عاجل

لا شئ أحب لمن شارك في الحرب من الحديث عن الحرب، وعن ذكريات الحرب، ومجريات الحرب، والحرب هنا بأل التعريف لا يُراد بها إلا حرب أكتوبر 1973م.

"أنا حاربت أدان في الثغرة".
هكذا يخبرني عمي الحاج عبد المجيد ثابت هريدي كل سنة باستمرار عن ذكرياته أثناء حرب رمضان المحفورة في ذهنه كأنها وقعت يوم الخميس الماضي، وليست تلك الحرب التي مر عليها اثنان وخمسون عاما، يحفظ عمي الرجل السبعيني أسماء قادة الفرق والألوية والكتائب كأنهم جيرانه اليوم، وأسماء زملائه الشهداء والأحياء، ويتحدث عن مجريات الحرب حتى مفاوضات فض الاشتباك الأول كأنها قصة رومانسية آسرة.

يقول عمّي التحقت بالخدمة العسكرية في 5 يونيو سنة 1968 أي بعد مرور سنة بالتمام على الهزيمة، وانضممت إلى سلاح المدرعات وشاء الحق سبحانه أن أشارك في واحدة من أعنف معارك الحرب في يوم 18 أكتوبر، وهي معركة الدفرسوار أو للدقة قل: في واحدة من معارك متعددة قامت أثناء ثغرة الدفرسوار والتي استمرت من بعد السادس عشر من أكتوبر وحتى وقف إطلاق النار قبيل نهاية أكتوبر.

كان عمي جنديا في اللواء 23 مدرع، وكان هذا اللواء تابعا للفرقة الثالثة مشاة ميكانيكي التي كانت الاحتياطي الاستراتيجي للقيادة العامة، حيث لم يشترك هذا اللواء في الحرب من بدايتها، لكن وجهت إليه الأوامر للتحرك إلى منطقة الدفرسوار يوم 17 أكتوبر لتصفية الثغرة، وكان قائد اللواء العقيد حسن عبد الحميد -كما يخبرني عمي رجلا مهيبًا مخيفا-، لكن كان الجنود يحبونه بشدة لشدة شجاعته وتحريضه لهم على القتال، وشدة حزنه على عدم مشاركته في الحرب من أول يوم.

قاتل اللواء 23 مدرع ببسالة في معركة غير متكافئة بسبب نقص عمليات الاستطلاع، حيث كانت تظن القيادة العامة أن الذي عبر مجموعة دبابات قليلة ولم تكن تدري أن الجنرال إبراهام أدان قد عبر بفرقة كاملة تتكون من لواءين مدرعين، عقب عبور فرقة شارون، بالإضافة إلى أن هذه المعركة لم تبدأ بتمهيد نيراني من الطيران المصري بسبب الضباب، فدُمّرت أغلب دبابات اللواء 23 مدرع، وقطعت ذراع قائد اللواء العقيد حسن عبد الحميد نتيجة إصابتها بشظية، ولكنه ألْحق بمدرعات العدو خسائر كبيرة حتى إن اللواء عبد المنعم خليل قائد الجيش الثاني كتب في تقريره للقيادة في مركز 10 إن اللواء المدرع 23 قد قاتل بشجاعة ودَمّر عددا كبيرا من دبابات العدو، وذكر في نهاية التقرير أن اللواء لم يتبقَّ منه بعد المعركة إلا 8 دبابات، قرر أن يُلحقها بقوات الشهيد أحمد عبود الزمر قائد الفرقة 23 مشاة ميكانيكي، والذي استشهد في اليوم التالي لهذه المعركة.

يخبرني عمي أن الذي تبقى من اللواء 3 دبابات فقط لا ثمانية، اختاره القدر ليكون واحدا ممن كانوا على متن هذه الدبابات الثلاثة، ثم أعيد توزيع ما تبقى من اللواء على قوات أخرى حتى نهاية الحرب. 

في أول أكتوبر هذا العام أرسل لي عمي الحاج عبد المجيد هذه الصورة التي أظنها تنشر لأول مرة على شبكة الإنترنت، وهي لمجموعة من سلاح المدرعات الجيش المصري يوم 25 ديسمبر 1973 بعد استيلائهم على دبابة سنتوريون إسرائيلية (إنجليزية الصنع) أثناء بعض الاشتباكات التي كانت تحدث بعد وقف إطلاق النار في شهر ديسمبر نتيجة لتداخل القوات المتحاربة، ويظهر عمي أعلى الصورة مع مجموعة من رفاق القتال بزهو شديد، وسعادة من أخذ بجزء من ثأر زملائهم في معركة الثامن عشر من أكتوبر.

في ذكرى حرب أكتوبر 1973، تقبل الله جميع شهداء مصر في جميع حروبها ضد إسرائيل، وبارك فيمن عاش منهم إلى اليوم ورزقهم أجر المرابطة والشهادة، وأبقى حرب أكتوبر إرث الدولة المصرية لنا وللأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط