عاجل

في الوقت الذي تمر فيه منطقتنا العربية بل وإقليمنا بمجموعة من التحديات الهيكلية والاجتماعية والثقافية والنزاعات بكافة أشكالها لم يعد مواجهة خطاب الكراهية بأنواعه مجرد نوع من الرفاهية الفكرية أو الترف الأكاديمي؛ بل أراها مسألة أمن قومي وتماسك مجتمعي يهدد الهوية الوطنية، فخطاب الإقصاء ونزع الإنسانية وشيطنة الآخر لم يقف على حدود الممارسة الفردية، بل تحول إلى ظاهرة حملتها المنصات الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة لتؤجج بها الفتن وتنشر الإحن التي تنال من النسيج الوطني.
من هذا المنطلق تأتي أهمية المؤتمر الإقليمي "مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معًا"، الذي استضافته القاهرة في الفترة من 4 إلى 7 أكتوبر، ونظَّمه مجلس كنائس الشرق الأوسط بالتعاون مع الهيئة القبطية الإنجيلية، وقد شرفتُ بالمشاركة البحثية فيه والنقاش مع نخبة موسعة من القيادات الدينية والفكرية والنيابية والأكاديميين والباحثين من مصر والدول العربية.
وكان من ثمار هذا المؤتمر، بجانب كتابه البحثي ونقاشاته الثرية، أن أُطلقت "شِرعة القاهرة لمواجهة خطاب الكراهية وحماية الكرامة الإنسانية"، التي وقَّع عليها المشاركون من الدول العربية، وقد حملت في طياتها رؤية عملية وتطبيقية تتجاوز البيانات الشرفية والشعارات.
وأرى من وجهة نظري باعتباري أحد المشاركين في الشِّرعة والموقِّعين عليها أن هذه الوثيقة الكريمة ليست مجرد إعلان حقوقي استرشادي، بل أراها خارطة طريق عملية تتقاطع بصورة مباشرة مع رسالة المؤسسات الدينية وعلى الرأس منها دار الإفتاء المصرية والمؤشر العالمي للفتوى ودورهما في رصد الخطاب الإفتائي المتطرف وتفكيك مقولاته التي استُغلت على مدار سنوات كغطاء للعنف وإعادة إنتاج خطاب الكراهية.
فشرعة القاهرة التي صدرت عن المؤتمر وثيقة مهمة؛ ولأن الوثائق تُقاس بقوة نصوصها، وبمصداقية المكان التي تصدر منه، فخروجها من القاهرة له دلالة عظيمة، فهذه المدينة العظيمة تجاور فيه الأزهر الشريف وكنائسها العتيقة، وتشكل وجدانها عبر القرون باحتكاك الأديان والمذاهب في أسواقها وحاراتها وأزقتها ومدارسها وجامعاتها، فكونت خبرة وتجربة فريدة لم تستوردها من الخارج ولم تكتبها المؤتمرات، وحين تخرج وثيقة تدعو إلى الحياة معًا والعيش المشترك من مدينة تمثل تجربة عملية لهذا التعايش الطيب فهي تسجل خبرة حية أكثر مما تقدم مجاملة لقاهرة المعز. 
ولقد حملت شرعة القاهرة مجموعة من المواد لعل أبرز هذه المواد مادتها الأولى، والتي قدمت تعريفًا لخطاب الكراهية يحمي الاجتهاد، فهو تعريف دقيق وغير فضفاض لهذا المفهوم، حيث فصَّلت بشيء من الوضوح الحاسم بين التحريض على العداوة والعنف والتمييز، وبين حرية الرأي والتعبير والتفكير، وأيضًا النقاش الفكري والديني، والبحث الأكاديمي والنقد السياسي، هذا الاستثناء هو أهم ما جاء في الشرعة عندي، لأن أخطر ما يهدد مكافحة الكراهية أن تتحول إلى أداة لإسكات الاختلاف المشروع، وأكدت ذلك عندما نصَّت في الديباجة على أن المواجهة لا يجوز أن تكون ذريعة لتقييد النقاش الديني والفكري المشروع.  
ولأن من واقع عملي الإحصائي والتحليلي في الخطاب الإفتائي بدار الإفتاء طالما لاحظت كيف أن ضبابية المفاهيم تُستغل لتمرير خطاب الكراهية والتكفير تحت شعار "التعبير عن الدين" أو العكس، لمنع الاجتهاد بالمفهوم الشرعي بدعوى منع الكراهية، لذلك جاءت شرعة القاهرة لترسخ خمسة معايير استندت فيها إلى خطة عمل الرباط، اعتبرت أن الخطاب يقاس عبر: "سياقه، ومكانة المتحدث ونيته وقصده، ومضمونه، ومدى انتشاره، وحجم الضرر المترتب عليه". وهذا التحديد من خلال هذه المعايير الخمسة يعتبر الضابط الحقيقي المنوط به حماية الرأي والتعبير وفي الوقت نفسه محاصرة منابر التحريض.
