عاجل

لا أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أكتب عن صديقي وزميلي الكاتب الصحفي، محمد قاياتي، رئيس تحرير برنامج حقائق وأسرار، الذي جمعتني به عشرة ١٠ أعوام كاملة من العمل والضحك وخلافات العمل، والمواقف التي لا تُنسى.. لا أعرف كيف أكتب عن رجل كنت أراه كل أسبوع، وأتحدث إليه، وأسمع صوته، وأختلف معه، ثم أجد نفسي فجأة أمام حقيقة لا يستطيع عقلي استيعابها.. أن محمد قاياتي قد رحل، وأنني لن أسمع منه مرة أخرى كلمته التي كان يناديني بها دائمًا: «ياعوبد»!.

يا الله.. كيف تتحول كلمة عادية اعتدت سماعها إلى وجع لا يحتمله القلب؟!.. كان (قاياتي) طيب القلب، سريع الغضب، لكنه يهدأ ويلين بسهولة، لا يعرف إيذاء أحد، ولا يحمل في قلبه ضغينة.. كنا أحيانًا نضحك من تصرفاته الطيبة، ومن طريقته التلقائية في التعامل مع الناس.

كان شجاعًا مقدامًا، صاحب رأي وموقف، يملك القدرة على الكلام عندما يختار الآخرون الصمت.. لم يكن من الرجال الذين يرفعون أصواتهم ليثبتوا قوتهم، بل كان يمتلك صلابة لا تحتاج إلى استعراض، وعنادًا لا يعرف الانكسار، وإرادة جعلته يقف في مواجهة مرض كان كفيلًا بأن يطرح رجلًا في مثل سنه أرضًا منذ سنوات.

محمد قاياتي لم يكن قويًا لأنه لم يتألم، بل لأنه كان يتألم ويواصل الطريق.. منذ نحو خمس سنوات، بدأت رحلة قاياتي مع مرض القلب.

دعامة أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم قصور حاد وشديد في عضلة القلب، حتى وصلت كفاءتها، خلال العام الأخير، إلى نحو 22%، كان جسده ينحل أمام أعيننا، حتى صار أشبه بهيكل عظمي، وأصبح صعود درجتين على السلم مشقة بالنسباله لا تحتمل، وكان نفسه ينقطع، ويطارده المرض في كل حركة.

رغم كل ذلك، كان يعود إلى العمل، وكان الأستاذ مصطفى بكري يتدخل أكثر من مرة لإنقاذه، ويحجز له في مستشفى الناس للقلب ومستشفى زايد التخصصي، مُصرا على أن يتلقى العلاج، بعدما أصبحت حالته شديدة الخطورة.

أتذكر جيدًا ما حدث قبل نحو عام، حين كان الأطباء في حالة انزعاج شديد من حالته.. أتذكر الطبيب وهو يقول له، بلهجة مقلقة للغاية كيف تأتي إلى المستشفى على قدميك، بدلًا من أن تأتي محمولًا على نقالة الإسعاف؟ من فضلك، اصعد إلى السرير فورًا ولا تتحدث.

كان الفريق الطبي كله يتحرك حوله، أطباء يتابعون حالته، وآخرون يذهبون ويجيئون بأدوات الإنقاذ، والقلق يملأ المكان من أن يتوفى في لحظات ولكن القدر كان يمهله قليلًا ليعود إلينا، كانت حالته تستدعي كل هذا الاهتمام، لكن قاياتي كان يتصرف وكأن الأمر لا يستحق كل هذا القلق.

وماذا فعل؟ قام وغادر المستشفى،
نعم، غادرها رغم إصرار الأطباء على بقائه، ورغم خطورة حالته، ورغم كل ما كان يحيط به من تحذيرات.

ثم كانت المفاجأة التي اعتدناها منه: وجدناه في اليوم التالي في العمل، يؤدي مهامه، رغم أنف المرض، ورغم النفس المتقطع، ورغم أن قلبه كان يخوض معركة لا نعرف كيف كان يحتملها.

كان (أبوقاياتي) مثل ماكنن أقول له، يقاوم بطريقته الخاصة، لا يستسلم، لا ينحني، لا يعترف بأن المرض يستطيع أن ينتزع منه دوره في الحياة.. كانت لديه إرادة صلبة، وروح مقاتل، وعناد رجل يرفض أن يصبح أسيرًا لسريره، كان يواجه المرض بالعمل، ويقاوم ضعفه بالحركة، وكأنه يريد أن يقول لنا جميعًا: ما زلت هنا، ولن أترك مكاني!.

