عاجل

إسرائيل تعرض على السعودية مشاركتها في قتال اليمن... والسعودية ترفض

كيف أسمح لمن قتل أخي في فلسطين، أن يأتي ليقتل ابن عمي في اليمن، بدعوى الدفلع عني؟... كيف أفتح أبوابي لمن لا تزال جراحه لأخي تنزف، ثم أصدّق أن دخوله إلى بيتي سيكون من أجل حمايتي، لا من أجل تحقيق مصالحه؟ ... وهل كل من يعرض علينا الحماية يصلح أن يكون حليفًا؟ وهل يمكن للتهديدات الأمنية أن تمحو الذاكرة، وتتجاوز الخلافات السياسية، وتجعل من العدو السابق شريكًا دون شروط؟
أسئلة تفرض نفسها في ظل تقارير صحفية تحدثت عن مسعى إسرائيلي للحصول على موافقة سعودية للمشاركة في المواجهة مع جماعة الحوثيين في اليمن، بالتزامن مع تصاعد الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية.
لكن القضية ليست مجرد مشاركة عسكرية محتملة، بل تتعلق بما وراءها من حسابات سياسية واستراتيجية، وبالسؤال الأهم: هل يمكن أن تتحول الحاجة إلى الحماية إلى مدخل لإعادة ترتيب التحالفات في المنطقة، على حساب القضية الفلسطينية؟
أولاً: عندما تتحول المساعدة العسكرية إلى سؤال سياسي 
وفقًا لما نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في أكتوبر 2026، سعت إسرائيل، عبر وساطة أمريكية، إلى إقناع السعودية بالسماح لها بالمشاركة في العمليات ضد الحوثيين.
ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي لم تسمّه أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لم يُبدِ اهتمامًا بهذا المقترح، خشية التداعيات السياسية والشعبية التي قد تترتب على تعاون عسكري معلن مع إسرائيل.
كما أشارت الرواية الصحفية إلى أن تل أبيب رأت في هذا التعاون فرصة لتطوير العلاقات الثنائية، وتمهيد الطريق أمام اتفاق تطبيع مستقبلي.
فمن الطبيعي أن تسعى أي دولة تتعرض لتهديدات أمنية إلى تعزيز دفاعاتها، وحماية منشآتها ومواطنيها، والاستفادة من الإمكانات العسكرية والاستخباراتية المتاحة.
غير أن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة الطرف الذي يعرض المساعدة، بل بهويته، وأهدافه، والتداعيات المحتملة لقبول عرضه.
فالمساعدة العسكرية قد تتجاوز حدود المهمة المباشرة، لتفتح قنوات اتصال وتنسيق، وتنشئ مصالح مشتركة، وتؤثر في العلاقات السياسية على المدى الطويل.
ومن هنا، فإن رفض مشاركة إسرائيل، لا يعني بالضرورة رفض التعاون الدولي، وإنما قد يعكس رغبة في ضبط طبيعة الشراكات الأمنية وحدودها، وتجنب تحويل التهديدات الراهنة إلى مدخل لفرض خيارات سياسية أوسع... فليس كل تقاطع في المصالح تحالفًا، وليس كل تعاون عسكري دليلًا على توافق سياسي.
ثانياً: فلسطين ليست قضية يمكن تجاوزها 
فلسطين ليست مجرد ملف تفاوضي، ولا قضية يمكن عزلها عن الوعي الشعبي العربي، بما تحمله من تاريخ طويل من الصراع والاحتلال والتهجير وسقوط الضحايا.
ولذلك، فإن أي تقارب عربي إسرائيلي لا يجري في فراغ، بل تحكمه اعتبارات سياسية وإنسانية وشعبية لا يمكن تجاهلها.
وفي الحالة السعودية، أعلنت المملكة أن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ترتبط بتسوية القضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة... وهذا يعني أن التحديات الأمنية، مهما بلغت خطورتها، لا تلغي تلقائيًا المواقف السياسية المعلنة، ولا تجعل جميع الخلافات السابقة تفاصيل هامشية.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين أساسيين: الأول، حق السعودية في حماية أراضيها ومواطنيها ومنشآتها من أي اعتداء...والثاني، قبول مشاركة طرف خارجي في عمليات عسكرية قد تترتب عليها آثار سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
ليس المطلوب الاختيار بين الأمن والمبادئ، وكأنهما نقيضان لا يجتمعان؛ بل المطلوب حماية الأمن الوطني مع الحفاظ على استقلال القرار السياسي، وعدم تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل تحتاج الدول العربية إلى تعزيز أمنها؟... بل: كيف تعزز أمنها دون أن تتحول حاجتها إلى الحماية إلى وسيلة لإعادة تشكيل مواقفها السياسية؟
ثالثاً: اليمن... ساحة مواجهة أم بوابة لإعادة ترتيب المنطقة؟ 
لا يمكن فهم هذه التطورات دون إدراك الأهمية الاستراتيجية لليمن، الذي يشرف على مضيق باب المندب، أحد الممرات البحرية الحيوية للتجارة الدولية وحركة الطاقة والسفن.
فما يحدث في اليمن لا يظل محصورًا داخل حدوده، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى أمن البحر الأحمر، ودول الخليج، والملاحة الدولية، والتوازنات الإقليمية.
