البيانات هي البترول الحديث ووقود الذكاء الاصطناعي، ومن يملك البيانات ويقوم بتجميعها وتصنيفها وتحليلها يملك اتخاذ القرار الصحيح ويملك العالم كاملًا.
بهذه العبارة استهل الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية، محاضرته لنا ضمن البرنامج التدريبي لقيادات المؤسسات الحكومية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، الذي أشارك فيه حاليًا وتنظمه الأكاديمية الوطنية للتدريب بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
استوقفتني العبارة طويلًا. فخلال سنوات عملي في الإعلام والاتصال المؤسسي كثيرًا ما بدا لي أن الخبرة والتجربة هما العنصر الحاسم في صناعة القرار. غير أن الخبرة نفسها قد تصبح محدودة إذا لم تستند إلى معلومات دقيقة ومحدثة. عندها أدركت أن الحديث عن البيانات ليس شأنًا تقنيًا يخص المتخصصين وحدهم، بل قضية تتعلق بطريقة فهمنا للواقع وإدارة مؤسساتنا وتحديد أولوياتنا.
فكم من مؤسسة تمتلك آلاف الملفات والسجلات، وتسجل يوميًا أعدادًا هائلة من المعاملات، ثم تنتهي إلى قرارات تُبنى على انطباعات شخصية أو تصورات غير مكتملة. في هذه الحالة تكون البيانات موجودة بالفعل، لكن قيمتها الحقيقية لم تُستثمر بعد. فالمعلومة لا تتحول تلقائيًا إلى معرفة، والمعرفة لا تتحول تلقائيًا إلى قرار رشيد، بل تمر بمراحل من التنظيم والتدقيق والتحليل والفهم.
من هنا تبدو وجاهة تشبيه البيانات بالبترول. فالبترول يحتاج إلى استخراج وتكرير حتى تتسع استخداماته وتتعاظم قيمته، والبيانات أيضًا تحتاج إلى معالجة تجعلها قابلة للفهم والاستخدام. غير أن للبيانات ميزة إضافية، فهي مورد يتجدد باستمرار، ويمكن إعادة قراءته وتحليله مرات عديدة للإجابة عن أسئلة مختلفة، واكتشاف علاقات لم تكن ظاهرة من قبل.
وتزداد أهمية ذلك في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تعتمد النماذج الحديثة على البيانات في التعلم واستخراج الأنماط والتنبؤ بالاتجاهات. لكن كثرة البيانات وحدها لا تكفي.
فجودة البيانات عامل أساسي في جودة النتائج، إلى جانب طريقة بناء النماذج واختبارها واستخدامها. وقد تؤدي البيانات غير الدقيقة أو غير الممثلة للواقع إلى استنتاجات مضللة وقرارات غير عادلة. ولهذا تؤكد المؤسسات الدولية المعنية، ومنها المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا، أهمية إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي وضمان موثوقية النظم المستخدمة ومتابعتها بصورة مستمرة.
ولعل الأهم من امتلاك البيانات هو القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة عليها. فكم مرة نتصور أن مشكلة معينة هي الأكثر إلحاحًا لأن أصوات المتضررين منها أعلى، ثم تكشف الأرقام أن المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر؟ وكم مرة يُبنى تصور كامل على حالات فردية بينما تُظهر البيانات صورة مختلفة وأكثر اتساعًا؟ هنا تتجلى قيمة التحليل في تصحيح الانطباعات وتوجيه الموارد إلى حيث تكون الحاجة الفعلية.
وفي العمل الحكومي تظهر أهمية ذلك بصورة مباشرة في حياة المواطنين. فإذا قامت جهة خدمية بتحليل أوقات انتظار المراجعين وأسباب تأخر معاملاتهم، أمكنها تحديد مواضع التعطل ومعالجتها بدل الاكتفاء بوصف الإجراءات بأنها بطيئة. وإذا استند التخطيط لخدمة جديدة إلى بيانات سكانية وجغرافية محدثة، أصبحت قرارات التوسع وتوزيع الموارد أكثر دقة وشفافية، وصارت أسباب الاختيار مفهومة وقابلة للتقييم.