وعلى مدار السنوات الثلاث الأخيرة، أصبح هذا المشهد مألوفًا لدينا، كل خميس وجمعة، وهما يوما عمل البرنامج.. يتعب قاياتي، وتشتد عليه الأزمة، ثم تهدأ حالته قليلًا، فنطمئن، ونراه يعود إلى عمله، ثم يتعب من جديد، وتبدأ الدائرة مرة أخرى.

اعتدنا المشهد حتى كدنا ننسى خطورته ، اعتدنا أن نراه يقاوم، فظننا أن مقاومته لن تنتهي ، اعتدنا أن يعود إلينا بعد كل أزمة، فتوهمنا، دون أن نشعر، أنه سيعود دائمًا.

لكننا كنا مخطئين، قبل رحيله بشهرين، بدأ محمد قاياتي يتحدث عن الدنيا بطريقة مختلفة.. كان يردد كثيرًا: الدنيا مش مستاهلة حرب، ولا الدنيا مستاهلة مشاحنات.

لم تكن هذه الكلمات عادية بالنسبة إلي اليوم، بعدما رحل صاحبها ، أتذكرها الآن فأشعر بمرارة لا توصف، كم مرة قالها؟ وكم مرة مررنا عليها دون أن نتوقف عندها طويلًا؟ لم نكن نعرف أن هذه الكلمات ستعود إلى ذاكرتنا بعد رحيله، فنسمعها كأنها وصية تركها لنا دون أن يقصد.

في إحدى المرات، جمعتني به وبزميلنا مصطفى عزت جلسة في غرفة الإعداد ٢٧ بقناة صدى البلد، تحدث مصطفى إلى قاياتي بجدية، وقال له إن كان هناك تدخل جراحي يحتاج إليه، فلا بد أن نجريه فورًا، وإن الأمر ليس متروكًا لمزاجه أو لقراره بالرفض ، وشددنا عليه عندما يحضر الأستاذ مصطفى بكري، سنخبره بكل شيء.

ضغطت يومها على مصطفى عزت، وقلت له إننا لا بد أن نتحدث إلى «الريس أ. مصطفى بكري» ونحجزه بالقوة الجبرية، وأن نطلب منه التدخل لإجبار محمد على استكمال العلاج، وألا يغادر المستشفى هذه المرة إلا بعد أن يفعل الأطباء كل ما يستطيعون لإنقاذه، حتى لو احتاج الأمر إلى جراحة قلب مفتوح.

كان هذا هو اتفاقنا.. أن ننقذ محمد قاياتي من نفسه، وأن نمنعه من الهروب من العلاج، وأن نعيده إلينا بصحة أفضل.

وقد كان، تدخل الأستاذ مصطفى بكري، وعاد الأمل يراودنا بأن قاياتي ربما يستجيب هذه المرة، وأننا قد ننجح أخيرًا في إقناعه بأن حياته أهم من عناده، وأن هذا القلب الذي أنهكه المرض يستحق فرصة حقيقية للنجاة.

لكن قاياتي كان قاياتي، وكما فعل من قبل، لم يستسلم بسهولة، وظل يقاوم، ويهرب من العلاج، ويعود إلى العمل، كأن لديه معركة شخصية مع المرض، وكأن الاعتراف بالتعب هزيمة لا يريد أن يمنحها لخصمه.

لم يكن يعرف، أو ربما لم يكن يريد أن يعرف، أن البطولة ليست دائمًا في أن تواصل القتال، وأن أقسى المعارك قد يخسرها أشد الرجال صلابة.

ثم جاء يوم الخميس، 22 أكتوبر ٢٠٢٦ ، كان يوم عمل عاديًا في ظاهره، انتهت الحلقة، وانصرف الزملاء كعادتهم، اعتدادوا بعد انتهاء العمل أن يذهبوا لتناول العشاء، ثم يجلسوا على المقهى، يتحدثوا ونضحك، ويستعيدوا ما حدث خلال اليوم.

