عاجل

مع احتفالات مولد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه وأرضاه بمدينة طنطا، عادت الموالد إلى دائرة الجدل المعتاد، لكن ما استوقفني هذه المرة لم يكن النقاش حول مشروعيتها أو بعض المظاهر المصاحبة لها، وإنما مقاطع فيديو انتشرت خلال الأيام الماضية، يظهر فيها أشخاص يسخرون من السيد أحمد البدوي رضي الله عنه عند مقامه، ويتهكمون على زائريه، في مشاهد تثير تساؤلات تتجاوز الخلاف الديني إلى الطريقة التي أصبح بعضنا يتعامل بها مع رموز الآخرين ومعتقداتهم.

من حق أي إنسان أن يختلف مع فكرة الموالد، وأن يناقش حكمها الشرعي، أو ينتقد ما يراه من ممارسات خاطئة عند الأضرحة، لكن ما علاقة ذلك بالسخرية من رجل عرف في التراث الديني المصري بالولاية والصلاح، وله مكانته في وجدان أجيال من المصريين؟ وهل تصحيح خطأ يرتكبه أحد الزائرين يستلزم الانتقاص من صاحب المقام أو التشكيك في عقائد آلاف الناس الذين جاءوا للزيارة والمحبة والتبرك؟

لقد أصبحت بعض هذه المقاطع وسيلة سهلة لإثارة الجدل وجذب المشاهدات، خاصة حين تقترن باتهامات جاهزة بالشرك والبدعة والضلال، وكأن مجرد زيارة ضريح أو المشاركة في مولد أصبحت دليلًا على فساد العقيدة، دون تمييز بين الزيارة المشروعة وما قد يصاحبها من مخالفات، أو بين الخطأ الذي يستوجب التصحيح والحكم على صاحبه بالشرك أو الكفر. والخطورة هنا أن الأمر يتجاوز الاختلاف حول ممارسة بعينها إلى إصدار أحكام دينية جسيمة على الناس، دون معرفة بمقاصدهم أو تمييز بين ما يعتقدونه وما قد يصدر عن بعضهم من أقوال وتصرفات.

والنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأحرص على حماية جناب التوحيد، قال في الحديث الذي رواه البخاري عن عقبة بن عامر رضي الله عنه "وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها"، في سياق تحذيره من التنافس على الدنيا. والحديث يلفت النظر إلى أن اتهام المسلمين في عقائدهم ليس أمرًا يستهان به، وأن الخوف على الدين لا يبرر التوسع في رمي الناس بالشرك والتكفير. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا من خطورة التكفير بغير حق، فقال "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما"، كما جاء في الصحيح.

أما أولياء الله الصالحون، فلهم حرمتهم ومكانتهم في الإسلام، وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه الإمام البخاري "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب". وهو وعيد عظيم ينبغي أن يستحضره من يتساهل في السخرية من أهل الصلاح أو معاداتهم، مع إدراك أن الحكم بالولاية لشخص بعينه له ضوابطه، وأن النقد العلمي لما قد ينسب إلى أي شخصية لا يدخل بمجرده في معاداة أولياء الله. فهناك فرق بين من يناقش رواية تاريخية أو ممارسة دينية، ومن يتعمد الإهانة والازدراء لمجرد أنه يرفض ما يفعله بعض الناس عند المقام.

ولعل من المفيد أن نتذكر أن الموالد في مصر ليست مجرد تجمعات حول الأضرحة، وإنما موروث ديني واجتماعي وثقافي تشكل عبر قرون، وأصبح جزءًا من ذاكرة المصريين وحياتهم اليومية. ففي طنطا ودسوق والقاهرة وغيرها من المدن، ارتبطت الموالد بحلقات الذكر والإنشاد الديني وإطعام الطعام والصدقات، فضلًا عن اللقاءات العائلية والعادات الشعبية التي توارثتها الأجيال. ومن الصعب فهم هذه الظاهرة إذا نظرنا إليها من زاوية الخلاف الفقهي وحدها، أو اختزلناها في مشهد مثير للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد كان للتصوف، بما يحمله من معانٍ في تزكية النفس وتهذيب الأخلاق ومحبة الله ورسوله، حضور عميق في التاريخ الديني والاجتماعي المصري، وأسهمت الطرق الصوفية ومجالس العلم والذكر في تشكيل جانب من الثقافة الشعبية. ولا يعني ذلك أن كل ما ينسب إلى التصوف صحيح، أو أن كل ممارسة شائعة في الموالد لها أصل شرعي، لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين تراث ديني وروحي ممتد، وبين تصرفات أفراد قد يسيئون إليه من حيث لا يشعرون.