وقد أدركت الدولة المصرية أهمية بناء البنية التحتية اللازمة لهذا التحول. ففي 28 أبريل 2024 افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية "P1" بطريق العين السخنة، في خطوة تعكس اهتمامًا متزايدًا ببناء قدرات وطنية لاستضافة البيانات ومعالجتها والاستفادة منها.
وبحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، يعد المركز أول منشأة في مصر وشمال أفريقيا تقدم خدمات تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. ويضم 1400 خادم، إلى جانب مناطق مخصصة للبيانات الخاصة وتبادل البيانات الحكومية والبيانات العامة المستخدمة في تقديم الخدمات الرقمية للمواطنين. كما يهدف إلى دعم استخدام الحوسبة السحابية في تحليل البيانات الحكومية وتوفير مركز وطني موحد للتعافي من الكوارث واستمرارية الخدمات.
وتكشف هذه الأدوار عن حقيقة مهمة، وهي أن قيمة البنية التكنولوجية لا تقاس بحجم الأجهزة أو عدد الخوادم فحسب، بل بما تتيحه من قدرة على تبادل المعرفة والتنسيق بين المؤسسات وتحويل المعلومات إلى قرارات وسياسات أكثر كفاءة.
وفي السياق نفسه، تؤكد وثيقة "سياسة الحوسبة السحابية أولًا - مصر 2024"، المنشورة على موقع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن التحول الرقمي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يحتاج كذلك إلى سياسات واضحة لتصنيف البيانات وتأمينها، وإلى كوادر بشرية تمتلك القدرة على إدارتها والاستفادة منها.
ولهذا تكتسب برامج تدريب القيادات الحكومية أهمية خاصة. فالمؤسسة الحديثة تحتاج إلى مسؤول يسأل عن مصدر البيانات قبل الاعتماد عليها، ويتحقق من تاريخ تحديثها، ويدرك حدود ما يمكن أن تقوله الأرقام وما لا يمكن أن تقوله. كما تحتاج إلى موظف يعرف أن خطأ صغيرًا في تسجيل معلومة قد يمتد أثره لاحقًا إلى خدمة أو خطة أو قرار.
ومهما تطورت التقنيات، يبقى الإنسان حاضرًا في قلب هذه المعادلة. فنحن لا نتعامل مع أرقام مجردة، بل مع بيانات ترتبط بحياة الناس واحتياجاتهم وحقوقهم. وخلف كل رقم مواطن ينتظر خدمة أفضل، أو مريض يأمل رعاية أسرع، أو طالب يبحث عن فرصة تعليم أكثر جودة. ولهذا تصبح حماية البيانات واحترام الخصوصية وبناء الثقة العامة جزءًا أساسيًا من أي مشروع للتحول الرقمي.
وعندما أعود إلى العبارة التي افتتح بها الدكتور محمد محسن رمضان محاضرته، أجد أن أكثر ما يستحق التأمل فيها ليس الحديث عن امتلاك البيانات فحسب، بل الأفعال الثلاثة التي وردت فيها، جمعها، وتصنيفها، وتحليلها. ففي هذه المراحل يتحدد الفارق بين مؤسسات تكتفي بتخزين المعلومات، وأخرى تحولها إلى معرفة نافعة.
وربما لم تعد ثروة الدول في هذا العصر تقاس بما تختزنه الأرض من موارد وحدها، بل أيضًا بما تمتلكه مؤسساتها من قدرة على تحويل المعلومات إلى معرفة نافعة، فالبيانات أصبحت متاحة بكميات غير مسبوقة، لكن الفارق الحقيقي يبقى فيمن يعرف كيف يقرأها، وكيف يحولها إلى قرار رشيد، ثم إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.