لكن القدر شاء أن ينصرف معظم الفريق (أو كل الفريق) في ذلك اليوم، وألا يبقى سوى مصطفى عزت ومحمد قاياتي، اللذين كانت تربطهما علاقة تتجاوز الزمالة، إلى درجة أن كلًا منهما كان بالنسبة إلى الآخر أكثر من أخ.

جلس الاثنان على المقهى، لم يكن أحد يتخيل أن هذه الجلسة ستكون الأخيرة، وأن دقائق عادية كهذه ستتحول إلى جرح لن يندمل بسهولة في قلب مصطفى عزت، ولا في قلوبنا جميعًا.

قبلها بساعتين فقط، كان محمد يؤدي عمله في غرفة الكنترول، يتحرك بين زملائه، ويتابع مهامه كعادته.. كان موجودًا، يعمل ويتحدث، ولم يكن أحد يعرف أن هذه الساعات الأخيرة من حياته تمضي أمام أعيننا دون أن ندرك.

وفجأة، وعلى المقهى، أصيب محمد قاياتي بتشنجات عنيفة، بلا مقدمات ، ارتطم جسده بالمكان، وضرب الطاولة بقدمه، وتيبس جسده فجأة، وأخذت الحركة تتوقف فيه على نحو خطير ومفزع.

في لحظة واحدة، تحول كل شيء، ارتبك مصطفى عزت، ولم يفكر سوى في إنقاذ صديقه، حمله مسرعا إلى سيارته، وانطلق به مهرولا إلى مستشفى الهرم القريب من المقهى، متشبثًا بأمل أن يصل في الوقت المناسب، وأن يجد طبيبًا يستطيع أن يعيد قاياتي إلى الحياة ولنا ، كما اعتدنا أن يعود بعد كل أزمة.

لكن هذه المرة لم تكن ككل مرة، استقبله الأطباء بكلمات لم يكن مصطفى عزت مستعدًا لسماعها أبدًا:
«البقاء لله.. توفي من دقائق».

انتهى كل شيء، محمد قاياتي الذي كان موجودا قبل ساعات، قاياتي الذي رد على رسائل العمل، الذي كان يخطط ويعمل ويتحدث، أصبح خبرًا على جروب العمل.

كتب مصطفى عزت كلمات قليلة، لكنها هزت الجميع.. البقاء لله.

كيف؟! محمد قاياتي؟! هو نفسه الذي كان يرد على الأستاذ مصطفى بكري قبل دقائق، ويقول له: تمام يا ريس؟!.

هو نفسه الذي كان يعمل منذ ساعات؟!، لم يصدق أحد، تمنى الجميع أن يكون الأمر خطأ، أو سوء فهم، أو حتى مزحة ثقيلة لا تليق بمثل هذه اللحظة.. كيف يختفي إنسان من بيننا بهذه السرعة؟ كيف يكون موجودًا، ثم يصبح غيابه حقيقة لا يمكن تغييرها؟.

هرع الأستاذ مصطفى بكري إلى مستشفى الهرم، ثم نزلت أنا أيضًا، وأنا لا أزال أقاوم داخلي فكرة أن محمد قاياتي مات فعلًا.

دخلت غرفة المدير، فوجدت الأستاذ مصطفى بكري غارقًا في حزن لا يمكن وصفه، يجلس إلى جواره، الزميل مصطفى عزت، الذي كان قد تلقى الصدمة كاملة، وعاش اللحظة التي لا يتمناها إنسان، أن يكون آخر من يجلس مع صديقه، ثم يصبح أول من يواجه خبر رحيله.

نظرت إلى مصطفى عزت، ولم أستطع أن أجد الكلمات المناسبة، أشرت إليه بيدي، وكأنني أسأله: هل انتهى الأمر فعلًا؟.

هز رأسه بالإيجاب: نعم.. لم أصدق. لم أستوعب، التفت إليه مرة أخرى و إلى الطبيب وسألته، وكأنني أبحث عن ثقب صغير في جدار الحقيقة، عن أي احتمال يمكن أن يعيد إلينا الأمل: مفيش حتى محاولة؟ ولا نص محاولة؟.

أجابني مصطفى عزت بكلمات ما زالت ترن في أذني حتى الآن: ده كان معايا على القهوة ومات.

يا الله! على القهوة.. حيث يجلس الأصدقاء، ويتحدثون، ويضحكون، ويخططون للغد.. على القهوة التي غادرها الناس في نهاية يوم عادي، ولم يكن أحد يعرف أن أحدهم لن يعود إلى بيته، ولن يذهب إلى عمله مرة أخرى، ولن يرد على هاتفه، ولن يقول لي: «ياعوبد».

