظل أسيرة الانقسام والتناحر.
إننا أمام دعوة تستحق أن تجد طريقها إلى التنفيذ، فالأمة لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات، وإنما تحتاج إلى من يجمع كلمتها ويحقن دماء أبنائها ويحمي مقدراتها ويعيد الثقة في قدرتها على تجاوز أزماتها. لذلك ينبغي أن تتحول هذه الدعوة إلى مسار دائم للعمل العربي والإسلامي المشترك، لا أن تظل مرتبطة بظرف طارئ أو أزمة محددة، فالمنطقة بحاجة إلى مؤسسات وآليات قادرة على احتواء الخلافات قبل أن تتفاقم، وإلى إرادة سياسية تضع استقرار الشعوب ومصالحها فوق الاعتبار.
حيَّا الله الأزهر وشيخه الكريم الذي يؤكد دومًا أن قوة الأمة الحقيقية لا تكمن في قدرتها على خوض الحروب، وإنما في قدرتها على إطفائها، وأن بناء المستقبل يبدأ عندما تنتصر الحكمة على الخلاف، وتنتصر الإخوة على الفرقة، ويصبح السلام هدفًا مشتركًا تتكاتف من أجله إرادة الجميع.