الدكتور محمد راشد يقترح تدشين «مختبر تنظيمي» يختبر الجدارة والقدرة على التنفيذ للشركات العقارية الجديدة
تقدم الدكتور محمد راشد، عضو أمانة الإسكان والتنمية العمرانية المركزية بحزب الجبهة الوطنية والخبير العقاري، بطرح إلى الدولة المصرية والحكومة بشأن إنشاء إدارة متخصصة تحت مسمى «المختبر التنظيمي للشركات العقارية الناشئة» داخل اتحاد المطورين العقاريين المزمع تأسيسه، وذلك في إطار توجه الدولة نحو دراسة تدشين الاتحاد وتطوير الأطر المؤسسية المنظمة لصناعة التطوير العقاري، وتعزيز الجهود الرامية إلى إعادة ضبط السوق ورفع كفاءة الشركات العاملة به، من خلال تبني آليات استباقية لتقييم الجدارة المالية والفنية والإدارية للكيانات الراغبة في دخول النشاط قبل إطلاق مشروعاتها وطرحها للتسويق.
وأوضح راشد أن المقترح يستهدف الاستفادة من فلسفة المختبرات التنظيمية المعمول بها في قطاع التكنولوجيا المالية، والتي تتيح اختبار نماذج الأعمال والحلول المبتكرة في بيئة تجريبية منضبطة وتحت إشراف الجهات المختصة، ومن بينها البنك المركزي المصري والهيئة العامة للرقابة المالية، كلٌّ وفقًا لاختصاصاته وطبيعة النشاط الخاضع لإشرافه، مع تكييف هذه الفلسفة لتناسب الخصائص الاقتصادية والفنية والقانونية لصناعة التطوير العقاري، التي تتسم بطول دورة الاستثمار، وضخامة الالتزامات الرأسمالية، وتعدد مراحل التنفيذ، وارتباط التدفقات النقدية بمواعيد البيع والتحصيل والإنشاء والتسليم.
وأشار إلى أن إنشاء هذا المختبر داخل اتحاد المطورين العقاريين يمكن أن يمثل تحولًا مهمًا في فلسفة تنظيم السوق، من خلال الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة مؤسسية تختبر مدى استعداد الشركات لممارسة النشاط قبل أن تتحول خططها الاستثمارية إلى التزامات تعاقدية ومشروعات قائمة على أرض الواقع، مؤكدًا أن أحد التحديات التي تستحق المعالجة يتمثل في الفجوة بين سهولة تأسيس كيان قانوني لممارسة النشاط العقاري وبين امتلاك القدرات الحقيقية اللازمة لإدارة صناعة معقدة تتطلب خبرات مالية وهندسية وإدارية وتسويقية متكاملة.
وأضاف أن السوق العقاري لا يمكن تقييم سلامة الشركات العاملة فيه اعتمادًا على حجم رأس المال المعلن أو قوة الحملات التسويقية أو حجم المبيعات المستهدف فقط، لأن التطوير العقاري لا يمثل نشاطًا تجاريًا قصير الأجل، وإنما منظومة استثمارية ممتدة تتطلب إدارة دقيقة للتدفقات النقدية، وقدرة على استيعاب تغيرات تكاليف البناء والتمويل، وتخطيطًا واقعيًا لمراحل التنفيذ، فضلًا عن وجود هيكل إداري وفني قادر على الوفاء بالالتزامات التعاقدية حتى في ظل تغير الظروف الاقتصادية. ومن ثم، فإن السماح بالتوسع في النشاط دون تقييم متكامل لهذه العناصر قد يخلق فجوة بين الالتزامات التي تتعهد بها الشركة والإمكانات الفعلية المتاحة لديها لتنفيذها.
وأكد راشد أن أهمية المقترح تزداد عند التعامل مع الشركات العقارية الناشئة التي تدخل السوق للمرة الأولى، إذ ينبغي التمييز بين المستثمر الذي يمتلك رؤية حقيقية ومقومات قابلة للتطوير، لكنه يحتاج إلى التأهيل أو استكمال بعض عناصر الجدارة، وبين الكيان الذي يفتقر إلى الأسس المالية والتنفيذية اللازمة لممارسة النشاط على النطاق الذي يستهدفه. فالمطلوب، بحسب رؤيته، ليس وضع حواجز أمام تأسيس شركات جديدة أو احتكار التطوير العقاري لصالح الكيانات الكبرى، وإنما إنشاء مسار مهني منضبط يتيح للشركات الجادة إثبات قدرتها، ويحدد لها نطاق النشاط الذي يتناسب مع إمكاناتها، ويمنع التوسع غير المدروس الذي قد يؤدي إلى تعثر المشروعات والإضرار بالعملاء والمقاولين والموردين وبالثقة العامة في السوق.