وقفت دقائق لا أعرف ماذا أفعل.. لم أكن أستوعب المشهد، وكأن عقلي يرفض أن يصدق أن كل هذه السنوات يمكن أن تنتهي بهذه السرعة.

في لحظة واحدة، عادت إلي عشرة ١٠ سنوات كاملة بكل تفاصيلها.

رأيتنا ونحن نعمل معًا، ونحن نضحك، ونحن نختلف، ونحن نتناول الطعام، ونحن نتحدث في تفاصيل العمل والحياة.. رأيت مواقف كثيرة كنت أظن أنها ستظل مجرد ذكريات عادية، فإذا بها تتحول فجأة إلى أثمن ما تبقى لي منه.

تذكرت غضبه الذي كان يذوب سريعًا، وطيبته التي كنا نضحك منها، وعناده الذي كان يرهقنا، وقوته التي كنا نظن أنها لا تنتهي.
تذكرت «ياعوبد»، وفجأة، لم تعد الكلمة مجرد نداء اعتدته منه؛ أصبحت شيئًا لن أسمعه مرة أخرى، وجرحًا لا أعرف كيف سأعتاد وجوده في حياتي.

ذهبت إلى الرعاية المركزة لألقي عليه نظرة الوداع الأخيرة كنت أعرف أنني ذاهب لرؤية صديقي وزميلي، لكنني لم أكن مستعدًا لأن أرى الموت بهذه الصورة، ولا لأن أجد نفسي أمام نهاية رجل ظل طوال سنوات يقاومه بكل ما يملك.

أزاحوا الغطاء الطبي الأزرق، وهناك.. رأيته، كان محمد قاياتي مستلقيًا في هدوء، ساكنًا، وقد غابت عن جسده تلك الحركة التي اعتدناها، وذلك العناد الذي كان يواجه به كل شيء.. بدا وجهه هادئًا، مطمئنًا، وكأن معركته الطويلة انتهت أخيرًا، وكأنه استراح بعد سنوات من الألم الذي لم نكن نعرف حجمه الحقيقي.

وقفت أنظر إليه، ولم أجد في داخلي سوى سؤال واحد: أهذا هو محمد قاياتي الذي كان ينهض من المستشفى رغم تحذيرات الأطباء؟.

أهذا هو الرجل الذي كان يعود إلى العمل رغم أنفاسه المتقطعة، ويقاوم مرضه بعناد أدهشنا جميعًا؟ أهذا هو الذي كنا نراه يتعب، ثم يتحسن، ثم يعود إلينا، حتى صدقنا أنه سيظل يعود إلى الأبد؟.

لم أستطع أن أصدق أن هذا الجسد الذي أرهقه المرض قد استراح، وأن صاحبه الذي لم يعرف الاستسلام في حياته لم يعد في حاجة إلى المقاومة.. كان يبدو هادئًا، وكأن الدنيا التي حارب فيها طويلًا لم تعد تعنيه، وكأن كل ما كان يطارده قد انتهى، ولم يبقى سوى الصمت.

أما نحن، فقد بدأت معركتنا الحقيقية بعد رحيله ، معركة أن نتقبل غياب إنسان كان جزءًا من أيامنا، وأن نعتاد مكانًا لن يجلس فيه مرة أخرى، وصوتًا لن نسمعه، واسمًا سنظل نبحث عنه بأعيننا دون أن نشعر.

يا محمد ياقاتي.. أنت لم تهزم المرض، لكنك لم تسمح له يومًا أن يسلبك روحك ، عشت تقاوم حتى آخر لحظة، وكأنك كنت تخشى أن تتوقف عن العمل، لا أن يتوقف قلبك ، كنت تتحدى ضعف جسدك بإرادة لا تلين، وتعود إلينا كل مرة حتى أصبحنا نعتقد أن عودتك أمر مضمون، وأن غيابك المؤقت لن يكون إلا استراحة قصيرة قبل أن نراك من جديد.

ياقاياتي؟ ربما اعتدنا تعبك أكثر مما ينبغي، وربما كان يجب أن نصرخ في وجهك أكثر، وأن نتمسك بك أكثر، وأن نفهم أن وراء كل مرة تعود فيها إلى العمل قلبًا يقترب من أقصى ما يستطيع احتماله.