وكانت مشاركتي في المؤتمر ببحث عن الإطار القيمي للخطاب الإفتائي في مواجهة خطاب الكراهية، فالخطاب الإفتائي يتميز بأنه يحمل سلطة مضاعفة عن غيره، إذ الخطاب السياسي على سبيل المثال يطلب التأييد، لكن الفتوى المتطرفة تطلب الطاعة؛ لأنها تصدر في صورة حكم شرعي يخاطب الضمير، فتحول العداء إلى واجب ديني، لذلك رأيت أن بحث الكراهية في الخطاب الإفتائي أخطر من بحثها في غيره، إذ المتلقي لا يقتنع برأي يُساق إليه، لكنه يمتثل للحكم الشرعي، لذلك ولإيمانها بأهمية هذا الأمر حملت دار الإفتاء المصرية منذ فترة بعيدة رصد الخطاب الإفتائي الذي يحمل الكراهية وتفكيكه والرد عليه وقد سبقت الجميع في هذا المجال من وقت مبكر. 
وقد انطلقت في بحثي، الذي شاركت به في المؤتمر، من فرضية أن خطاب الكراهية ذي المرجعية الدينية لم ينشأ أو يخرج من نصوص الشريعة الأصلية، إنما من التوظيف الخاطئ لهذه النصوص، واجتزائها من سياقاتها، ونقل اجتهادات فقهية من واقع تاريخي إلى واقع تاريخي آخر دون فحص وتثبت، وليّ عنق النصوص عن مقاصدها الشرعية، واستدعاء فتاوى صدرت في ظروف تاريخية وإسقاطها على الواقع كقياس فاسد انتفت عنه الضرورة، لنخلص أن النص الشرعي الأصلي لم يُنتج الكراهية بل اختُطف لإنتاجها.
لذلك اقترحت في بحثي إطارًا معياريًّا مبنيًّا على الاختبار السادس من "خطة عمل الرباط" الأممية، وعلى دراسات الخطاب الخطير، يتألف من ستة مؤشرات هي: "التكفير، ونزع الإنسانية، والتحريض، والتعميم على الجماعات، والدعوة إلى الإقصاء، وسوء استخدام النص"، ولعل المؤشر السادس هو الأساس أو الجذر الذي تتغذى عليه المؤشرات الخمسة الأخرى، لأن الخطاب لا يصل إلى التكفير أو التحريض إلا بعد أن يُقتطع النص عن سياقه أو يتم لي عنقه.  
وقد استجابت شرعة القاهرة في مادتها الثالثة عشرة لما اقترحتُه من ضمانات لحماية الرصد من التحول إلى التشهير، وفصل البيانات الشخصية، وكفالة حق الرد، ونصت أيضًا في مادتها العشرين على حماية خصوصية الأفراد في جمع البيانات.
ولكي تتحول المؤسسات الدينية من أن تكون رد فعل إلى القيادة والمراجعة المقاصدية وضعت شرعة القاهرة في مادتها الثامنة عشرة التزامًا أخلاقيًّا ومعرفيًّا صريحًا على عاتق المؤسسات والقيادات الدينية،حيث ترى أن مواجهة الكراهية تبدأ من الداخل، سواء من داخل الأفراد أو المجتمعات، لذلك فقد أعلت من قيمة التدريب في مواجهة خطاب الكراهية، بأن تتولى المؤسسات تدريب أئمتها ووعاظها على القراءة السياقية والمقاصدية للنصوص الدينية، ومراجعة الأفكار والمضامين التي تُعيد إنتاج العدوات التاريخية والمذهبية، ورفض الفتاوى التي تجرؤ على التفكير أو نزع الإنسانية عن الآخر وشيطنته.
ولقد أولت شرعة القاهرة أهمية لحماية الهوية الوطنية والوقاية قبل العقاب، حيث أكدت أن المواجهة القانونية ليست كافية، لأن العقاب يلاحق الجريمة بعد وقوعها، بينما ما نسعى إليه هو التوعية والوقاية والتحصين، وذلك لن يتم إلا بمراجعة المناهج التعليمية، وترسيخ ثقافة التعايش والمواطنة والتفكير النقدي.
كما شددت الشرعة على نقطة مهمة وجوهرية تمس الاستقرار الإقليمي، برفضها التوظيف السياسي للدين والهوية، والتصدي لمحاولات النيل من الدولة الوطنية والمساس بالأمن القومي، وهي فحوى رسالة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا بقوله "حافظوا على بلدكم"، فالدولة الوطنية تحتاج إلى شراكة حقيقية في بناء الوطن.  
واختتمت شرعة القاهرة موادها بأن مواجهة الكراهية "لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تحريره من الخوف والعنف"، وأن حياتنا معًا تعني "شراكة كاملة في الوطن والحقوق والمسئولية والمستقبل". وهذه- في ظني- أصدق وأدق صياغة لما ينبغي أن يكون عليه الخطاب الديني؛ بألا يتنازل عن اختلافه، وألا يجعله سلاحًا. فالمعركة ضد الكراهية لا تُكسب بالصدام مع النصوص الدينية ولا بتسويتها بالتعددية، وإنما باسترداد الفتوى من الذين اختطفوها، وإعادتها إلى مقاصدها حول كرامة الإنسان والعدل والرحمة، والقاهرة التي صاغت هذه الشرعة أو صِيغت على أرضها مدعوة أيضًا لأن تُقدم التطبيق العملي لها.

تم نسخ الرابط