سيارات ومسيرات تحت الرقابة.. مخاوف التجسس الصيني تتصاعد داخل الجيوش الأوروبية
تتصاعد المخاوف الأمنية داخل المؤسسات العسكرية الأوروبية بشأن استخدام المعدات والتقنيات الصينية، في ظل حوادث أثارت تساؤلات حول احتمال جمع بيانات حساسة عن تحركات الجنود والمنشآت العسكرية، من دون علم المستخدمين، ومدى إمكانية انتقال هذه المعلومات إلى جهات خارجية.
وتشمل هذه المخاوف مجموعة واسعة من التقنيات، بدءا من السيارات الذكية والطائرات المسيرة، وصولا إلى الكاميرات والمكونات الإلكترونية والأجهزة المتصلة، وسط مساع أوروبية لتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، مع استمرار استخدامها في بعض القطاعات العسكرية.
وكشف تقرير نشرته صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية عن وقائع مرتبطة بمعدات صينية داخل جيوش أوروبية، من بينها تسجيل سيارات مستأجرة بيانات ومقاطع فيديو خلال تدريبات عسكرية في النرويج، إلى جانب مخاوف بشأن مكونات صينية في معدات تابعة للبحرية الملكية البريطانية، واستمرار القوات المسلحة الفرنسية في استخدام آلاف الطائرات المسيّرة صينية الصنع رغم تحذيرات أمنية.
تسجيل تحركات الجنود ورموز الدخول في النرويج
بدأت إحدى أحدث الوقائع خلال سبتمبر الماضي، عندما اكتشف جنود من الحرس الوطني النرويجي، أثناء مشاركتهم في تدريب أمني لتأمين مطار أوسلو، أن سيارات مستأجرة سجلت مقاطع فيديو وبيانات للملاحة من دون علمهم.
وبحسب «لو فيغارو»، عثر جنديان، خلال فحص إعدادات السيارات، على تسجيلات توثق الأشخاص الذين يدخلون المركبات ويغادرونها، والمسارات والاتجاهات التي تسلكها، كما تضمنت بعض المقاطع رموز الدخول إلى البوابات الأمنية في المنشأة.
وكانت سيارتان على الأقل من طراز «ديبال» الصيني، فيما استُؤجرت المركبات من شركة «هيرتز»، المرتبطة بمجموعة «جيلي» الصينية عبر شركة «فولفو للسيارات».
ولم يتضح ما إذا كانت البيانات التي سجلتها السيارات قد حُفظت أو نُقلت إلى جهات أخرى، وهو ما أبقى التساؤلات قائمة بشأن طبيعة المعلومات التي جُمعت والجهات التي يمكن أن تتمكن من الوصول إليها.
وتكتسب الواقعة أهمية إضافية بالنظر إلى اتفاق أبرمه الجيش النرويجي عام 2024 مع عدد من موردي المركبات، من بينهم «هيرتز»، لمدة أربع سنوات وبقيمة تُقدّر بنحو 350 مليون كرونة نرويجية.
قيود على السيارات الصينية داخل المنشآت العسكرية
دفعت المخاوف المرتبطة بإمكانات جمع البيانات بعض الدول الأوروبية إلى فرض قيود على دخول السيارات الصينية والمركبات المزودة بأنظمة قادرة على تسجيل المواقع والصور والأصوات إلى المنشآت العسكرية المحمية.
وفي فبراير الماضي، حظرت وزارة الدفاع البولندية دخول السيارات الصينية إلى المواقع العسكرية المحمية، إلى جانب المركبات القادرة على تسجيل البيانات الجغرافية أو الصور أو الأصوات. كما منعت العسكريين من توصيل هواتف العمل بهذه السيارات قبل إخضاعها لتقييم أمني.
وفرضت بريطانيا، منذ أبريل 2025، قيودا على دخول بعض المواقع العسكرية بالسيارات الكهربائية المزودة بمكونات صينية، فيما حظرت إسرائيل استخدام المركبات الصينية داخل قواعدها العسكرية.
أما فرنسا، فلم تعلن فرض قيود مماثلة، رغم تحذيرات مديرية الاستخبارات والأمن الدفاعي من المخاطر المرتبطة بدخول سيارات «بي واي دي» الصينية، وكذلك سيارات «تيسلا» الأمريكية، إلى القواعد العسكرية.