وهنا أجد أن المسؤولية لا تقع على الذين يسخرون من الموالد أو أولياء الله الصالحين وحدهم، وإنما تمتد أيضًا إلى بعض المحتفلين الذين يقدمون، بسلوكياتهم، مادة جاهزة لمن يريد التشويه والإساءة. ففي بعض الموالد نشاهد مظاهر لا تتناسب مع طبيعة المناسبة الدينية، من ملابس غريبة وغير لائقة، أو رقص واختلاط غير مقبول وتصرفات تفتقر إلى الدين والوقار، أو ممارسات تنطوي على غلو في الأشخاص ومبالغات لا تتفق مع صحيح الاعتقاد. ومن الخطأ الدفاع عن هذه التصرفات بحجة المحبة أو اعتبارها جزءًا لا يمس من الموروث الشعبي.

فإذا كنا نحتفل بذكرى رجل صالح وولي من أولياء الله الصالحين، فمن الأولى أن تكون سيرته وأخلاقه هي الحاضرة في هذه المناسبة، وأن تنعكس المحبة في حسن السلوك واحترام المكان والناس، لا في مظاهر قد تسيء إلى المقصود من الاحتفال. وليس من العدل أن يتحمل الأولياء رضوان الله عليهم تبعات تصرفات بعض زائريهم، مثلما لا يجوز أن تتحول أخطاء هؤلاء إلى ذريعة للطعن في الصالحين أو الاستهزاء بمكانتهم.

والحقيقة أن بعض الممارسات الخاطئة لا تحتاج إلى معارك فكرية بقدر ما تحتاج إلى توعية وتنظيم وتصحيح هادئ، تشارك فيه المؤسسات الدينية والطرق الصوفية والقائمون على هذه الاحتفالات. ويمكن أن تصبح الموالد فرصة أوسع للتعريف بسير أولياء الله الصالحين، وتنظيم مجالس العلم والذكر والإنشاد المنضبط، وتعزيز قيم التكافل والتراحم، مع مواجهة السلوكيات التي تتعارض مع أحكام الشرع وآداب المجتمع وأعرافه. فالحفاظ على الموروث لا يعني تجميد كل ما ارتبط به، وإنما القدرة على تطويره وتنقيته دون إهدار قيمته.

وفي المقابل، فإن من يتبنى موقفًا رافضًا للموالد، سواء انطلق من رؤية سلفية أو غيرها، يستطيع أن يعبر عن رأيه ويناقش أدلته دون أن يسخر من أولياء الله الصالحين أو يزدري محبيهم. فالمشكلة ليست في وجود الخلاف، وإنما في تحويله إلى خصومة تستبيح كرامة الآخرين، وتختزل تدينهم في أحكام قاسية قد تصل إلى اتهامهم بالشرك أو الخروج من الملة.

وقد وضع القرآن الكريم أصلًا واضحًا لأدب الاختلاف بقوله تعالى (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ). وإذا كانت السخرية من الناس منهيًا عنها، فكيف يستقيم أن نجعل منها وسيلة للدعوة إلى الله أو لتصحيح ما نراه خطأ في عبادات الآخرين؟ إن الكلمة الجارحة قد تهدم في لحظة ما تعجز سنوات من الوعظ عن إصلاحه، خصوصًا حين تمس رموزًا دينية ارتبطت بمحبة الناس ووجدانهم.

ولست أرى أن الدفاع عن الموالد يقتضي الموافقة على كل ما يحدث فيها، كما أن الاعتراض عليها لا يستلزم الإساءة إلى من يحتفلون بها. وقد يكون من المفيد أن يسأل كل طرف نفسه هل أريد حقًا إصلاح ما أراه خطأ، أم الانتصار لرأيي ولو على حساب احترام الناس؟ وهل تعبر بعض المظاهر التي نشاهدها في الموالد عن سيرة أولياء الله الصالحين الذين نحتفي بهم، أم أننا بحاجة إلى مراجعة الطريقة التي نظهر بها محبتنا لهم؟

إن مصر التي عرفت الموالد عبر قرون، واحتضنت تنوعًا واسعًا في مدارسها الدينية وتقاليدها الشعبية، ليست بحاجة إلى خصومة جديدة حول أضرحة الأولياء، وإنما إلى خطاب ديني يحفظ للصالحين مكانتهم، ويصون عقائد الناس من الاتهامات المتعجلة، ولا يتردد في تصحيح الممارسات الخاطئة. فمحبة الأولياء لا تكون بالغلو فيهم أو بالمظاهر والممارسات الغريبة التي تسيء إلى ذكراهم، والدفاع عن التوحيد لا يكون بالسخرية منهم أو التشكيك في إيمان محبيهم. وما أحوجنا إلى أن نجعل من هذه المناسبات فرصة لاستحضار قيم الصلاح والرحمة وحسن الخلق، بدلًا من تحويلها إلى موسم جديد للخصومة وتبادل الاتهامات.

تم نسخ الرابط