عاجل

لم أكن أتخيل يومًا أن يأتي السادس من أكتوبر، اليوم الذي ارتبط في وجداننا بالنصر والعزة والكرامة واسترداد الأرض، ليصبح بالنسبة لي أكثر الأيام اختلاطًا بالمشاعر، وأكثرها قسوة على قلبي. طوال سنوات عمري، كان لهذا اليوم مكانة خاصة في حياتي، لم يكن مجرد ذكرى وطنية نحتفل بها كل عام، ولم يكن بالنسبة لي مجرد انتصار عسكري أعاد لمصر أرضها وكرامتها، بل كان يومًا أرى فيه أبي من جديد، وأستعيد معه حكاياته وذكرياته، وأشعر بأنني أقترب أكثر من جزء عظيم من حياته، جزء عاشه بكل جوارحه، وشارك فيه بنفسه، حين كان واحدًا من أبطال حرب أكتوبر الذين حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الوطن. كان أبي، الله يرحمه، بطلًا من أبطال تلك الحرب، وكان السادس من أكتوبر من أسعد أيام حياته، يومًا لا يشبه أي يوم آخر، يومًا تعود فيه ذاكرته إلى لحظات العبور والنصر وتحرير سيناء، وإلى القصص والتفاصيل التي بقيت محفورة في وجدانه مهما مرت السنوات. كنت أرى فرحته بهذا اليوم، وأشعر أن انتصار أكتوبر لم يكن بالنسبة له مجرد حدث قرأ عنه الناس في الكتب أو شاهدوا صوره على الشاشات، وإنما كان جزءًا من عمره، وقطعة من روحه، وذكرى عاشها بكل ما فيها من خوف وأمل وتضحية وفخر.


ومع مرور السنوات، أصبح السادس من أكتوبر بالنسبة لي أكثر من مجرد ذكرى تخص أبي، فقد صار يومًا أحتفل فيه به، وأستحضر سيرته وبطولته، وأشعر بالفخر لأنني ابن رجل كان له شرف المشاركة في حرب أعادت لمصر أرضها وكرامتها. كنت أنتظر هذا اليوم كل عام، وأشعر أن الاحتفال به هو طريقتي في الاحتفاظ بأبي قريبًا مني، حتى بعد أن رحل عن دنيانا، وأنني حين أستعيد ذكرى انتصار أكتوبر، فإنني أستعيد معه ملامحه وكلماته وحكاياته، وأتذكر الرجل الذي كان يرى في هذا اليوم خلاصة سنوات من الصبر والتضحية، ودليلًا على أن الأوطان لا تسترد حقوقها إلا برجال يؤمنون بها ويضحون من أجلها. كان اليوم يحمل لي فرحة خاصة، فرحة لا يعرف معناها بالكامل إلا من ارتبطت ذكرى وطنية عظيمة في قلبه بإنسان عظيم في حياته. ولهذا لم يكن السادس من أكتوبر يمر عليّ مرور الأيام العادية، بل كان موعدًا سنويًا مع الذاكرة، ومع الفخر، ومع الحنين إلى أبي، الذي ترك لنا سيرة أعتز بها، وذكرى سأظل أحملها ما حييت. لم أكن أعرف وقتها أن هذا اليوم الذي احتفظت له بكل تلك المشاعر الجميلة، والذي كنت أستقبله بفرحة تشبه فرحة أبي، سيأتي يومًا ويضعني أمام وجع لم أكن أتخيل أن أعيشه، وأن الذكرى التي كانت تجمعني بأبي على أرض الفخر والاعتزاز ستصبح مرتبطة أيضًا بأكبر خسارة عرفها قلبي.


