شهدت عدة مدن أوروبية مشاهد قاسية أثارت الذهول .. احتجاجات وتظاهرات تتشابك فيها الشعارات السياسية بأعمال العنف والتخريب لتتحول سريعاً إلى مظاهر شغب واقتحام للمتاجر ونهب للمحلات والمولات الكبرى.. وفي قلب هذه المشاهد، ظهرت أصابع الاتهام تتجه نحو تجمعات من المهاجرين واللاجئين الذين تم استغلال بعضهم أو تورط بعض شبابهم في تأجيج الصراع والمشاركة في أعمال السلب والنهب مما دق ناقوس الخطر في العواصم الغربية حول جدوى السياسات الأمنية والاندماج المجتمعي.
ومع تكرار هذه الصور عبر الشاشات يتصاعد في الشارع المصري والعربي سجال ساخن وطرح يتساءل بوجل.. هل نحن معصومون من هذا السيناريو؟ وماذا لو تكررت تلك الفوضى في مصر التي تستضيف ملايين الأجانب والضيوف وفي مقدمتهم السوريون والسودانيون؟
ولكي نضع الأمور في نصابها الصحيح بعيداً عن التهويل أو التهوين لا بد أولاً من تفكيك المقارنة بين النموذج الأوروبي والنموذج المصري في التعامل مع ملف اللاجئين والوافدين.. فمن ناحية الوضع في أوربا يقوم التعامل غالباً على إقامة «معسكرات» أو تجميع اللاجئين في أحياء هامشية معزولة ) Ghettoes) وهذا العزل الجغرافي والثقافي يخلق بيئة خصبة للشعور بالتهميش والاحتقان وتولد أجيال تتنفس الاحباط والغضب ضد المجتمع المضيف وتنتظر أول شرارة لتفجير الغضب في صورة أعمال شغب وسرقة للممتلكات.
أما مصر فتعتمد استراتيجية مغايرة تماماً إذ لا توجد في مصر مخيمات احتجاز ولا معسكرات معزولة.. فيعيش اللاجئون من السودان وسوريا وغيرهم وسط أفراد الشعب المصري يشاركونهم السكن والأسواق والأحياء السكنية.. وهذا الاندماج الأفقي خلق نوعاً من التقارب الاجتماعي والروابط الاقتصادية واليومية المباشرة التي تذيب الاصطدام العنيف وتجعل الغالبية العظمى من هؤلاء الضيوف حريصين على استقرار البلد الذي ينعمون فيه بالأمان ويمارسون فيه أنشطتهم وتجارتهم بحرية.
ولكن وعلى الرغم من الفرق الجوهري في نموذج الاندماج إلا أن التغاضي عن المخاطر المحتملة يُعد نوعاً من السذاجة السياسية.. فالأرقام الضخمة للوافدين التي تتزايد بفعل الأزمات المشتعلة على الحدود الجنوبية والشرقية تضع الدولة والمجتمع أمام تحديات استراتيجية وأمنية لا يمكن تجاهلها فهناك الضغط التنافسي والاقتصادي حيث تشهد بعض الأحياء ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار العقارات والإيجارات إلى جانب الضغط الشديد على خدمات كالكهرباء والصحة والتعليم والنقل.. ومع التضخم والظروف الاقتصادية العالمية الصعبة يولد هذا الضغط نوعاً من السخط والمنافسة الحادة على الفرص.
أيضا عندما تتركز جنسية معينة في مناطق وأحياء بأكملها حتى تصبح شبه مغلقة أو تحمل طابعاً ديموغرافياً معيناً تبدأ الهويات الفرعية في الظهور على حساب الهوية الوطنية العامة وهو ما يشكل ثغرة أمنية ومجتمعية إذا ما وقعت أي أزمة سياسية أو شائعة مغرضة.
وهنا تشهد شبكات التواصل الاجتماعي استقطاباً حاداً بين تيارات تنادي بالترحيل الفوري وبين مجموعات وافدة تتكتل افتراضياً.. هذا التلاطم الرقمي هو الوقود الذي يُخشى أن يتحول -في لحظة احتقان أو حادث فردي- إلى مشاحنات ميدانية قد تستغلها أطراف كارهة لإشاعة الفوضى.
إن حماية البلاد من أي سيناريوهات شغب أو تعد على الممتلكات والمتاجر على طريقة بعض المدن الأوروبية يتطلب الحزم واليقظة والاستباق عبر آليات عمل واضحة أهمها الضبط والتنظيم التشريعي (الحوكمة الرقمية) واستكمال المنظومة القانونية والتسجيل الدقيق لجميع المقيمين والوافدين.. وحظر أي تقنين لأوضاع غير شرعية لضمان معرفة كل فرد يقيم على أرض مصر حقوقه وواجباته.
أيضا تجنب تشكيل تجمعات جغرافية مغلقة لجنسيات محددة والعمل على التوزيع الديموغرافي المتوازن الذي يحافظ على السيادة الأمنية ويسهل عمليات التفتيش والرقابة.. فمصر دولة مؤسسات وقانون وأي خروج عن القانون سواء أكان اعتداء على الممتلكات أو مشاركة في تحركات مشبوهة أو إثارة للنعرات الفئوية يجب أن يقابل بالرحيل الفوري والتطبيق الصارم للقانون دون مجاملة أو مواءمة سياسية.
وأخيرا فلا يجوز أن تظل مصر تتحمل أعباء الملايين نيابة عن العالم في ظل تقاعس المنظمات الدولية عن تقديم الدعم المالي والتنموي المناسب.. والعبء الشديد على الموازنة العامة ينبغي أن يقابله تمويل دولي عادل يحمي حائطه الصد.
إن مصر كانت وستظل حصناً آمناً وتاريخها قائم على إغاثة الملهوف وإيواء الجار.. لكن «الكرم المصري» لا يعني مطلقاً التفريط في مقومات الأمن القومي أو السماح باستنساخ التجربة الأوروبية الفاشلة على أرضنا.. إن الوقاية تتمثل في حوكمة الملف والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه المساس بأمن المواطن أو ممتلكاته أو سكينة هذا الوطن.