عاجل

الدكتور أحمد فاروق: زيارة الرئيس السيسي للمجر تعكس أهمية الجغرافيا الاقتصادية في إعادة رسم خريطة المصالح المصرية

أحمد فاروق
أحمد فاروق

أكد الدكتور أحمد فاروق، عضو أمانة تنمية الموارد المركزية بحزب مستقبل وطن، أن الزيارة الرسمية التي يجريها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المجر تعكس أهمية التحرك المصري في اتجاه بناء شراكات دولية تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، وتتعامل مع التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي باعتبارها فرصة لإعادة تموضع الاقتصاد المصري داخل خريطة الإنتاج والتجارة والاستثمار، مشيرًا إلى أن القيمة الاستراتيجية للعلاقات الدولية أصبحت ترتبط بقدرة الدول على تحويل موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها السياسية إلى مزايا اقتصادية قابلة للاستثمار.

وأوضح فاروق أن الاقتصاد العالمي لم يعد يتحرك وفقًا لمنطق الأسواق المنفصلة، بل أصبح يقوم على شبكة متداخلة من المصالح وممرات التجارة ومراكز الإنتاج والتكنولوجيا، وهو ما يجعل بناء الشراكات الاقتصادية مسألة تتجاوز حجم التبادل التجاري المباشر بين دولتين. فالشراكة الأكثر تأثيرًا هي التي تتيح لكل طرف الاستفادة من نقاط القوة لدى الطرف الآخر، وتفتح المجال أمام مشروعات مشتركة تتصل بالإنتاج والتصنيع والخدمات اللوجستية ونقل المعرفة، بما يخلق مصالح ممتدة تتجاوز دورة اقتصادية أو اتفاقًا تجاريًا مؤقتًا.

وأشار عضو أمانة تنمية الموارد المركزية بحزب مستقبل وطن إلى أن مصر تمتلك مقومات مهمة في هذه المعادلة، بداية من موقعها الرابط بين الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية، مرورًا بالبنية الأساسية والمناطق الاقتصادية والموانئ، وصولًا إلى قاعدة استهلاكية وإنتاجية واسعة. غير أن تعظيم العائد من هذه المقومات يتطلب ربطها بشبكة أوسع من الشركاء الدوليين، بحيث لا يظل الموقع الجغرافي ميزة نظرية، بل يتحول إلى قدرة فعلية على جذب الاستثمارات وتوطين الأنشطة الإنتاجية وتعزيز حركة الصادرات.

وأضاف أن العلاقات المصرية المجرية تتيح مساحة لاستكشاف فرص تعاون تتناسب مع هذه الرؤية، خصوصًا في المجالات الصناعية والتكنولوجية والتعليمية والبحثية، إلى جانب التجارة والطاقة والسياحة، وهي ملفات تناولها الرئيسان خلال لقائهما في بودابست. وتكمن أهمية هذه المجالات في إمكانية الربط بينها؛ فالتعاون التعليمي والبحثي، على سبيل المثال، يمكن أن يدعم تطوير المهارات اللازمة للصناعة، بينما يمكن للشراكات التكنولوجية أن ترفع كفاءة الإنتاج وتزيد قدرة الشركات على المنافسة، وهو ما يمنح التعاون الاقتصادي قيمة أعمق من مجرد زيادة حجم التعاملات التجارية.

ولفت فاروق إلى أن أحد التحديات الرئيسية أمام الاقتصادات الناشئة يتمثل في الفجوة بين امتلاك المقومات الاقتصادية والقدرة على تحويلها إلى قيمة مضافة محلية. فالدولة قد تتمتع بموقع استراتيجي وبنية أساسية متطورة، لكن العائد التنموي يظل محدودًا إذا لم يصاحب ذلك توسع في التصنيع، وتطوير للمهارات، وزيادة في المكون المحلي، وارتباط أقوى بين الاستثمار والإنتاج والتصدير. ومن هنا، فإن نجاح التحركات الخارجية يجب أن يُقرأ أيضًا في ضوء قدرتها على خدمة هذه الأولويات الوطنية.

وأكد أن توقيت الزيارة يكتسب أهميته من حالة إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية عالميًا، مع تصاعد الاهتمام بأمن سلاسل الإمداد، وتنويع مصادر الحصول على التكنولوجيا، وتقليل الاعتماد على مسارات محدودة للتجارة والاستثمار. وفي هذا السياق، لا يعني تنويع الشراكات تغيير اتجاه العلاقات المصرية، وإنما توسيع نطاق الخيارات المتاحة أمام الاقتصاد الوطني، وتعزيز قدرته على التعامل مع المتغيرات الدولية من موقع أكثر مرونة وتوازنًا.

وشدد فاروق على أن تعظيم الاستفادة من الشراكة مع المجر يتطلب الانتقال من طرح مجالات التعاون إلى تحديد فرص عملية يمكن البناء عليها، من خلال تشجيع التواصل بين مجتمعَي الأعمال، وتحديد القطاعات ذات الجدوى الاستثمارية، وربط فرص التعاون باحتياجات السوق المصرية والأسواق التي يمكن الوصول إليها عبر مصر، مع مراعاة القدرة التنافسية للمشروعات واستدامة عوائدها. فالمعيار الحقيقي لأي شراكة اقتصادية ليس اتساع نطاقها المعلن، بل قدرتها على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وتدفقات استثمارية مستدامة.

واختتم الدكتور أحمد فاروق بالتأكيد على أن التحرك المصري نحو توسيع الشراكات الدولية يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القوة الاقتصادية لا تُبنى بالموارد وحدها، وإنما بحسن توظيفها داخل شبكة من المصالح المتبادلة. ومن ثم، فإن الرهان على زيارة الرئيس السيسي للمجر يتمثل في تحويل التقارب السياسي إلى مسارات تعاون قابلة للتنفيذ، تعزز قدرة مصر على استثمار موقعها الجغرافي، وتدعم تنافسية اقتصادها، وتمنحه مساحة أوسع للحركة في عالم أصبحت فيه الجغرافيا الاقتصادية أحد المحددات الأساسية لتوزيع فرص النمو والاستثمار.

تم نسخ الرابط