وأوضح أن المختبر التنظيمي المقترح يمكن أن يبدأ عمله من خلال دراسة ملف الشركة المتقدمة، وفحص نموذج أعمالها، وتحديد طبيعة المشروعات التي تستهدف تنفيذها، ثم إخضاعها لمجموعة من الاختبارات المالية والفنية والإدارية والقانونية وفق معايير معلنة ومتناسبة مع حجم النشاط. ويجب أن يتجاوز هذا التقييم مراجعة الأوراق الرسمية ورأس المال المسجل، ليشمل التحقق من مصادر التمويل، ومدى توافر السيولة الفعلية، وخبرات المؤسسين والإدارة التنفيذية، وكفاءة منظومة التخطيط والتنفيذ، وواقعية دراسة الجدوى، وقدرة الشركة على إدارة المخاطر المحتملة خلال دورة المشروع.
وأشار إلى أن الفحص المالي ينبغي أن يحتل موقعًا رئيسيًا داخل منظومة المختبر، من خلال مراجعة الهيكل التمويلي للشركة، ونسب الاعتماد على التمويل الذاتي والاقتراض والشراكات، وحجم الالتزامات القائمة، ومصادر السيولة المتاحة، ومدى التوافق بين الاحتياجات الاستثمارية للمشروع والموارد التي تستطيع الشركة توفيرها. كما ينبغي تقييم قدرة الشركة على الاستمرار في التنفيذ إذا تراجعت المبيعات عن المستهدف، أو تأخرت تحصيلات العملاء، أو ارتفعت أسعار مواد البناء، أو زادت تكلفة التمويل، بدلًا من الاعتماد على سيناريو واحد يفترض استمرار الظروف الاقتصادية والتسويقية دون تغير.
وفي هذا السياق، اقترح راشد أن يتضمن عمل المختبر إعداد اختبارات ضغط مالي وتنفيذي للشركات المتقدمة، تقوم على محاكاة عدد من السيناريوهات المحتملة، وقياس قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها في كل منها. ويمكن أن تكشف هذه الاختبارات مدى اعتماد نموذج الأعمال على استمرار تدفق المبيعات الجديدة، أو وجود فجوة بين مواعيد التحصيل والإنفاق، أو افتقار المشروع إلى احتياطي مالي قادر على امتصاص الزيادات غير المتوقعة في التكاليف. وتساعد هذه الآلية على اكتشاف مواطن الضعف قبل إطلاق المشروع، وتتيح للشركة فرصة إعادة هيكلة خطتها التمويلية أو تعديل حجم المشروع أو الدخول في شراكة مناسبة قبل التوسع في الالتزامات.
وأضاف أن التقييم الفني يجب أن يشمل مراجعة الخبرات السابقة للمؤسسين وفريق الإدارة، وكفاءة الكوادر الهندسية والتنفيذية، ومدى توافر أنظمة إدارة المشروعات ومراقبة الجودة والتكاليف، والقدرة على اختيار المقاولين والاستشاريين المؤهلين، إلى جانب فحص واقعية الجدول الزمني المقترح للتنفيذ. وبالنسبة للشركات الناشئة التي لا تمتلك سجلًا سابقًا من المشروعات، يمكن الاعتماد على خبرات الفريق المؤسس، وكفاءة الشركاء الفنيين، ومدى وضوح خطة التنفيذ، وقدرة الشركة على توفير الموارد اللازمة للمشروع، بما يحقق التوازن بين تشجيع دخول كيانات جديدة مؤهلة وعدم استبعادها لمجرد حداثة تأسيسها.
