تجول بلا وجهة.. تسكع الشباب الإيراني يثير جدلا واسعا بين الشرطة والمواطنين
أثارت تصريحات مسؤول في الشرطة الإيرانية بشأن تجول الشباب في الشوارع من دون وجهة محددة جدلا واسعا في إيران، بعدما انتقد تجمعهم في مناطق المقاهي بالعاصمة طهران، لتفتح القضية نقاشا أوسع بشأن حرية استخدام الأماكن العامة وحدود تدخل السلطات في الحياة اليومية للمواطنين.
وقال علي رفيعي، رئيس إدارة الأماكن العامة في شرطة طهران، إن شارعي سنائي وإيرانشهر تحولا إلى وجهة يتجول فيها الشباب ذهابا وإيابا، مشيرا إلى أن بعضهم يسير من بداية الشارع إلى نهايته ثم يعود، من دون أن يعرف، حتى هو نفسه، سبب وجوده في المكان.

ووصف رفيعي الشارعين بأنهما ضيقان ومزدحمان، معتبرا أن وضع طاولات المقاهي ومستلزماتها على الأرصفة يزيد صعوبة حركة المشاة.
كما حذر من اتخاذ إجراءات بحق المقاهي التي لا تلتزم بقواعد الحجاب، مؤكدا أن تقديم النرجيلة وإقامة الحفلات الموسيقية الحية من دون تصاريح، إلى جانب استخدام منسقي الموسيقى «دي جي» وبعض المعدات المرتبطة بالقمار، من الأنشطة التي تحظرها الشرطة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت بات فيه شارعا سنائي وإيرانشهر من أبرز أماكن تجمع الشباب في طهران خلال السنوات الأخيرة، مع انتشار المقاهي بالقرب من المؤسسات الثقافية والفنية والمكتبات ومراكز تعليم الموسيقى.
ويضم شارع إيرانشهر «بيت الفنانين» ومسرح إيرانشهر، بينما يتصل شارع سنائي بشارع كريمخان المعروف بمكتباته ودور النشر.

المقاهي في قلب التغير الاجتماعي
شهدت ثقافة المقاهي توسعا ملحوظا في إيران خلال السنوات الماضية، إذ تضاعفت واردات القهوة إلى البلاد سبع مرات خلال السنوات الثماني الماضية. وتشير تصريحات مسؤولين إلى وجود ما بين 500 و600 مقهى في طهران، التي يقل عدد سكانها بقليل عن عشرة ملايين نسمة، مع ترجيحات بأن العدد الفعلي للمقاهي أكبر من ذلك.
وتزامن هذا الانتشار مع إغلاق عدد من المقاهي في طهران ومدن إيرانية أخرى، وسط تقارير أشارت إلى أن وجود نساء من دون حجاب كان من بين الأسباب المطروحة لإغلاق بعض المنشآت.
وفي حين ترى تيارات دينية محافظة أن انتشار المقاهي يعكس ترويجا لأنماط حياة غربية، يرفض منتقدون هذا التصور، مشيرين إلى أن القهوة حاضرة في التاريخ الإيراني، وأن مصطلح «قهوة خانه»، الذي يعني بيت القهوة، تعبير فارسي قديم يُستخدم للدلالة على المقهى.

انتقادات تتجاوز مسألة الازدحام
وتجاوز الجدل مسألة تنظيم حركة المشاة أو الحد من الازدحام، ليشمل تساؤلات بشأن ما إذا كان يتعين على المواطنين تحديد غرض واضح لتجولهم في الشوارع والأماكن العامة.
وتناول موقع «تابناك» المحافظ تصريحات رفيعي، متسائلا عما إذا كان وجود المواطن في الشارع يتطلب هدفا محددا أو مبررا، وأشار الموقع إلى أن الناس قد يتجولون أو يلتقون أصدقاءهم أو يجلسون في المقاهي أو يقضون أوقاتهم في الأماكن العامة من دون أن تكون لديهم وجهة بعينها.
من جانبه، اعتبر الناشط الاجتماعي وحيد نوروزي أن الشارع ليس مجرد طريق للوصول إلى وجهة معينة أو مكان للتسوق، بل مساحة للتواصل الاجتماعي وقضاء الوقت، حتى في غياب الرغبة في شراء أي شيء.
بدوره، رأى عالم الاجتماع مهدي قوامي بور، في تصريحات نقلها موقع «فرارو»، أن جوهر القضية يرتبط بكيفية فهم وظيفة الشارع، محذرا من اختزال دوره في حركة المرور والتنقل بين الوجهات.
وأوضح أن الشوارع تؤدي أيضا وظائف اجتماعية وترفيهية، إذ تتيح اللقاءات ومشاهدة مظاهر الحياة اليومية والتعبير عن أنماط المعيشة المختلفة.
وفي مقال نشرته صحيفة «اعتماد» الإصلاحية، طرح الناشط القانوني بهنام فرهنك تساؤلات بشأن حدود تدخل الشرطة في حياة المواطنين، متسائلا عما إذا كان يتعين على المواطن إبلاغ السلطات بأسباب تجوله في الشارع أو جلوسه في مقهى.

وقال فرهنك إن أي تقييد لحرية المواطنين يجب أن يستند إلى أساس قانوني، مشيرا إلى أن المشي أو الوجود في مكان عام من دون وجهة محددة لا يشكل، في حد ذاته، فعلا مجرما.
وأضاف أن التعامل مع وجود المواطنين في الشوارع باعتباره سلوكا يتطلب تفسيرا يثير أسئلة أوسع بشأن العلاقة بين الفرد والسلطة.
وحذر من أن النظر إلى التجمعات والمقاهي باعتبارها مشكلات أمنية قد يضعف الحياة الاجتماعية في المدن، في وقت أصبحت فيه هذه الأماكن جزءا من أنماط التفاعل اليومي بين الشباب الإيراني.



