تحقيقان: شركة إسرائيلية استخدمت الإعلانات الرقمية للتجسس على المستخدمين
كشفت مجموعتان بحثيتان، الخميس، عن استخدام وكالة الإعلانات الرقمية الإسرائيلية «ديسكفر-تك» شبكة واسعة من الإعلانات الإلكترونية لتتبع مستخدمي الإنترنت واستهداف أشخاص بعينهم، في أنشطة شملت المساعدة على اختراق أجهزتهم وزرع برمجيات تجسس عليها.
وأفاد تقريران منفصلان، أصدرتهما مجموعة «سيتيزن لاب» الكندية المتخصصة في مراقبة الأمن السيبراني، وشركة «كونفيانت» الأمريكية لأمن الإعلانات، بأن خدمات «ديسكفر-تك» أتاحت لشركة «كانديرو» الإسرائيلية المطورة لبرامج التجسس، والمدرجة على القائمة السوداء للحكومة الأمريكية، إلى جانب شركات إسرائيلية أخرى تعمل في مجال المراقبة، الوصول إلى منصات إعلانية تديرها شركات من بينها «جوجل» و«كومكاست» و«ياندكس» الروسية.
وتسلط النتائج الضوء على المخاطر الأمنية المرتبطة بقطاع الإعلانات عبر الإنترنت، الذي طالما أثار مخاوف بشأن انتهاك الخصوصية، إذ يمكن أن يتحول إلى قناة لتنفيذ عمليات مراقبة وتجسس واسعة النطاق، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».
وقال وولفي كريستل، الباحث في «سيتيزن لاب»، لـ«رويترز»، إن «الطريقة التي تعمل بها الإعلانات عبر الإنترنت اليوم تمثل تهديداً أمنياً ممنهجاً»، مضيفاً أن هذا التهديد يشمل «الدول والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجميع على حد سواء».
شبكة إعلانية واسعة لتتبع المستخدمين
وبحسب «سيتيزن لاب»، وصلت إعلانات «ديسكفر-تك» إلى أكثر من 120 ألف موقع إلكتروني و75 ألف تطبيق عبر شراكات الشركة المختلفة، وكانت تروج في كثير من الأحيان لمنتجات استهلاكية عادية، مثل الهواتف وسماعات الأذن، بما لا يكشف بالضرورة عن طبيعتها أو الغرض من استخدامها.
وأوضح الباحثون أن مجرد زيارة المستخدمين مواقع إلكترونية أو استخدام تطبيقات تعرض إعلانات خبيثة كان يتيح للشركة تحديد هوياتهم وتعقب أنشطتهم، كما كانت تحاول أحياناً استخراج أرقام هواتف بعض مستخدمي الهواتف الذكية. ولم تكن عملية التجسس تتطلب من المستخدمين النقر على الإعلان، إذ كان تحميله على الموقع الإلكتروني كافياً لبدء النشاط.
وذكر التقريران أن بعض الإعلانات استُخدمت للمساعدة في زرع برمجيات تجسس طورتها شركة «كانديرو» على أجهزة المستخدمين. غير أن «كونفيانت» أوضحت أن الإعلانات التي ربطتها بالشركة المطورة لبرامج التجسس لم تمثل سوى جزء ضئيل من إجمالي إعلانات «ديسكفر-تك».
وقال جيروم دانجو، الشريك المؤسس لشركة «كونفيانت»، إن «ديسكفر-تك» كانت تبث ما لا يقل عن 10 ملايين إعلان يومياً حول العالم، مشيراً إلى أن ترتيبات تبادل البيانات المعروفة باسم «مطابقة ملفات تعريف الارتباط» أتاحت للشركة تتبع الأشخاص حتى خارج نطاق وصول إعلاناتها المباشرة.
وأضاف دانجو أنه «من المرجح للغاية أن يكون مئات الملايين من الأشخاص تأثروا بنشاط ديسكفر-تك»، في تقدير يعكس اتساع نطاق الشبكة الإعلانية التي تناولها التحقيقان.
إعلانات داخل شبكات حكومية ومؤسسات حساسة
وأدرجت وزارة التجارة الأمريكية شركة «كانديرو» على القائمة السوداء عام 2021، على خلفية اتهامات بتوفير برمجيات تجسس استُخدمت لاستهداف مسؤولين حكوميين وصحفيين ونشطاء وأكاديميين بصورة خبيثة.
وقال دانجو إن الإعلانات الخبيثة التابعة لـ«ديسكفر-تك» ظهرت ضمن مئات الشبكات التي تندرج في فئات حساسة، شملت وزارة الحرب الأمريكية «البنتاجون»، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمحكمة الجنائية الدولية.