لكننا لم نكن نعرف أن الوقت يضيق، وأن الأيام التي نظنها كثيرة قد تكون أقل مما نتصور.

كنت تقول إن الدنيا لا تستحق حربًا ولا مشاحنات، واليوم، بعد رحيلك، تبدو كلماتك أكثر صدقًا من أي وقت مضى، كم من خلافات أرهقتنا، وكم من كلمات قاسية قلناها ثم نسيناها، وكم من معارك خضناها وكأن الدنيا ستبقى لنا إلى الأبد.

ثم يأتي الموت، فينهي كل شيء في لحظة، ويتركنا أمام حقيقة لا مهرب منها: لا أحد يضمن الغد، ولا أحد يعرف متى تكون آخر جلسة، أو آخر مكالمة، أو آخر كلمة.

رحلت يا محمد ياقاتي، وتركت وراءك أصدقاء لا يزالون يحاولون فهم ما حدث، وزميلًا عاش صدمة رحيلك بين يديه(مصطفى عزت)، ورفاق عمل لن يكون يومي الخميس والجمعة بالنسبة إليهم كما كان من قبل.

سيأتي الخميس، وستبدأ الاستعدادات للحلقة، وستتحرك الكاميرات، وسيجلس كل واحد في مكانه، وسينشغل الجميع بالتفاصيل التي اعتدناها.

لكن هناك شيئًا لن يعود كما كان، ستمر أعيننا على مكانك، وسيتذكر أحدنا موقفًا لك، وربما يهم أحدنا أن يناديك، ثم يتوقف فجأة حين يتذكر أنك لن تجيب.

وسيبقى مصطفى عزت يحمل في ذاكرته تلك الجلسة الأخيرة، تلك اللحظات التي كان فيها صديقه أمامه، ثم صار مطالبًا بأن يواجه العالم بخبر رحيله ، لا أظن أن الكلمات تستطيع أن تخفف عنه ثقل ما عاشه، ولا أن تعيد إليه صورة ذلك اليوم كما كانت قبل أن ينقلب كل شيء.

أما أنا، فستظل هناك كلمة لن أنساها ما حييت.. «ياعوبد».

كلما تذكرتك، سأسمعها في داخلي، وسأتذكر عشر سنوات لم أكن أعرف أنها ستصبح يومًا ماضيًا لا أستطيع العودة إليه.

كنت سريع الغضب، لكن قلبك كان ألين من أن يحمل كراهية، كنت عنيدًا، لكنك لم تكن تعرف كيف تؤذي أحدًا، كنت قويًا إلى الحد الذي جعلنا ننسى أنك بشر، وأن لهذا الجسد الضعيف نهاية، مهما بلغت قوة صاحبه.

رحمك الله يا محمد قاياتي، وغفر لك، وجعل كل ما تحملته من ألم في ميزان حسناتك، رحم الله قلبًا أتعبه المرض، ولم تتعبه الحياة من المحاولة، رحم الله رجلًا قاوم في صمت، وعمل حتى آخر أيامه، وترك في قلوب من عرفوه حكاية لا تنتهي برحيله،.. لكن قل لي يا محمد.. كيف سأعتاد ألا أراك؟.

كيف سأدخل العمل ولا أبحث عنك؟ كيف سأمر على غرفة الإعداد دون أن أتذكر جلساتنا وترتيبنا لحلقة الجمعة؟ كيف سأسمع أحدًا ينادي ياعوبد دون أن ألتفت، ولو للحظة، منتظرًا أن تكون أنت؟.

عشر سنوات ياقاياتي.. عشر سنوات كاملة، اختصرتها الحياة في خبر واحد، ورسالة واحدة، ونظرة أخيرة.

رحلت أنت، وبقيت ذكرياتك، رحل صوتك، وبقيت كلمتك، رحل جسدك الذي قاوم طويلًا، وبقيت صورتك في عيوننا كما عرفناك: رجلًا شجاعًا، صلبًا، طيب القلب، لا يعرف الاستسلام.

أما أنا، فكل ما أستطيع أن أقوله لك الآن، بعد أن انتهى الكلام كله، وبعد أن أصبحت الذكريات أثقل من قدرتي على الاحتمال: سلام يابوقاياتي.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

تم نسخ الرابط