ولا تقتصر التحذيرات على السيارات، إذ تشمل أيضا الأجهزة الإلكترونية المتصلة التي يستخدمها العسكريون، مثل الساعات والنظارات الذكية والهواتف المحمولة والتطبيقات المرتبطة بها، نظرا إلى قدرتها المحتملة على جمع بيانات تكشف تحركات الأفراد وأنشطتهم.
وتثير هذه الأجهزة مخاوف تتعلق بإمكان تجميع معلومات متفرقة عن تحركات العسكريين ومواقع وجودهم، بما قد يوفر مؤشرات عن أنشطتهم داخل المنشآت العسكرية وخارجها.
مكونات صينية في معدات تابعة للبحرية البريطانية
وامتدت المخاوف إلى المعدات البحرية، بعدما كشفت تقارير بريطانية في أغسطس الماضي عن احتواء كاميرات الطائرات المسيّرة السطحية «كيه 3 سكاوت» التابعة للبحرية الملكية على مكونات صينية كانت ترسل إشارات دورية إلى عنوان على الإنترنت في الصين.
وتُستخدم هذه الإشارات عادة للتحقق من اتصال الجهاز بالشبكة واستمرار عمله، إلا أن رصدها أثار تساؤلات بشأن طبيعة الاتصالات التي تجريها المعدات العسكرية والبيانات التي يمكن أن تنتقل عبرها.
وعلى إثر ذلك، فتحت وزارة الدفاع البريطانية تحقيقا في الواقعة، لكنها لم تثبت وصول معلومات حساسة إلى جهات غير مصرح لها.
وسلطت الحادثة الضوء على الصعوبات التي تواجهها المؤسسات العسكرية في مراقبة سلاسل توريد المعدات الدفاعية، خصوصا عندما تعتمد الشركات المصنعة على موردين فرعيين من الخارج، وهو ما قد يجعل تحديد منشأ المكونات الإلكترونية ووظائفها والاتصالات التي تجريها أمرا أكثر تعقيدا.
فرنسا تواصل استخدام آلاف الطائرات المسيّرة الصينية
وفي فرنسا، لا تزال القوات المسلحة تستخدم أكثر من 3 آلاف طائرة مسيّرة من إنتاج شركة «دي جي آي» الصينية، وفقا لموقع «إنتليجنس أونلاين»، رغم المخاوف المتعلقة بأمن البيانات والاعتماد على التكنولوجيا الصينية.
كما أبرمت القوات المسلحة الفرنسية اتفاقا إطاريا في نوفمبر 2024 لشراء 500 طائرة مسيّرة من طراز «ماتريس إم 30 تي»، في مؤشر على استمرار الاعتماد على هذه المعدات في الاستخدامات العسكرية.
وفي ألمانيا، لم تستبعد الحكومة احتمال وصول البيانات التي تسجلها هذه الطائرات إلى الشركة المصنعة أو إلى الدولة الصينية، وفقا لما أورده التقرير الفرنسي.
وأشار التقرير إلى أن استخدام هذه الطائرات يقتصر على التدريب في مناطق لا يُتوقع أن تكشف منشآت عسكرية محمية أو معلومات حساسة، في محاولة للحد من المخاطر المحتملة المرتبطة بتشغيلها.
وتعكس هذه الإجراءات التحدي الذي تواجهه الجيوش الأوروبية في الموازنة بين الاستفادة من المعدات المتاحة والحفاظ على أمن المعلومات، خصوصا عندما تتعلق المخاوف بأجهزة مستخدمة بالفعل في التدريبات والأنشطة العسكرية.
معضلة السيادة الدفاعية الأوروبية
وتكشف الوقائع التي أوردتها «لو فيغارو» عن فجوة بين مساعي الدول الأوروبية لتعزيز السيادة الدفاعية وتقليص الاعتماد على التقنيات الأجنبية، وبين استمرار استخدام معدات صينية في عدد من المؤسسات العسكرية.
ولا تتعلق المخاوف بالضرورة بإثبات انتقال معلومات حساسة في كل حالة، إذ لم يثبت التحقيق البريطاني، وفقا للتقرير، وصول بيانات سرية إلى جهات غير مصرح لها، كما لم يتضح ما إذا كانت التسجيلات التي رُصدت في السيارات المستأجرة بالنرويج قد نُقلت إلى أطراف أخرى.
لكن هذه الحوادث دفعت دولا إلى مراجعة سياسات استخدام المركبات والأجهزة المتصلة داخل المنشآت العسكرية، وفرض قيود على بعض المعدات أو إخضاعها لتقييمات أمنية قبل السماح باستخدامها.



