عاجل

أسعار الدواجن تقترب من حاجز التكلفة.. والكتكوت يقفز 275% في شهرين وسط ضغوط الدولار والأعلاف

 صناعة الدواجن
صناعة الدواجن

تشهد صناعة الدواجن في مصر موجة جديدة من ارتفاعات الأسعار امتدت من الكتاكيت إلى الدواجن البيضاء ومدخلات الإنتاج، في تطور يعكس تصاعد الضغوط التي تواجه إحدى أهم حلقات منظومة الأمن الغذائي، وسط ارتفاع تكاليف الأعلاف ومستلزمات التربية وتأثر بعض المدخلات بتحركات سعر الصرف وأعباء الاستيراد والشحن.

وتكشف الأرقام المتداولة عن تسارع ملحوظ في تكلفة بدء دورات الإنتاج؛ إذ ارتفع سعر الكتكوت عمر يوم إلى نحو 30 جنيهًا مقابل 8 جنيهات قبل شهرين، بزيادة تبلغ 275%، بينما صعد سعر كيلو الدواجن البيضاء بأرض المزرعة بنسبة تقارب 28% منذ مطلع سبتمبر، ليصل إلى 74 جنيهًا مقابل 58 جنيهًا. وتكتسب هذه الزيادات أهمية خاصة في ظل تقديرات تشير إلى أن تكلفة إنتاج الكيلو تتراوح بين 75 و80 جنيهًا، بما يضع عددًا من المربين أمام ضغوط مالية متزايدة إذا لم تتناسب أسعار البيع مع التكلفة الفعلية.

الكتكوت يقود موجة ارتفاع التكلفة.. لماذا تمثل الزيادة خطرًا على الإنتاج؟

 

لا تتوقف دلالة ارتفاع سعر الكتكوت عند الزيادة المباشرة في تكلفة شراء مدخلات التربية، بل تمتد إلى اقتصاديات دورة الإنتاج بأكملها. فالكتكوت يمثل نقطة البداية في الدورة، وأي زيادة كبيرة في سعره ترفع حجم رأس المال المطلوب قبل وصول الدواجن إلى الوزن التسويقي، وتزيد الأموال المعرضة للمخاطر خلال فترة التربية.

وتصبح هذه الضغوط أكثر تعقيدًا عند اجتماع ارتفاع سعر الكتكوت مع زيادة تكلفة الأعلاف والطاقة والأدوية والنقل، إذ لا يستطيع المربي بالضرورة تمرير جميع الزيادات إلى سعر البيع النهائي، خصوصًا في سوق تتأثر فيها القدرة الشرائية للمستهلكين بمستويات الدخول وأسعار الغذاء.

لكن ارتفاع سعر الكتكوت بنسبة 275% لا يعني بالضرورة ارتفاع تكلفة إنتاج الدواجن بالنسبة نفسها؛ فهذه النسبة تخص أحد عناصر التكلفة، بينما تتحدد التكلفة النهائية وفق الوزن المحقق، ومعدل التحويل الغذائي، ونسب النفوق، وتكلفة التدفئة والرعاية، وسعر العلف، ومصروفات التشغيل والتسويق.

ومن ثم، فإن قياس أثر الزيادة بصورة دقيقة يتطلب النظر إلى تكلفة الدورة كاملة، وليس الاكتفاء بمقارنة سعر الكتكوت في نقطتين زمنيتين.

هل يبيع المربون الدواجن بأقل من تكلفتها؟

 

تشير الأرقام الواردة إلى أن سعر البيع بأرض المزرعة، البالغ نحو 74 جنيهًا للكيلو، يقل عن الحد الأدنى لتقديرات تكلفة الإنتاج، البالغ 75 جنيهًا، بنحو جنيه واحد للكيلو، وقد يتسع الفارق إلى 6 جنيهات إذا بلغت التكلفة 80 جنيهًا.

وإذا كانت هذه التقديرات تعكس متوسطات فعلية متقاربة في الفترة نفسها، فإن الفارق يضع المربين أمام احتمال تحمل خسائر تشغيلية، أو على الأقل تراجع هوامش الربح بصورة حادة. غير أن تعميم هذه النتيجة على القطاع بأكمله يحتاج إلى التمييز بين المزارع وفق حجم التشغيل وكفاءة التربية وتكلفة التمويل ومعدلات النفوق.

كما أن المقارنة الصحيحة تقتضي توحيد أساس الحساب؛ فتكلفة الإنتاج يجب أن تُقارن بسعر البيع عند المستوى نفسه من سلسلة التداول، مع مراعاة الوزن ونسبة التصافي والمصروفات التي يتحملها كل طرف. لذلك، فإن الفارق بين السعر والتكلفة مؤشر مهم على الضغوط، لكنه لا يكفي وحده لتحديد حجم خسائر جميع المربين.