في السادس من أكتوبر عام 2026، تغير كل شيء. في هذا اليوم نفسه الذي كان أبي ينتظره كل عام باعتباره أسعد أيام حياته، رحلت أمي، أعظم وأغلى وأحن وأطيب إنسانة في الوجود بالنسبة لي. رحلت أمي في اليوم الذي ارتبط عندي بالنصر، وكأن الحياة قررت أن تضع في التاريخ نفسه فرحة العمر ووجع العمر، وأن تجعل من يوم واحد حكاية لا أستطيع أن أرويها من دون أن أشعر بالفخر والحزن معًا. لا أعرف كيف سأستقبل هذا اليوم في السنوات القادمة، ولا أعرف كيف سأتعامل مع السادس من أكتوبر حين يأتي مرة أخرى، وأنا الذي اعتدت أن أراه يومًا للنصر، وأستعيد فيه ذكرى أبي البطل، فإذا به يحمل الآن ذكرى رحيل أمي، ووجع اللحظة التي فقدت فيها الإنسانة التي كانت تمثل لي الدنيا بكل ما فيها. كيف يمكن للتاريخ نفسه أن يحمل كل هذا التناقض؟ كيف يمكن ليوم واحد أن يذكرني برجل عاش فرحة استرداد الأرض، وبأم كانت هي الأرض الآمنة التي نقف عليها، والبيت الذي نعود إليه مهما أخذتنا الحياة بعيدًا؟ أبي رحل، لكنه ترك لي ذكرى أفتخر بها، وأمي رحلت، لكنها أخذت معها جزءًا لا يمكن تعويضه من روحي. وبين الذكريين أقف اليوم عاجزًا عن تخيل شكل هذا اليوم في المستقبل، لا لأنني نسيت معنى النصر، ولا لأن فرحتي بوطن انتصر ستتغير، ولكن لأن قلبي الذي كان يجد في هذا التاريخ بابًا للفرح والحنين إلى أبي، أصبح يحمل عنده أيضًا بابًا مفتوحًا على فراق أمي.


أمي لم تكن بالنسبة لنا مجرد أم أدت واجبها تجاه أبنائها، ولم تكن مجرد إنسانة عاشت معنا سنوات من العمر ثم رحلت، بل كانت هي الحكاية كلها، والبداية التي انطلقنا منها، واليد التي امتدت إلينا في كل مراحل حياتنا. هي التي ربتنا وكبرتنا وعلمتنا، وهي التي سهرت على راحتنا، وخافت على مستقبلنا، وحاولت بكل ما تملك أن تجعل حياتنا أفضل، حتى لو كان ذلك على حساب راحتها وسعادتها. كانت تحمل همومنا قبل أن نتحدث عنها، وتشعر بما يؤلمنا حتى عندما نحاول إخفاءه، وتفرح لفرحتنا وكأنها فرحتها، وتتألم لألمنا وكأن الوجع أصابها هي. كل ما وصلنا إليه في حياتنا يحمل شيئًا من تعبها، وكل خطوة خطوناها إلى الأمام كان وراءها دعاء أم لم تتوقف عن الدعاء، وقلب لم يعرف يومًا كيف يتوقف عن الخوف على أبنائه. أحيانًا لا ندرك حجم ما قدمته لنا أمهاتنا إلا حين نكبر، وحين نبدأ في فهم تفاصيل الحياة، وحين نكتشف أن أشياء كثيرة كنا نظنها عادية كانت في حقيقتها تضحيات عظيمة، وأن أشياء كنا نراها حقًا مكتسبًا كانت في الحقيقة حبًا لا ينتظر مقابلًا. واليوم، بعد رحيل أمي، أفهم أكثر من أي وقت مضى أن الأم ليست شخصًا يمكن أن يحل محله شخص آخر، وليست مكانًا يمكن أن يملأه أحد، وأن غيابها ليس مجرد افتقاد لوجه نحبه أو صوت اعتدنا سماعه، وإنما هو غياب لجزء أساسي من حياتنا، وللإنسانة التي كانت تجمعنا، وتطمئن علينا، وتظل تنظر إلينا مهما كبرنا باعتبارنا أبناءها الذين تخشى عليهم من الدنيا.


