عاجل

منذ رحيل أمي، وأنا أحاول أن أعود إلى حياتي كما كنت، لكنني لا أستطيع. أحاول أن أمارس عملي، وأن أنشغل بمسؤولياتي، وأن أتعامل مع الأيام بصورة طبيعية، لكنني في كل مرة أشعر بأن شيئًا كبيرًا ينقصني، وأن الحياة التي كنت أعرفها لم تعد كما كانت. أنا لست بخير، رغم كل محاولاتي لأن أكون كذلك. أحاول أن أتجاوز ما حدث، فلا أستطيع، وأحاول أن أعتاد غيابها، لكنني لا أعرف كيف يمكن للإنسان أن يعتاد غياب أمه، أو كيف يمضي في حياته وكأن شيئًا لم يحدث، وهو الذي فقد أغلى ما لديه.

لم تكن أمي مجرد إنسانة أحبها، بل كانت جزءًا أساسيًا من حياتنا جميعًا. كانت هي التي تجمعنا، وتفرح بوجودنا حولها، وتظل تسأل عنا مهما كبرنا وانشغل كل واحد منا بحياته. كان وجودها يمنحنا شعورًا بالأمان، ويجعلنا نطمئن إلى أن هناك دائمًا قلبًا ينتظرنا ويخاف علينا ويفرح لفرحتنا. لم نكن نتصور أن يأتي يوم تصبح فيه هذه التفاصيل ذكريات، وأن البيت الذي اعتدنا أن تكون أمي جزءًا من روحه سيفتقد وجودها إلى الأبد. واليوم، بعد رحيلها، أشعر أنني لم أفقد أمي وحدي، بل فقدنا جميعًا الإنسانة التي كانت تجمعنا، وأن هناك شيئًا في حياتنا لن يعود كما كان مهما حاولنا أن نتجاوز غيابها.

أحاول أن أتجاوز، لكنني أفتقدها في أشياء كثيرة، بعضها بسيط، لكنه يؤلمني أكثر مما أستطيع وصفه. أحيانًا أتمنى لو أستطيع أن أتحدث معها، أو أحكي لها ما حدث في يومي، أو أطمئن عليها كما اعتدت طوال عمري. ثم أتذكر أنها رحلت، فأشعر من جديد بأنني لم أستوعب الحقيقة بعد. تمر لحظات أظن فيها أنني أصبحت أفضل، ثم تعيدني ذكرى واحدة إلى حزني الأول. وربما لا يعرف الناس أن الإنسان يستطيع أن يضحك ويتحدث ويواصل عمله، بينما يظل داخله حزينًا، وأن عودته إلى حياته لا تعني أنه تجاوز خسارته، بل تعني أنه يحاول أن يستمر رغم كل ما يشعر به.
ويزداد حزني حين أفكر في أبنائي، وفي أن أمي لن تعيش معهم الذكريات التي كنت أتمنى أن تجمعهم بها. لديّ ابن لا يزال صغيرًا، لكنني سأحكي له عنها كلما كبر، وسأجعله يعرف كم كانت جدته طيبة، وكم أحبته، وكم كانت تعني لنا جميعًا. ولديّ ابن آخر رحلت جدته وهو لم يتجاوز شهره الأول، ولن يستطيع أن يتذكرها أو يعرفها بنفسه، لكنني سأروي له حكايتها، وسأحدثه عن المرأة التي كانت تجمع الأسرة، وعن قلبها الذي اتسع لنا جميعًا.

يؤلمني أن أمي لن تكون موجودة لتراهما وهما يكبران، وأنهما لن يعرفا حنانها كما عرفناه، لكنني سأحرص على أن تظل سيرتها حاضرة في حياتهما، وأن يعرفا أن لهما جدة تستحق أن يفتخرا بها، وأن حبها سيظل جزءًا من حكايتهما مهما مرت السنوات.

أحاول أن أنسى، ثم أسأل نفسي: كيف أنسى أمي؟ وكيف أنسى إنسانة عاشت عمرها من أجلنا، وكانت فرحتها الحقيقية أن ترانا بخير؟ أنا لا أريد أن أنسى، لكنني أريد أن أتخلص من هذا الألم الذي يرافقني كلما تذكرتها. أريد أن أستطيع الحديث عنها دون أن أشعر بأنني أعيش لحظة رحيلها من جديد، وأن أروي حكاياتها لأبنائي دون أن يخنقني الحزن وتسبقني دموعي، وأن أحتفظ بذكرياتها الجميلة دون أن أشعر في كل مرة بحجم ما فقدته. أريد أن أكون بخير، لا لأنني نسيتها، بل لأنني أريد أن أواصل حياتي وأنا أحمل حبها في قلبي.

لا أعرف متى سأشعر بالراحة، ولا متى سأتمكن من تجاوز هذه المحنة. كل ما أعرفه أنني أحاول، وأنني أحيانًا أشعر بأنني أصبحت أفضل، ثم أعود إلى حزني من جديد.

لكنني بدأت أفهم أنني لست مطالبًا بأن أنسى، ولا أن أبدو قويًا طوال الوقت. يكفيني أن أحاول، وأن أواصل حياتي، وأن أدعو لأمي، وأن أحافظ على ما تركته فينا من حب وترابط. وأرجو من الله أن يمنحني القوة لأكون سندًا لأبنائي، كما كانت أمي سندًا لنا، وأن أستطيع يومًا أن أتذكرها بابتسامة لا يغلبها الألم.

رحمك الله يا أمي، فقد كنتِ أغلى ما في حياتي، وسيظل غيابك من أصعب ما عشته. سأفتقدك في تفاصيل كثيرة، وسأظل أتمنى لو أنك بيننا، تجمعيننا حولك كما اعتدتِ دائمًا. سأحكي عنك لأبنائي، وسأدعو لك ما حييت، وسأظل أحمل حبك في قلبي مهما مرت السنوات.

أنا لست بخير يا أمي.. أحاول أن أتجاوز رحيلك، لكنني لا أستطيع، وأحاول أن أنسى، لكنني لا أريد أن أنساك. كل ما أتمناه أن أتعلم كيف أعيش من دونك، دون أن أشعر أنني فقدت معك جزءًا من نفسي. رحمك الله، وجمعني بك في جنة لا فراق فيها ولا حزن.

تم نسخ الرابط