وشدد على ضرورة أن يتضمن التقييم مراجعة نموذج الأعمال والتسعير ودراسة السوق المستهدف، ومدى توافق أسعار الوحدات مع التكلفة الإجمالية للمشروع والقدرة الشرائية للفئة التي يستهدفها، فضلًا عن مراجعة معدلات البيع والتحصيل المتوقعة ومدى استنادها إلى بيانات واقعية. كما ينبغي تحليل العلاقة بين حجم المشروع وقدرات الشركة، لأن إطلاق مشروع ضخم من جانب كيان حديث التأسيس لا يمتلك الخبرة أو الموارد الكافية قد يضاعف مخاطر التنفيذ، بينما يمكن أن يكون البدء بمشروع محدود أو الدخول في شراكة مع مطور أكثر خبرة مسارًا أكثر كفاءة واستدامة.
ولفت إلى أن المختبر التنظيمي ينبغي أن يراجع كذلك الموقف القانوني والتنظيمي للأرض والمشروع، ومدى توافر الحقوق والموافقات والتراخيص اللازمة وفقًا للقواعد المعمول بها، فضلًا عن فحص الالتزامات التعاقدية المقترحة تجاه العملاء والمقاولين والموردين. فالتقييم المتكامل لا يمكن أن ينفصل عن سلامة الإطار القانوني الذي يقوم عليه المشروع، أو عن قدرة الشركة على إدارة تعاقداتها بصورة واضحة ومتسقة مع جدول التنفيذ والموارد المتاحة، مع التأكيد أن هذا الفحص المهني لا يحل محل اختصاصات الجهات المعنية بإصدار التراخيص والموافقات القانونية.
وأكد راشد أن إحدى أهم آليات التنفيذ تتمثل في اعتماد نظام متدرج لتقييم الشركات، بحيث لا يكون اجتياز المختبر قائمًا على معيار واحد موحد لجميع الكيانات، وإنما على مستويات تتناسب مع طبيعة النشاط وحجم المشروع ودرجة المخاطر. ويمكن أن تحصل الشركات التي تحتاج إلى استكمال بعض عناصر الجدارة على فرصة لتصحيح أوضاعها من خلال برامج تأهيل مالي وفني وإداري، بينما تخضع الشركات التي تستهدف مشروعات أكبر أو أكثر تعقيدًا لاختبارات أكثر شمولًا تتناسب مع حجم التزاماتها. ويتيح هذا النموذج بناء بيئة أكثر انضباطًا دون الإضرار بالتنافسية أو تعطيل الاستثمارات الجديدة.
وأضاف أن المقترح يمكن أن يتضمن مرحلة تجريبية لتقييم الشركات العقارية الناشئة الراغبة في دخول السوق، يتم خلالها اختبار معايير الجدارة وإجراءات الفحص وقياس فاعليتها، قبل الانتقال إلى التطبيق الأوسع في ضوء النتائج التي تسفر عنها التجربة. ويستلزم ذلك تشكيل لجنة متخصصة تضم خبرات في التمويل والمحاسبة والهندسة وإدارة المشروعات والقانون والتطوير العقاري، تتولى إعداد دليل موحد للتقييم، وتحديد المستندات المطلوبة، ووضع مؤشرات قياس الأداء، وآليات التظلم، وقواعد الإفصاح وتعارض المصالح، بما يضمن اتساق القرارات وشفافيتها وعدم خضوعها للاجتهادات غير المنضبطة.
وأشار إلى أن الدور المقترح للمختبر لا ينبغي أن ينتهي بمجرد تقييم الشركة عند دخول السوق، وإنما يمتد إلى دراسة إمكانية إنشاء منظومة للمتابعة الدورية والإنذار المبكر، ترصد المؤشرات التي قد تكشف عن تراجع قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها، مثل اتساع الفجوة بين التكلفة المقدرة والفعلية، وتراجع السيولة المتاحة مقارنة بالالتزامات المستحقة، وتكرار تأجيل مراحل التنفيذ، وتزايد الاعتماد على مبيعات مستقبلية غير مؤكدة لتمويل مشروعات قائمة. ومن شأن هذه الآلية أن تتيح اكتشاف المخاطر في مراحل مبكرة، والتمييز بين التعثر المؤقت القابل للمعالجة والخلل الهيكلي الذي يستدعي تدخلًا أوسع من الجهات المختصة.