ولولا أمي، بعد فضل الله سبحانه وتعالى، ما كنا نحن ما نحن عليه اليوم. لولا تعبها وصبرها وتربيتها وحرصها علينا، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولما أصبح لكل واحد منا طريقه وحياته وأحلامه. كانت أمي هي السند الذي لا يتحدث كثيرًا عن تضحياته، ولكنه يقدمها كل يوم، وهي الأمان الذي لا نعرف قيمته كاملة إلا حين نفقده، وهي البركة التي كانت موجودة في تفاصيل البيت، في تجمعنا حولها، وفي سؤالها عن أحوالنا، وفي حرصها على أن تظل علاقتنا ببعضنا قوية مهما انشغل كل واحد منا بمسؤولياته وحياته. الأم العظيمة لا تربي أبناءها فقط، بل تبني بينهم روابط تظل حية حتى بعد رحيلها، وتترك فيهم من القيم والمحبة ما يجعلهم يشعرون أن واجبهم تجاهها لا ينتهي عند وفاتها، وإنما يستمر في الدعاء لها، وفي الحفاظ على ما زرعته بداخلهم، وفي أن يظلوا سندًا لبعضهم كما كانت تتمنى لهم دائمًا. وحين أفكر في أمي، لا أتذكر فقط ما فعلته من أجلنا، بل أتذكر أيضًا كم كانت إنسانة طيبة، وكم كان قلبها واسعًا، وكم كانت تحب الخير للناس، وكم كانت تحرص على ألا تؤذي أحدًا أو تحمل في قلبها كراهية لإنسان. لقد كانت من هؤلاء الذين يتركون أثرًا طيبًا في كل مكان يذهبون إليه، ومن هؤلاء الذين لا يحتاجون إلى الحديث عن طيبتهم، لأن الناس تتحدث عنها من تلقاء نفسها. وربما يكون من أصعب ما يواجه الإنسان بعد رحيل أمه أن يكتشف، من خلال كلمات الناس عنها ودعواتهم لها، كم كانت محبوبة، وكم تركت في قلوب الآخرين من أثر جميل، وكم أن الخير الذي زرعته طوال حياتها أكبر من أن يحصره أهلها في ذكرياتهم وحدهم.


لم أرَ في حياتي إنسانة في طيبة أمي ولا في نقاء قلبها، ولم أكن أتخيل أن يأتي يوم أبحث فيه عن صوتها فلا أجده، أو أشتاق فيه إلى رؤيتها ولا أستطيع أن أذهب إليها، أو تمر بي لحظة أحتاج فيها إلى نصيحتها وحنانها فأدرك أنني لن أجدها بجانبي كما اعتدت طوال عمري. كانت أمي أعظم إنسانة في عيني، ليس لأنني ابنها فقط، ولكن لأنني عرفت عن قرب معنى أن يعطي الإنسان من قلبه بلا حساب، وأن يحب من حوله من دون انتظار مقابل، وأن يظل حريصًا على أبنائه حتى عندما يكبرون ويصبح لكل واحد منهم بيته ومسؤولياته وحياته الخاصة. وكلما تذكرت مواقفها، اكتشفت أن هناك تفاصيل كثيرة لم أكن أعرف قيمتها الحقيقية، وأن لحظات عادية عشناها معها أصبحت اليوم أغلى ما نملك، وأن البيت الذي كانت تملؤه بحضورها لن يعود كما كان مهما حاولنا أن نعتاد غيابها. الناس كانت تحب أمي، وكانت ترى فيها الإنسانة الطيبة التي تستحق كل خير، وهذا وحده عزاء كبير لنا، أن تترك أمي وراءها كل هذا الحب، وأن يظل اسمها حاضرًا في دعوات الناس وذكرياتهم الطيبة. لكن مهما قال الناس عنها من كلمات جميلة، ومهما دعوا لها بالرحمة والمغفرة، سيظل هناك مكان داخل كل واحد منا لا يعرفه إلا هو، مكان لا يستطيع أحد أن يملأه، لأنه المكان الذي كانت تحتله أمي بقلبها وحنانها ووجودها. رحمك الله يا أمي، فقد كنتِ لنا عمرًا كاملًا من الحب، وكنتِ نعمة لا ندرك عظمتها إلا ونحن نحاول أن نتعلم كيف نعيش من دونها.