وفي ظل التصعيد الذي يمارسه الحوثيين واستهدف مواقع داخل السعودية، بما في ذلك مرافق للطيران ومنشآت حيوية... فإن من حق السعودية اتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن أراضيها، لكن مواجهة التهديد لا تعني بالضرورة قبول كل عرض عسكري، أو السماح لكل قوة إقليمية بالمشاركة في العمليات.
فالمسألة لا تتعلق فقط بما يمكن تحقيقه في الميدان، بل بما قد يترتب على دخول أطراف جديدة من تعقيد للمشهد، وتوسيع دائرة المواجهة، وإعادة تشكيل العلاقات الأمنية والسياسية.
وإذا دخلت إسرائيل إلى المشهد العسكري، فسيظهر سؤال آخر: هل ستظل مشاركتها محصورة في مهمة دفاعية محددة، أم ستصبح مدخلًا لترتيبات أمنية أوسع؟
إن القرار الاستراتيجي لا يُبنى على الحاجة الآنية وحدها، بل على تقدير المكاسب والمخاطر والبدائل، وعلى حماية السيادة واستقلال القرار الوطني.
رابعاً: ماذا تريد إسرائيل من التعاون المحتمل؟ 
في السياسة الدولية، قد تحمل المبادرة الواحدة أكثر من هدف.... فبحسب الرواية التي نشرتها «هآرتس»، لم تنظر إسرائيل إلى احتمال المشاركة في مواجهة الحوثيين باعتباره مسألة عسكرية فحسب، بل رأت فيه فرصة لتطوير العلاقات مع السعودية، وربما التمهيد لتطبيع مستقبلي.
ومن منظور العلاقات الدولية، قد يتيح التعاون الأمني توسيع قنوات الاتصال، وبناء مصالح مشتركة، وتعزيز حضور الدولة التي تقدم المساعدة في الترتيبات الإقليمية.
لكن الدولة التي تتلقى المساعدة مطالبة بدورها بطرح أسئلة أساسية: ما المكاسب الأمنية المتوقعة؟ وما الالتزامات السياسية المحتملة؟ وهل يمكن ضبط حدود التعاون؟ وهل تتناسب فائدته العسكرية مع تكلفته السياسية؟
فالدولة التي تفكر استراتيجيًا لا تسأل فقط: من يستطيع مساعدتي اليوم؟ بل تسأل أيضًا: ما الثمن الذي قد أدفعه غدًا؟
خامساً: التضامن السياسي لا يعني التحالف العسكري 
أدان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفقًا لما أوردته التقارير الصحفية، الهجوم الذي استهدف مطار الرياض، ووصفه بأنه هجوم إرهابي مروع.... لكن إدانة الاعتداءات على المنشآت المدنية شيء، والمشاركة في عمليات عسكرية شيء آخر. ... فقد تتفق دولتان على رفض استهداف المدنيين، وتختلفان في الوقت نفسه بشأن كيفية التعامل مع الأزمة، أو بشأن مستقبل العلاقات الدبلوماسية.
إن التحدي الحقيقى هو الجمع بين الأمرين: مواجهة التهديدات الأمنية، والحفاظ على استقلال القرار السياسي.
الخاتمة: من يحميك اليوم، وما الثمن غدًا؟ 
في نهاية هذه الحلقة، تبقى الحقيقة الأساسية أن حماية الأمن الوطني مسؤولية لا يجوز التفريط فيها، لكن هذه المسؤولية لا تعني قبول كل عرض للمساعدة، مهما كان مصدره.
فالدول التي تحترم مصالحها لا تكتفي بالسؤال عمن يستطيع حمايتها اليوم، بل تدرس أيضًا طبيعة العلاقة التي قد تنشأ، والالتزامات التي قد تترتب عليها، وتأثيرها في استقلال قرارها ومستقبل شعوبها.
وفي المقابل، لا يمكن بناء استقرار إقليمي دائم من خلال تجاهل القضية الفلسطينية، أو التعامل معها باعتبارها ملفًا يمكن تجاوزه كلما ظهرت أزمة أمنية جديدة.
فالأمن الحقيقي لا يقتصر على اعتراض صاروخ، أو حماية مطار، أو تأمين منشأة للطاقة؛ بل يشمل أيضًا منع اتساع الحروب، ومعالجة أسباب النزاعات، وصون السيادة، وفتح الطريق أمام تسويات سياسية عادلة.
واليمن ليس مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الإقليمية على النفوذ، بل وطن وشعب ومستقبل، يحتاج إلى إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار وحماية المدنيين.
وفلسطين ليست ذكرى نستحضرها عند الغضب ثم نتجاوزها عندما تتغير الحسابات، بل قضية سياسية وإنسانية تتطلب حلًا عادلًا يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
وهنا نعود إلى سؤالنا الأول: كيف أسمح لمن قتل أخي في فلسطين بأن يأتي ليقتل ابن عمي في اليمن ولو دفاع عني؟
إن الإجابة لا تكمن في رفض كل تعاون، ولا في قبول كل تحالف.
بل في أن نعرف الفرق بين المساعدة والمصلحة، وبين الشراكة والتبعية، وبين حماية الأمن والتنازل عن القرار.
وأن ندرك أن المصالح قد تلتقي اليوم، لكنها قد تتباعد غدًا، وأن معاناة الشعوب يجب ألا تتحول إلى أوراق تفاوض في صراعات الآخرين.

فكيف نحمي أبناءنا دون أن نفتح أبوابنا لصراعات جديدة؟... وكيف نواجه التهديدات دون أن نفقد قدرتنا على تحديد من نثق به، وبأي شروط، وإلى أي مدى؟... وكيف نصنع أمنًا عربيًا يحمي الإنسان والأرض والسيادة، ويجعل السلام العادل غاية استراتيجية لا مجرد شعار؟ 

تم نسخ الرابط