فجأة، أصبح «بيع الوقت» في بعض القنوات الفضائية تهمة تستدعي الدهشة والاستنكار، وكأننا اكتشفنا سرًّا لم تعرفه صناعة الإعلام من قبل. تعالت الأصوات تسأل: كيف تؤجّر قناة جزءًا من ساعات بثها؟ لكن سؤالًا أساسيًّا غاب وسط الضجيج: ومن أين تأتي هذه القناة بالأموال لتستمر؟
تأجير الوقت ليس اختراعًا ظهر هذا الأسبوع؛ فقد أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرارًا لتنظيمه منذ عام ٢٠١٨. نحن إذن أمام ممارسة قديمة تستحق النقاش والتقييم، ويحتاج الحكم عليها إلى فهم طريقة التمويل، وطبيعة المحتوى، والمسؤولية عنه.
المشاهد يرى المذيع والضيف والديكور، ثم يضغط زر الريموت وينتقل إلى شاشة أخرى. لكن خلف هذه الدقائق مؤسسة كاملة: معدّون، ومصورون، ومخرجون، ومهندسو صوت وإضاءة، ومونتيرون، وفنيون، وإداريون، وعمال خدمات. وراء كل واحد منهم بيت ينتظر راتبًا، وأطفال يحتاجون إلى مصروفات مدارس، وأسرة لديها إيجار وعلاج والتزامات.
حين نتحدث عن صاحب قناة، يسهل أن نستدعي صورة رجل الأعمال الجالس خلف مكتبه. الأصعب أن ننظر إلى كشف الرواتب الذي عليه تدبيره كل شهر، وإلى العاملين الذين سيصل إليهم أثر أي تعثر قبل أن يصل إلى صاحب المكتب.
الشاشة لا تعمل بالنوايا الطيبة. الاستديو له تكلفة، وإشارة البث لها تكلفة، والمعدات تحتاج إلى صيانة وتجديد، وإنتاج الحلقة يبدأ الإنفاق عليه قبل ظهور أول صورة على الهواء. وكل هذه الفواتير لها مواعيد، سواء نجحت القناة في جذب المعلن أم لم تنجح.
جميل أن نطالب بمحتوى محترم وهادف، لكن من سيدفع تكلفة إنتاجه؟
نريد برامج تذهب إلى المصانع، وتناقش مشكلات الزراعة، وتشرح الاقتصاد، وتستضيف أصحاب الخبرة، وتفتح أبوابًا للمشروعات الصغيرة. وهذه موضوعات تحتاج إلى إعداد وتصوير وانتقالات ووقت. وقد تكون فائدتها للمجتمع أكبر كثيرًا من قدرتها على اجتذاب إعلان سريع.
هنا تظهر المعضلة: نطالب القناة بأداء دور إعلامي يخدم البلد، ثم نقيس قدرتها على البقاء بعائد تجاري وحده. وحين تبحث عن شريك إنتاج أو راعٍ أو تبيع مساحة زمنية لتمويل التشغيل، يبدأ الاتهام قبل أن يبدأ الفحص.
بيع الإعلان، والرعاية، والإنتاج المشترك، وتأجير الوقت صيغ مختلفة، ولا يصح وضعها كلها في سلة واحدة. المطلوب أن نسأل: هل العلاقة التمويلية واضحة؟ هل يعرف المشاهد أنه أمام مادة دعائية حين تكون كذلك؟ وهل تحتفظ القناة بسلطتها التحريرية على ما يُعرض باسمها؟
فهناك فرق جوهري بين تمويل برنامج مهني، وبين أن يصبح المقابل المالي وحده تذكرة الدخول إلى الشاشة.
وهنا تحديدًا تقع مسؤولية أصحاب القنوات. الضغوط المالية تشرح القرار، لكنها لا تعفي صاحبه من المسؤولية. القناة مطالبة بمراجعة المحتوى، والتحقق من أهلية من يظهرون عليها، وحماية المشاهد من التضليل. ومن حق الجمهور أن يحاسبها عندما تفرّط في ذلك.
لكن المحاسبة العادلة تحتاج أيضًا إلى الاستماع إلى الجانب الآخر. كم فرصة عمل توفرها هذه المؤسسات؟ ما تكلفة استمرارها؟ وما البدائل الواقعية المتاحة أمامها؟ وماذا يحدث للعاملين إذا أُغلق باب تمويل، من دون وجود باب آخر؟
ومن حق أصحاب القنوات أن يطرحوا سؤالًا عن علاقتهم بالجهات التي يتعاملون معها: هل يُنظر إليهم باعتبارهم شركاء في صناعة إعلامية نريد استمرارها، أم باعتبارهم جهات مطالبة بالسداد عند كل باب؟
عندما تتراكم فواتير الاستديو والبث والخدمات، قد يشعر صاحب القناة أنه «بقرة حلوب»: الجميع ينتظر مستحقاته، بينما تدبير الإيراد مسؤوليته وحده. هذا الشعور يستحق أن يُسمع، وأن تُناقش أسبابه بأرقام واضحة، بدلًا من اختزال الأزمة في اتهام أو شكوى.
وإذا كنا نريد محتوى جادًّا يدعم الدولة المصرية، فعلينا أن نفهم أن هذا المحتوى يحتاج إلى اقتصاد يستطيع حمله. دعم الصناعة يمكن أن يبدأ من تيسير الإنتاج، ومراجعة تكاليف الخدمات، وإتاحة فرص رعاية عادلة وشفافة للبرامج المفيدة، وتشجيع المنافسة على الجودة.
أما أن نطالب القنوات بالاستمرار، والتطوير، وتشغيل الناس، وإنتاج محتوى محترم، ثم نكتفي بانتقاد الوسيلة التي تدبّر بها نفقاتها، فذلك نقاش تنقصه نصف الصورة.
حاسبوا القنوات على ما تقدمه، وافحصوا كيف تموّله، واسمعوا أيضًا ما تتحمله.
وقبل أن نسأل صاحب قناة: «بتبيع وقتك ليه؟»، علينا أن نكون مستعدين لسماع إجابته عن سؤال أبسط وأثقل:
«أدفع مرتبات الناس وفاتورة آخر الشهر منين؟»