وأضاف أن بعض المناطق، ولا سيما الأراضي الفلسطينية، شهدت انتشاراً كثيفاً لإعلانات الشركة الإسرائيلية، قائلاً: «إذا زرت أي موقع تقريباً في فلسطين، أي موقع، فستجد إعلاناً لديسكفر-تك. وهذا يمنحها رؤية شبه كاملة للأنشطة الرقمية لبلد بأكمله».
من جانبها، قالت «سيتيزن لاب» إنها رصدت أدلة مماثلة على ظهور الإعلانات الخبيثة أمام أشخاص يعملون في الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو» والمفوضية الأوروبية، فضلاً عن أفراد في أكثر من 12 حكومة أخرى.
وامتد ظهور الإعلانات إلى شبكات شركات مرتبطة بصناعة الرقائق الإلكترونية، من بينها «إنفيديا» و«سانديسك» و«برودكوم» و«مايكرون»، إلى جانب عدد من المؤسسات الإعلامية في المكسيك وإسرائيل وأوروبا، لم يكشف الباحثون عن هوياتها.
وإلى جانب تحديد شركة «كانديرو» وعدد من موردي تقنيات المراقبة الآخرين، قالت «سيتيزن لاب» إنها تمكنت من استخلاص بعض التفاصيل المتعلقة بالمواقع المحتملة لمستخدمي «ديسكفر-تك»، بعدما كشفت الشركة عن غير قصد سجلات التحقق الخاصة بها على الإنترنت.
وأظهرت تلك السجلات عمليات تسجيل دخول من عناوين بروتوكول الإنترنت «IP» في إسرائيل وأوروبا والمنطقة، ما أتاح للباحثين الحصول على مؤشرات بشأن المواقع المحتملة لبعض المستخدمين المرتبطين بأنشطة الشركة.
إجراءات من «غوغل» وشركات إعلانية أخرى
وفي أعقاب النتائج التي توصل إليها التحقيقان، استُبعدت «ديسكفر-تك» من أجزاء من سوق الإعلانات الإلكترونية.
وقالت «غوغل»، في بيان، إنها تعاونت مع التحقيق الذي أجرته «سيتيزن لاب» و«كونفيانت»، وإنها حظرت الشركة الإسرائيلية من منصاتها الإعلانية بسبب «انتهاكها سياساتنا بشكل ممنهج».
كما أفادت «آي.إيه.بي يوروب»، وهي الجمعية الأوروبية لمنظومة التسويق الرقمي والإعلانات، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، بتعليق «ديسكفر-تك» من قائمتها للموردين المعتمدين عالمياً الأسبوع الماضي، عقب تدقيق كشف عن انتهاكات للسياسات.
بدورها، قالت «كومكاست» إن شركة «بيزواكس»، التابعة لها والمتخصصة في تقنيات الإعلانات، أزالت «ديسكفر-تك» من منصتها «في أعقاب أنشطة حديثة».
وتأتي هذه الإجراءات في وقت يتزايد فيه الاهتمام بالمخاطر الأمنية للمراقبة القائمة على تقنيات الإعلانات، وسط مخاوف من إمكانية استخدام البيانات التي تجمعها هذه الصناعة في استهداف أفراد ومؤسسات حساسة، بما يتجاوز الأغراض التجارية المعتادة.
مخاوف أمريكية من استغلال بيانات المواقع الجغرافية
وفي وقت سابق من العام الجاري، قالت وزارة الحرب الأمريكية إنها تلقت تقارير تفيد بأن أفراداً من القوات الأمريكية المنتشرة في مناطق تشهد حروباً تعرضوا للاستهداف باستخدام بيانات المواقع الجغرافية التي جمعتها شركات تقنيات الإعلانات ووسطاء البيانات.
ومنذ ذلك الحين، اتخذت أفرع في الجيش الأمريكي خطوات لتعطيل خاصية تتبع الإعلانات على بعض الأجهزة، في إجراء يعكس المخاوف من إمكانية استغلال البيانات التجارية المتاحة لتحديد مواقع العسكريين وتعريض أمنهم للخطر.
وتشير نتائج التحقيقين بشأن «ديسكفر-تك» إلى أن البنية التحتية للإعلانات الرقمية، التي تعتمد على تبادل البيانات بين الشركات والمنصات للوصول إلى المستخدمين واستهدافهم، يمكن أن تُستغل أيضاً في أنشطة المراقبة والتجسس، بما يثير تساؤلات بشأن حماية بيانات المستخدمين وأمن المؤسسات الحكومية والعسكرية وغيرها من الجهات الحساسة.