وأوضح أن نجاح المقترح يتطلب تحديدًا تشريعيًا واضحًا لاختصاصات المختبر وعلاقته باتحاد المطورين العقاريين والجهات الحكومية والرقابية المعنية، بحيث يتولى الاتحاد، وفقًا لما يسمح به الإطار القانوني، الأدوار المهنية المتعلقة بالتقييم والتأهيل ووضع المعايير الفنية، بينما تظل صلاحيات الترخيص والرقابة الملزمة واتخاذ الإجراءات القانونية من اختصاص الجهات المخولة بذلك بموجب القانون. كما يجب ألا يتحول المختبر إلى جهة بيروقراطية إضافية أو وسيلة لحماية الشركات القائمة من المنافسة، بل إلى منصة مهنية مستقلة المعايير، تضمن تكافؤ الفرص وتمنح الشركات المتقدمة وضوحًا بشأن متطلبات الدخول إلى السوق وأسباب التقييم والنتائج المترتبة عليه.
وأكد راشد أن الدولة يمكن أن تحقق استفادة اقتصادية وتنظيمية واسعة من تطبيق هذه الفكرة، عبر رفع جودة الاستثمارات العقارية الجديدة، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، والحد من إطلاق مشروعات تتجاوز قدرات الشركات المنفذة، وتعزيز الثقة بين المطورين والعملاء والمؤسسات التمويلية. كما يمكن أن يوفر المختبر قاعدة بيانات مهنية أكثر دقة عن قدرات الشركات ومستويات الجدارة والمخاطر، بما يساعد على تطوير السياسات التنظيمية استنادًا إلى بيانات ومؤشرات عملية، بدلًا من الاعتماد على معالجة كل حالة تعثر بصورة منفصلة بعد تفاقم آثارها.
وأضاف أن هذه المنظومة قد تدعم أيضًا الشركات العقارية الجادة من خلال تحسين جودة نماذج أعمالها ودراسات الجدوى وخطط التمويل والتنفيذ، وتسهيل استعدادها للدخول في شراكات استثمارية أكثر كفاءة، وفقًا لمعايير واضحة. فوجود آلية موضوعية لتقييم الجدارة يمكن أن يميز بين الشركات التي تمتلك مقومات الاستمرار والنمو وتلك التي تحتاج إلى إعادة هيكلة نموذجها قبل التوسع، وهو ما يعزز المنافسة القائمة على الكفاءة، ويحد من الممارسات التي تعتمد على التوسع البيعي دون توافر أساس تنفيذي وتمويلي متين.
وشدد على أن تنظيم السوق العقاري لا ينبغي أن يُختزل في تشديد القيود على الشركات أو زيادة متطلبات التأسيس، وإنما يجب أن يقوم على بناء منظومة متكاملة توازن بين حرية الاستثمار والمسؤولية عن الالتزامات، وبين تشجيع الشركات الناشئة وحماية استدامة المشروعات، وبين مرونة السوق وضرورة الانضباط المؤسسي. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي منظومة تنظيمية هو قدرتها على اكتشاف المخاطر مبكرًا، وتوجيه الاستثمارات نحو نماذج أكثر كفاءة، وإتاحة الفرصة أمام الشركات الجادة للنمو وفقًا لقدراتها الفعلية.
واختتم الدكتور محمد راشد تصريحه بالتأكيد أن تأسيس «المختبر التنظيمي للشركات العقارية الناشئة» داخل اتحاد المطورين العقاريين المرتقب يمثل مقترحًا يستحق الدراسة ضمن توجه الدولة نحو تطوير الإطار المؤسسي المنظم للسوق، لأنه يطرح معالجة استباقية لأحد التحديات المهمة في صناعة التطوير العقاري، تقوم على اختبار الجدارة قبل التوسع في الالتزامات، وربط حجم المشروعات بقدرات الشركات، وإرساء منظومة للتأهيل والمتابعة والإنذار المبكر. وأكد أن بناء سوق عقاري أكثر استدامة لا يتحقق فقط بالتعامل مع حالات التعثر بعد وقوعها، وإنما بتطوير قواعد واضحة تضمن أن تدخل الشركات الجديدة إلى النشاط وهي تمتلك الحد الملائم من الكفاءة المالية والفنية والإدارية، بما يحافظ على الثقة في السوق، ويدعم الاستثمار الجاد، ويعزز قدرة القطاع العقاري المصري على مواصلة دوره في التنمية الاقتصادية والعمرانية.