عاجل

د. أسامة الأزهري يفند الركيزة العقدية لجماعات الغلو: تأويل مغلوط لآية واحدة كفَّر الأمة وأعاد بعث الخوارج

أسامة الأزهري
أسامة الأزهري

في المقال الثامن ضمن سلسلة "الحق المبين"، فند الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، الركيزة العقدية الأساسية التي اعتمدت عليها تنظيمات الجماعات الإرهابية والغلو، كاشفاً عن حالة الجهل المنهجي التي تتسم بها تلك المجموعات عبر اقتطاع النص القرآني من سياقه، والخلط بين معصية الجوارح وجحود القلوب.

وأوضح وزير الأوقاف الشروط العلمية والأخلاقية الواجب توافرها فيمن يتصدى لبيان شريعة الله، معرجاً على أهمية الاتصاف بالعلم، والورع، وحسن الخلق، والنأي عن نزعات الاستعلاء والتسلط على الخلق.

جدير بالذكر أن المقال تم ترجمته وإتاحته باللغة الإنجليزية عبر منصات إعلامية دولية، ويمكن الاطلاع عليه باللغتين العربية والإنجليزية من خلال الروابط المرفقة في التعليقات.

المقال

أشرنا في المقالات السابقة إلى أن تيارات التطرف نصبت نفسها حكمًا على الناس وأخطأت في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفهمت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده»، وقد أوضح الإمام الغزالي في «الإحياء» أنه لا بد لمن يتصدى لبيان أحكام الشريعة وتعريف الخطأ من الصواب من ثلاث صفات: العلم، والورع، وحسن الخلق، فالعلم حتى لا يُنكر أمرًا مختلفًا فيه بين الفقهاء والعلماء؛ إذ لا إنكار في المختلف فيه، والورع حتى لا يتحول بيان أحكام الشريعة إلى تسلط على الناس، وحسن الخلق حتى يكون الحديث عن تعليم، وعن بيان، وعن تسوية نفس سوية، وعن بيان للحكم بما يدعو الإنسان يحبه، لا عن كِبر وتسلط وعدوان على الإنسان.

وتيارت التطرف إنما بنت فكرة التكفير كلها حول آية واحدة: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ التي وردت في أكثر من موضع، بداية من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ثم بعدها: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ثم بعدها: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، والذي نود توضيحه أن هناك فرقًا بين اعتقاد القلب أحقية الأحكام الإلهية، وبين العمل والتنفيذ، وهو الفقه والسلوك، والعمل بالحلال والحرام، واجتناب المكروه، والتقرب بالمندوب والمستحب، فإن قصّر الإنسان في التطبيق لضعف نفس أو شبهة فهو حاكم بما أنزل الله لاعتقاده أن هذا الحكم حق، لكنه مقصّر في التنفيذ، وهذا الفهم المستقر عند علماء الأمة، الذي يترك مجالًا للعاصي والمذنب والمقصر، تجاهلته تيارات التطرف، وصارت تصف كل تقصير في تطبيق الأحكام الفقهية بأنه حكم بغير بما أنزل الله، فيكفِّرون مرة أخرى بالذنب، وهي أكبر صفة للخوارج الأوائل الذين كانوا يكفرون بالذنب أيام الصحابة.

وهؤلاء المتطرفون لا يكتفون بتكفير المسلم لارتكابه ذنبًا من الذنوب، بل إنهم يكفرون منظومات التشريع والمحاكم؛ وفقا لكلام سيد قطب شديد الصراحة والوضوح في هذا؛ لأنها في وجهة نظره تستبدل الأحكام الإلهية، ليس أنها لا تطبق الآيات الكريمة التي تتعلق بالحدود والزواجر والعقوبات الشرعية في الواقع؛ نظرًا لعدم توفر شروطها، كما علق سيدنا عمر بن الخطاب في عام الرمادة العقوبات المتعلقة بالسرقة لاختلال الشرط الذي تثبت به.

وهذه الآيات التي يستدل بها المتطرفون بيَّن ابن عباس وعكرمة وأئمة التفسير من المتقدمين أن الله أنزلها خطابا لأهل الكتاب من قبلنا، ولذلك كان عبد الله بن عمر يصف الخوارج بأنهم ينطلقون إلى آيات نزلت في المؤمنين يحملونها على الكافرين وآيات نزلت في الكافرين فيحملونها على المؤمنين الخوارج من الزمان الأول.

ونعرض لقول الإمام فخر الدين الرازي، في تفسيره حيث يقول: «ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في إقدامهم على تحريف حكم اللَّه تعالى في حد الزاني المحصن، يعني أنهم لما أنكروا حكم اللَّه المنصوص عليه في التوراة وقالوا: إنه غير واجب، فهم كافرون على الإطلاق، لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن.

المسألة الثانية: قالت الخوارج: كل من عصى اللَّه فهو كافر. وقال جمهور الأئمة: ليس الأمر كذلك، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل اللَّه فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل اللَّه، فوجب أن يكون كافرًا، وذكر المتكلمون والمفسرون أجوبة عن هذه الشبهة ... قال عكرمة : قوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم اللَّه وأقر بلسانه كونه حكم اللَّه، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل اللَّه تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح».

ونقل الرازي نقل عن ابن عطية الأندلسي في تفسيره الجليل الموسوم (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) قوله: واختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله، قالت جماعة: المراد اليهود في الكافرين والظالمين والفاسقين، وروي هذا الحديث.

وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله، ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم من الإيمان، يعني معصية من المعاصي.

ويقول ابن عطية أيضًا: الجهة الأخرى أن لفظ هذه الآية ليس بلفظ عموم بل لفظ مشترك يقع كثيرًا للخصوص، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾، ثم يقول: وليس حكام المؤمنين إذا حكموا بغير الحق في أمر بكثرة بوجه.

وهذا هو فهم المفسرين بدءًا من الصحابة مرورًا بأجيال علماء الأمة وانتهاءً بالشيخ الشعراوي، كما ذكرنا ما شرحنا، ويقول حجة الإسلام الغزالي: قلنا: المراد به من لم يحكم بما أنزل الله مكذبًا به وجاحدًا له، ونحن لم نقف عند كلام الرازي فقط، ولا كلام ابن عطية في المحرر، ولا كلام الغزالي فقط، فأساس الجدول هو مقارنة بين فهم سيد قطب للآية الكريمة في مقابل جماهير علماء الأمة من جيل الصحابة مرورًا بأئمة العلم انتهاءً بالإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي، وسيد قطب في مقابل هؤلاء منفرد بالفهم الذي يرى فيه تكفير البرلمانات وتكفير القوانين والتشريعات، وإطلاق التكفير على كل من على وجه الأرض، ويرى أن كل من ارتكب ذنبًا من الذنوب وقصّر في أحد الأحكام الشرعية كَفَر.

تم نسخ الرابط