الدولار والأعلاف.. حلقة الضغط الممتدة إلى أسعار الغذاء

 

يمثل العلف أحد أبرز محددات تكلفة إنتاج الدواجن، نظرًا إلى اعتماده على مكونات رئيسية تشمل الذرة الصفراء وكسب فول الصويا، وهي مدخلات تتأثر أسعارها المحلية بالأسعار العالمية وتكاليف النقل والاستيراد وسعر صرف العملة.

وعندما ترتفع تكلفة هذه المكونات، تتزايد أعباء التشغيل على المزارع، خصوصًا إذا تزامنت الزيادة مع ارتفاع أسعار الكتاكيت والطاقة والأدوية البيطرية. وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة مجرد زيادة موسمية في سعر سلعة غذائية، بل ضغطًا متراكمًا على سلسلة إنتاج تبدأ من توفير المدخلات وتنتهي بوصول المنتج إلى المستهلك.

ومع ذلك، فإن إرجاع موجة الارتفاع بالكامل إلى الدولار سيكون تبسيطًا للمشهد؛ إذ تتداخل معه عوامل أخرى، من بينها حجم المعروض من الكتاكيت، والطاقة الإنتاجية للقطعان، ومعدلات الإشغال في المزارع، وحركة الطلب، وتوقيت دخول الدورات الجديدة إلى السوق.

وبالتالي، فإن فهم أسباب الزيادة يتطلب بيانات متزامنة عن أسعار الأعلاف والكتاكيت وأحجام الإنتاج والطلب، حتى يمكن تحديد الوزن النسبي لكل عامل بدلًا من تحميل سبب واحد مسؤولية جميع التحركات السعرية.

ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة زيادة أرباح الصناعة

 

من المفارقات الاقتصادية في أسواق الغذاء أن ارتفاع سعر المنتج النهائي لا يضمن تحسن أرباح المنتجين. فقد يرتفع سعر الدواجن بأرض المزرعة، بينما ترتفع تكاليف إنتاجها بوتيرة مماثلة أو أسرع، فتظل هوامش الربح محدودة أو تتحول إلى خسائر.

وفي المقابل، قد تؤدي زيادة الأسعار إلى ارتفاع العبء على المستهلك، خاصة الأسر التي تمثل الدواجن بالنسبة إليها مصدرًا رئيسيًا للبروتين الحيواني. وهنا تظهر المعضلة التي تواجه السوق: أسعار منخفضة بصورة لا تغطي التكلفة تهدد استمرارية بعض المربين، بينما تؤدي الزيادات الحادة إلى تراجع القدرة الشرائية، وقد تضغط على حجم الطلب.

وإذا استمرت الخسائر لفترة طويلة، فقد يتجه بعض المنتجين إلى تقليص أعداد القطعان أو تأجيل دورات التربية، وهو ما يمكن أن يقلص المعروض مستقبلًا ويزيد التقلبات السعرية. لكن تحقق هذا السيناريو وحجمه يظلان مرتبطين بمدة الضغوط وقدرة المزارع على تمويل دورات الإنتاج الجديدة.

ما المطلوب لاحتواء موجة الارتفاع؟

 

تبدأ المعالجة من تحسين توافر بيانات دقيقة ومحدثة عن تكلفة الإنتاج الفعلية، وأسعار الأعلاف والكتاكيت، وحجم المعروض المتوقع، بما يسمح بقراءة السوق بصورة أكثر واقعية وتحديد مواضع الاختلال.

كما تبرز أهمية تعزيز توافر مدخلات الأعلاف، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد والتخزين والنقل، ومتابعة تطورات سوق الكتاكيت بما يساعد على تفسير الزيادات الحادة في أسعارها. ويجب أن تستند أي تدخلات تنظيمية إلى بيانات واضحة تميز بين الارتفاع الناتج عن زيادة التكلفة والارتفاع المرتبط باختلالات العرض والطلب.

وفي الوقت نفسه، فإن استدامة صناعة الدواجن تتطلب تحقيق توازن بين حماية القدرة الشرائية للمستهلك والحفاظ على قدرة المربين على الاستمرار، لأن الضغط على أحد الطرفين بصورة غير قابلة للاستدامة قد ينعكس في النهاية على الطرف الآخر.

تكشف قفزة الكتاكيت وارتفاع أسعار الدواجن أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بسعر البيع وحده، بل بقدرة منظومة الإنتاج على استيعاب تكاليف متصاعدة دون الإضرار بالمربي أو تحميل المستهلك أعباء إضافية تفوق قدرته. فاستقرار أسعار الغذاء يبدأ من استقرار تكلفة الإنتاج واستدامة المعروض، وليس من مراقبة السعر النهائي بمعزل عن اقتصاديات الصناعة بأكملها.

تم نسخ الرابط