عاجل

في مشهد مهيب تتجلّى فيه عظمة الملك ومجد البطولة، يقف الملك في شرفة قصره، وأحيانًا الملكة إلى جواره، ويحتشد الجنود ورجال البلاط لمتابعة لحظة التكريم. وما إن يرفع الملك يده حتى يتناثر الذهب نحو الجندي الواقف أسفل الشرفة، فيتلقى تهنئة الحاضرين وقد تراكمت القلائد حول عنقه، في مشهد يخلّد شجاعته في غمار المعارك أمام أعين الجميع.

قد يُخيَّل إلى البعض أن الأوسمة العسكرية ابنةُ العصر الحديث، غير أن المصري القديم عرف تكريم جنوده الأبطال قبل آلاف السنين، في تقليد عُرف باسم اخذ ذهب الشجاعة.
وقد بلغ هذا التقليد ذروته في عصر الدولة الحديثة، حين استعادت مصر قوتها بعد طرد الهكسوس. وكان ذهب الشجاعة عبارة عن قلائد مصفوف من حبات ذهبية المستديرة، وتتعدد طبقاتها مع عِظَم التكريم، حتى غدت علامةً تُبرز مكانة المحارب وما حققه من بطولات. 
وكان تكريم ذهب الشجاعة يُمنح أكثر من مرة واحدة، فيناله الجندي كلما جدّد بطولاته وأثبت شجاعته في ميادين القتال. ويجسّد أحمس بن إبانا هذا التقليد بوضوح، إذ يذكر في نقوش مقبرته بالكاب أنه نال ذهب الشجاعة سبع مرات، تقديرًا لما أبداه من بسالة في حروب طرد الهكسوس.
ومن أغرب النياشين وأشهرها في مصر القديمة، نيشان الذبابة الذهبية من الذهب الخالص. وقد يبتسم ويتعجب القارئ !!، لكن المصري القديم رأى فيها رمزًا للإصرار والعناد؛ للعودة إلى هدفها مهما طُردت. وتلك صفةُ الجندي الذي لا يكفّ عن مهاجمة عدوّه. ومن أجمل ما وصلنا منها قلادةُ الملكة "إعح حتب" تقديراً لدورها القيادي في مرحلة حرجة من مراحل حرب التحرير ضد الهكسوس، فقد جمعت شمل الجيش، وأعادت الهاربين، ووحدت الصفوف بعد استشهاد زوجها الملك سقنن رع وابنها كامس.  
ولم يقتصر التكريمُ على الذهب، بل صحبته مكافآتٌ مادية ورمزية منها أسلحةٌ شرفية كالفؤوس والخناجر المزخرفة بالذهب والأحجار الكريمة تُصنع خصيصا لتكون رمزًا للفخر؛ وأراضٍ زراعية تُعيل المحارب في شيخوخته ويرثها أبناؤه. ومنها أيضًا أن يُرقّى الجندي إلى رتبة أعلى، وأن تُمنح له ألقاب ترفع مكانته بين الناس.
وسار العالمُ على الدرب نفسه، فعرف الرومانُ الأطواقَ والأساور الذهبية، ثم جاءت الأوسمةُ الحديثة بنجومها وصلبانها، وغابت عنها الحشراتُ تقريبًا. لكنها لم تختفِ تمامًا؛ ففي الجيش الأمريكي تحمل وحداتُ البناء التابعة للبحرية، المعروفة بـ"سي بيز" (Seabees) ، شعارًا على هيئة نحلة مقاتلة تمسك برشاش ومطرقة واداة ربط.
وثمة مثالٌ أقربُ إلى روح وسام الذبابة الذهبية، هو دبوس على شكل يرقة دودة القز يمنحه "نادي اليرقة" (Caterpillar Club)، الذي أُسس عام 1922، لكل من نجا بمظلته من طائرة. وسرُّ التسمية أن المظلات يومذاك كانت تُنسج من الحرير الذي تنتجه دودة القز. فإذا هي، كما في مصر القديمة، رمزٌ لتجربة عسكرية خاصة بالنجاة من الموت.
وخلاصةُ القول إن النياشين العسكرية في مصر القديمة لتكشف عن دولةٍ أدركت مبكرًا — قبل أن تدركها الأمم — قيمةَ الاعتراف العلني بالشجاعة، فنهضت بذلك الوظيفةِ ذاتها التي تنهض بها الأوسمةُ الحديثة: أن تُفرّق البطلَ عن سواه، وأن تُنصبه أمام أعين الناس قدوةً يُحتذى بها، وسيرةً تُروى. وظلّت الذبابة الذهبية على مرّ القرون ابتكارًا مصريًا خالصًا في فنّ التكريم العسكري، لم يسبقها إليه أحد، ولم ينازعها فيه أحد.

قلادة الذبابة الذهبية للملكة إعح حتب، المؤرخة ببدايات الدولة الحديثة
قلادة الذبابة الذهبية للملكة إعح حتب، المؤرخة ببدايات الدولة الحديثة
شعار وحدات سي بيز التابعة للبحرية الأمريكية
شعار وحدات سي بيز التابعة للبحرية الأمريكية
دبوس على شكل يرقة دودة القز يمنحه
دبوس على شكل يرقة دودة القز يمنحه "نادي اليرقة"
تم نسخ الرابط