عاجل

قد يستغرق بناء سمعة إنسان سنوات طويلة، وقد يحتاج الإنسان إلى عمر كامل حتى يصنع لنفسه مكانة محترمة بين الناس .. ثم تأتي جملة واحدة لا تستغرق في نطقها ثواني فتعبث بكل ذلك البناء دون مجرد لينة أو دليل فعل هذا يرضي الله ورسوله؟!
قد تكون الشائعة رسالةً قصيرة على الهاتف، أو تعليقًا عابرًا، أو معلومة يقول صاحبها: «أنا سمعت كده» أو خبر يحاول أحدهم أن يزيف حقيقته فيقول لك «ماتصدقش»!! .. ثم تنتقل هذه الاشاعة وهذا التزييف من شخص إلى آخر حتى تصبح في نظر الناس حقيقة لا تحتاج إلى دليل.!
المشكلة هنا عزيزي القارئ أن الكلمة إذا خرجت من الفم أو نُشرت عبر الهاتف لا يستطيع صاحبها أن يعرف أين وصلت ولا كم قلبا أفسدت، ولا كم علاقةٍ هدمت ولا كم إنسانًا ظلمت ولا كم بيتا هدمت .. حتي يكون هدفها الأول هدم وطن بأكمله .. وأنّي لها هذا بحول الله ورعايته.
لذلك لم يتعامل الإسلام مع الكلام على أنه أمر بسيط، بل جعل الكلمة مسؤولية وأمانة، وربط النجاة من كثير من الآثام بقدرة الإنسان على أن يمسك لسانه ويتثبت مما يسمع أو يري.
هذا ما جعل نشر الشائعة من أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم وخاصة تلك التي تتعلق بحياة الناس وأوطانهم.
وقد قدم لنا القرآن الكريم نموذجًا خالدًا في التعامل مع الشائعات من خلال حادثة الإفك، حين أُطلقت شائعة تمس أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها فانتشرت بين الناس بسبب ان احدهم وهو عبد الله بن أبي بن سلول سيد المنافقين في المدينة نشر اشاعة ليس لها اساس من الصحة فانتشرت بين الناس دون ان يتأكد احدهم من صحتها ولو بدليل واحد فما ماكان ..حتي  أنزل الله تعالى قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، يبرئها ويحذر الأمة ويحذر من ساعد على نشر الشائعة دون تثبت من كارثة نشرها  فقال تعالى:
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾.
وهنا يعلمنا القرآن أول خطوة في مقاومة الشائعة: لا تستقبل الخبر بسوء الظن، ولا تجعل التهمة هي الأصل.!
ثم قال سبحانه:
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
ثم وصف الله تعالى طريقة تداول الشائعة وصفًا بالغ الدقة فقال تعالي:
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
تأمل أخي القارئ قوله تعالي: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ فقد يظن الإنسان أن إعادة إرسال خبر لا تعنيه أو نقل كلام سمعه من غيره هو مجرد أمر بسيط .. بينما يكون عند الله عظيمًا وقد يؤدي الى مهلكته في الدنيا والاخرة.
ولهذا قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع».
ولم يكتفِ الإسلام كما يتوهم بعض مروجي الشائعات بمجرد النهي عن اختلاق الأخبار .. بل حذر كذلك من نقلها دون تثبت. فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
وهاهو القرآن الكريم يحذر من مجرد المساهمة في نشر الفاحشة بين التاس فقال حل شأنه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
وهنا أخي القارئ الكريم أقول ختاما .. إن مقاومة الشائعات تبدأ من كل واحد منا فلا تنشر ما لم تتأكد منه أبدا.!! ولا تنقل ما يسيء إلى وطنك أبدا .. ولا ما يسئ إلي شخص بلا بينة .. ولا تجعل عبارة «أنا سمعت» أو «بيقولك» مبررًا للظلم .. ولا تنساق خلف إثبات أو نفي لخبر خلف مجرد كلمة «ماتصدقش» .. وقبل أن تضغط زر «إرسال» أو «مشاركة»، اسأل نفسك: هل هذا الخبر صحيح؟ هل أملك دليلًا عليه؟ وهل يرضى الله أن أكون سببًا في وصوله إلى الآخرين؟!
فقد تكون الرسالة التي ترسلها في ثوانٍ، سببًا في حزن إنسان أيامًا، أو ظلم إنسان سنوات، أو فتنةٍ لا تعرف أنت كيف تنتهي.
إن الكلمة أمانة، ومن لم يملك دليلًا فليملك الصمت .. فالصمت عند غياب الحقيقة ليس ضعفًا، وإنما قد يكون عبادةً ونجاة يوم لا ينفع ماله ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.

تم نسخ الرابط