
أحيانًا لا نشتاق إلى الماضي لأنه كان أفضل من الحاضر في كل شيء وإنما لأننا كنا نحن أنفسنا أفضل قدرةً على الفرح.
كانت الحياة أبسط وأكثر أصالة وأدفأ بكثير ..
وأنا أتذكر بيتنا في حي الدقي أتذكر حيطانًا من الجير وأرضًا من البلاط الإيطالي وأتذكر بيتًا لم تكن فيه أجهزة التكييف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية ؛ لم تكن البيوت يومها مختبرات للأجهزة الحديثةً ولم يكن لكل حركة جهاز ولكل حاجة تطبيق ولكل لحظة شاشة !!
كان البيت بيتًا .. مجرد بيت ؛ وكانت الأسرة هي التكنولوجيا الوحيدة التي نحتاج إليها كي لا نشعر بالوحدة.
كان للبيت صوت ( حِس )
صوت أبي وصوت أمي ونفس جدتي وخطوات إخوتي وأبواب تُفتح وتُغلق وحديث يأتي من غرفة وضحكة تنطلق من أخرى وقرآن يخرج من راديو وموسيقي من بيك اب وكانت الحياة تتحرك في البيت مثل كائن حي لا مثل إشعارات متلاحقة على شاشة هاتف الملعون !!
وفي الشتاء كانت الأشياء تأخذ شكلًا آخراً ؛ المذاكرة والبرد والتلفاز الكبير في صالة الشقة ؛ قناتان فقط وتلفاز أبيض وأسود ومع ذلك كنا نشعر أن العالم كله موجود أمامنا.
لم نكن نبحث عن مئات الخيارات؛ لأننا لم نكن نعرف أصلًا أن علينا أن نختار من مئات الخيارات فقد كان القليل يكفينا ؛ بل كان القليل يمنحنا فرصة لأن نستخدم خيالنا.
ثم تأتي فترة المغربية ؛ تلك الساعة التي لا أعرف كيف كانت قادرة على أن تحمل كل ذلك الدفء إذا كان شقيقي الأكبر مباشرةً أشرف غير مشغول فقد انتهيتما مذاكرته وكان يدخل معي إلى غرفتنا وهناك تبدأ الحكاية.
العساكر نعم العساكر ؛ لم تكن ألعابًا إلكترونية ولم تكن شخصيات ثلاثية الأبعاد تتحرك على شاشة بل كانت مجموعة صغيرة من الجيوش البلاستيكية تُباع في بوتيك محسن القابع على ناصية شارعنا ؛ جيش بني فاتح وجيش زيتي وجيش أزرق وبعض السيارات الكاتش بوكس ..
ثلاثة جيوش صغيرة لكنها كانت بالنسبة إلينا دولًا كاملة نرتبها ونقسمها ونخطط للمعارك ونصنع من أرض الغرفة ميادين للحرب ونطلق العنان لخيالنا !!
كان خيالنا يقوم بكل ما عجزت التكنولوجيا عن تقديمه لنا وكلما أتذكر تلك العساكر اليوم أبتسم حتي ابكي هذه اللحظات الجميلة الطيبة !!
فقد كنا نملك أقل كثيرًا مما يملكه أطفال اليوم لكننا كنا نملك شيئًا يبدو أنه أصبح نادرًا الآن: جودة الوقت ..
وكان لدينا شيء آخر أكثر ندرة: الانتماء ..
كان كل شيء حولنا يقول لنا إننا ننتمي إلى مكان إلى بيت إلى شارع إلى جيران إلى عائلة إلى طقوس يعرفها الجميع.
حتى رمضان كان له طعم مختلف رمضان الدافئ ليس فقط بدفء الطعام على المائدة وإنما بدفء الاجتماع ؛ كان رمضان يدخل البيت قبل أن يدخل التقويم.
تتغير رائحة المكان وتختلف حركة الناس ويصبح للمساء معنى آخر ولم يكن الشهر مجرد مواعيد إفطار وسحور؛ كان حالة عائلية كاملة .. كان البيت يجتمع والشارع يتغير والوجوه تعرف بعضها وكان للانتماء رائحة ربما كانت تأتي من المطبخ او ربما من طبق يوضع على المائدة او ربما من صوت أحد أفراد الأسرة وهو ينادي الآخرين.
وربما كانت تأتي من تلك اللحظة التي نكتشف فيها أننا لسنا وحدنا في هذا العالم ؛ وأن هناك بيتًا نعود إليه ووجوهًا تنتظرنا وذكريات تتكون من دون أن نعرف أنها ستصبح يومًا أثمن ما نملك.
وأتذكر أبي في هذا السياق كأنني أراه الآن كان عائدًا من رحلة سفر قصيرة بالولايات المتحدة الأمريكية وكان قد وعدني بشيكولاتة وسويتر منفوخ ؛ يا لها من أشياء صغيرة لكنها كانت بالنسبة لطفل مثلي شيئًا يشبه الحلم ؛ فالشيكولاتة المستوردة في ذلك الزمن لم تكن شيئًا متاحًا كل يوم بل كانت عملة نادرة لا نراها إلا في مناسبات محدودة.
وكان شقيقي الأكبر إيهاب رحمه الله يأخذنا إلى عالمها بطريقة غير مباشرة حين كان يذهب في رحلات اليوم الواحد إلى بورسعيد .. بورسعيد المنطقة الحرة ؛ ذلك المكان الذي كان يبدو في مخيلتنا وكأنه غارق في الشوكولاتة المستوردة فقد كان مجرد ذكر بورسعيد كافيًا لإشعال الخيال فهي مدينة فيها أشياء تأتي من وراء الحدود .
كانت عودة ايهاب منها تحمل دائمًا شيئًا من الترقب والفرحة ثم يأتي أبي من اي سفرة عمل خارجية وأنا أنتظر ليس طمعًا في هدية عظيمة بل لأن الوعد نفسه كان جميلًا فما اجمل أن يقول لك أبوك: سأعود وسأحضر لك شيئًا ؛ فتعيش الأيام التالية وأنت تحمل هذا الوعد في قلبك ؛ اليوم تغير الحال وبات اي طفل أن يطلب شيئًا في لحظة ويصل إليه في اليوم نفسه ويمكنه أن يفتح هاتفًا ويختار ويدفع وينتظر قليلًا.
لقد أصبحنا نعيش في عالم الـ«تيك أواي».
نأخذ الطعام سريعًا ونشتري سريعًا ونسافر سريعًا ونصور سريعًا ونرد سريعًا ونمر على الأماكن سريعًا.
حتى المشاعر نفسها صرنا نريدها جاهزة وسريعة !!
لكن الأشياء التي تأتي سريعًا لا تمنحنا دائمًا الوقت الكافي لكي نحبها وهذه ربما هي المفارقة الكبرى.
لقد أصبحنا نملك كل شيء تقريبًا لكننا فقدنا شيئًا من قدرتنا على الانتظار ؛ والانتظار رغم قسوته كان يصنع جزءًا من قيمة الأشياء فحين كنت أنتظر الشوكولاتة كنت أعيش معها قبل أن تصل ؛ وحين كنت أنتظر عودة أبي، كنت أعيش فرحة اللقاء قبل أن يحدث.
وحين كنت أنتظر فترة المغربية لألعب مع أشرف كان اللعب يبدأ في خيالي قبل أن يفتح باب الغرفة.
وحين كان رمضان يقترب كان البيت كله يستعد له قبل أن يبدأ وحين يحل الصيف كانت إسكندرية تداعب خيالنا والشوق يقتلنا لشاطئ المعمورة وملاهي كوته وحتي صوت فؤاد عبد المجيد وهو يغني بسيارة والدي ( المازدا ٩٢٩ ) طول الطريق الزراعي !! لقد كان المستقبل يدخل حياتنا ببطء ولذلك كان له طعم ؛ أما اليوم فنحن نعيش كأن أحدًا يقف خلفنا ويدفعنا إلى الأمام فلا وقت للانتظار ولا وقت للملل ولا وقت حتى لأن نشعر بما يحدث لنا.
وهنا أفهم شيئًا لم أفهمه وأنا طفل : لم تكن بساطة حياتنا فقرًا في الخيارات بل كانت ثراءً في المعنى ؛ ولم يكن التلفاز الأبيض والأسود فقيرًا لأنه لا يعرض إلا قناتين بل كان غنيًا لأننا كنا نجلس حوله معًا ؛ ولم تكن العساكر البلاستيكية لعبة فقيرة لأنها لا تتحرك وحدها بل كانت غنية لأن أشرف كان يجلس أمامي وكنا نصنع نحن الحركة والحكاية ؛ ولم تكن الشوكولاتة نادرة فقط لأنها مستوردة بل كانت ثمينة لأن وراءها أبًا مسافرًا ووعدًا، وانتظارًا وطفلًا يترقب لحظة فتح الحقيبة …
ربما انا لا أشتاق إلى الماضي كما أشتاق إلى الطريقة التي كنا نعيش بها الماضي ؛ أشتاق إلى البطء ؛ إلى البيت ؛إلى الشارع إلى حس العائلة وإلى فترة المغربية واللعب مع أشرف وإلى إيهاب رحمه الله وإلى تلك الوجوه التي أخذها الزمن معه ولم يأخذ أثرها.
لقد تغير العالم وهذا امر طبيعي ؛ لكن ربما لا يزال في مقدورنا أن نستعيد شيئًا من تلك الحياة بأن نبطئ قليلًا وأن نجلس إلى مائدة بلا هواتف وأن نزور قريبًا بدل أن نكتفي برسالة وأن نترك أطفالنا يشعرون بالملل أحيانًا لكي يكتشفوا الخيال ( خيال العساكر )
أن نحتفظ ببعض الأشياء حتى تصبح لها حكاية وأن نفهم أن الحياة ليست في كثرة ما نملك وإنما في عمق ما نشعر به تجاه ما نملك.
وربما لهذا، كلما ازدادت الحياة سرعة وإثقال علي كاهلي أشعر أنني أريد أن أعود قليلًا إلى الوراء ليس لأغير شيئًا بل لأجلس مرة أخرى في تلك الغرفة أنتظر المغربية وأنتظر أشرف لنضع الجيوش الثلاثة أمامنا لتبدأ الحرب وتتوقف الدنيا الي ندلف الي النوم كل منا علي سريره اسفل هذا اللحاف - الذي تطاردني رائحته الي اليوم - ونمد ايدينا الي بعضنا البعض لنشعر بالونس وننام في عمق واستغراق ..