والآن، كلما فكرت في السادس من أكتوبر القادم، أشعر أنني أمام سؤال لا أملك له إجابة. ماذا سأفعل حين يأتي السادس من أكتوبر عام 2027؟ هل سأستطيع أن أحتفل بذكرى النصر كما كنت أفعل دائمًا؟ هل سأستطيع أن أستعيد حكايات أبي وأبتسم بفخر وأنا أتذكر بطولته ومشاركته في الحرب، بينما تحمل ذاكرتي في الوقت نفسه اللحظة التي فقدت فيها أمي؟ كيف سأجمع بين فرحة الوطن بانتصاره، وفخري بأبي الذي كان واحدًا من أبطاله، وحزني على أمي التي رحلت في اليوم نفسه؟ لا أعرف إن كنت سأستطيع أن أكتب عن أكتوبر من دون أن تسبقني دموعي، أو أن أسمع حكايات النصر من دون أن أتذكر أن أمي غابت في التاريخ الذي كان يحمل لي أجمل ذكرياتي مع أبي. ربما لن يعود هذا اليوم كما كان أبدًا، وربما سيظل يحمل في قلبي فرحة ووجعًا لا ينفصل أحدهما عن الآخر، لكنني لا أريد أن تتحول ذكرى أمي إلى سبب لأن أنسى فرحة أبي، ولا أن يصبح حزني على أمي حاجزًا بيني وبين الفخر بوطننا وانتصار جيشنا. سأظل أفتخر بأبي، وسأظل أحتفظ بحكاياته وبطولته في قلبي، وسأظل أحتفل بنصر أكتوبر بما يستحقه من تقدير واعتزاز، لكنني سأدخل هذا اليوم كل عام وأنا أحمل دعاءً لأمي، وأتذكر أن التاريخ الذي شهد فرحة أبي بانتصار الوطن شهد أيضًا رحيل الإنسانة التي منحتني معنى البيت والعائلة والأمان. لعل الأيام تعلمنا كيف نتعايش مع الفقد، لكنها لا تعلمنا أبدًا كيف نتوقف عن الاشتياق، ولعل السنوات تمر، لكن هناك تواريخ تظل ثابتة في القلب، لا تتغير مع مرور الزمن، لأنها ارتبطت بأشخاص لن يتكرروا في حياتنا مرة أخرى.


رحم الله أبي، عبدالهادي عبدالحميد عبدالمنعم شحتو بطل حرب أكتوبر، الذي علمني بحياته أن للوطن رجالًا يستحقون الفخر والوفاء، ورحم الله أمي، شريفة محمد المرسي أعظم وأغلى وأحن وأطيب إنسانة في الوجود، التي علمتني بحياتها أن الأسرة لا تقوم إلا بالحب والتضحية والصبر، وأن الأم قد تمنح أبناءها من عمرها ما لا يستطيعون رد جزء منه مهما فعلوا. أبي ترك لي ذكرى نصر أعتز بها، وأمي تركت لي حبًا لا ينتهي، وبينهما سأظل أحمل السادس من أكتوبر في قلبي بكل ما فيه من معانٍ لا يعرفها سواي. سيظل يومًا عظيمًا في تاريخ مصر، وسيظل يومًا أفخر فيه بأبي وبكل أبطالنا الذين ضحوا من أجل الوطن، لكنه سيظل أيضًا اليوم الذي رحلت فيه أمي، اليوم الذي انكسر فيه شيء بداخلي لن يعود كما كان، واليوم الذي سأظل أفتقدها فيه كل عام، مهما مر الزمن ومهما تغيرت تفاصيل الحياة. اللهم ارحم أبي وأمي رحمة واسعة، واغفر لهما، وأنر قبريهما، واجعل ما قدماه من خير وتضحيات في ميزان حسناتهما، واجمعني بهما في الفردوس الأعلى من الجنة، حيث لا فراق ولا وجع ولا دموع.

اللهم كما كانا سببًا في وجودي في هذه الدنيا، اجعلهما من أهل النعيم في الآخرة، واجعل ذكراهما الطيبة نورًا يرافقني ما حييت. السادس من أكتوبر سيظل يوم نصر أبي، لكنه منذ عام 2026 أصبح أيضًا يوم رحيل أمي.. يومًا سأرفع فيه رأسي فخرًا بوطن انتصر، وسأخفض رأسي دعاءً لأم لن يغيب حبها عن قلبي أبدًا.

تم نسخ الرابط