إن قوة الأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد فحسب، ولا بما تحوزه من أدوات الدفاع وحدها، وإنما تُقاس بما تبنيه في الإنسان من علم ووعي وخلق وعزيمة، وبما تُحسن إدارته من ثروات وإمكانات، وبما تهيئه من أسباب تحمي أمنها، وتصون مقدراتها، وتدفع بها إلى البناء والعمران.
ومن هنا يأتي التوجيه القرآني في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، توجيهًا يفتح أمام الأمة آفاقًا واسعة للإعداد، ويحثها على الأخذ بأسباب المنعة والتقدم، وإعمال العقل، وتنمية العلم، واستثمار الطاقات، وترسيخ القيم، وإعداد كل ما يحفظ للوطن أمنه واستقراره.
فالأمم التي تريد أن تصنع مستقبلها لا تنتظر وقوع الأزمات حتى تواجهها، بل تستشرفها، وتستعد لها، وتبني من العلم والعمل والأخلاق والوعي سياجًا يحمي حاضرها ويمهد لمستقبلها.
مفهوم القوة في القرآن الكريم
جاء قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ في سياق يؤسس لمبدأ الإعداد والاستعداد. وقد جاء لفظ «قوة» نكرة في سياق الأمر، بما يدل على سعة مدلولها وتنوع صورها بحسب ما تحتاج إليه الأمة.
كما أن قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُم﴾ يربط الإعداد بالقدرة والإمكان، ويجعله متجددًا بتجدد الأحوال والوسائل.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم إحدى أبرز صور القوة، فقال: «ألا إن القوة الرمي»، في دلالة على أهمية إتقان وسائل الدفاع في كل عصر، دون أن ينحصر مفهوم القوة في هذه الصورة وحدها.
ويؤكد سعة هذا المفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». وقد حمل العلماء القوة في هذا الحديث على معانٍ متعددة، منها قوة العزيمة والهمة، والقدرة على العمل، والقوة البدنية، وسائر القدرات التي تعين الإنسان على أداء واجباته وتحمل مسؤولياته.
ويؤيد ذلك قوله تعالى في وصف من تتوافر فيه مقومات الكفاءة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، فجمع بين القوة والكفاءة من جهة، والأمانة والقيم الأخلاقية من جهة أخرى، لتكتمل صلاحية الإنسان لتحمل المسؤولية.
ومن هنا قرر عدد من العلماء أن صور القوة تتنوع بتنوع الأزمنة، فتدخل فيها وسائل الدفاع، والعلم، والصناعة، والاقتصاد، وسائر أسباب المنعة. وهو ما ينسجم مع التجربة الحضارية الإسلامية التي قامت على تكامل العناصر المتعددة، لا على الاعتماد على سبب واحد.
فالقوة منظومة متكاملة تتساند فيها القدرة والمعرفة والأخلاق وحسن التدبير، ويكون معيارها الأهم قدرتها على حفظ المصالح، وصيانة المجتمع، وتحقيق العمران.
وفي عصرنا الحاضر، يدخل في مفهوم القوة ما أوجده العلم من وسائل الدفاع الحديثة، كالطائرات الحربية والقاذفات، والدبابات والمدافع والرشاشات والبنادق، والأساطيل البحرية، والطائرات المسيّرة والصواريخ، وغيرها من أدوات الحروب الحديثة. وقد أصبحت هذه الوسائل من متطلبات الدفاع عن الأوطان، حتى إن من يفتقدها قد يجد نفسه عاجزًا عن مواجهة من يمتلكها، مهما كانت لديه من أسباب القوة الأخرى.
ويستلزم ذلك أن يكون المسلمون على علم بفنون الحرب والخطط العسكرية، وأن يتقنوا العلوم الطبيعية والرياضية التي تقوم عليها التقنيات الحديثة؛ لأن الاستعداد لا يكتمل إلا بتوفير المعرفة والخبرة والوسائل اللازمة له.
والقوة هي كمال صلاحية الأعضاء لأداء وظائفها، كما تُطلق مجازًا على شدة تأثير شيء ذي أثر، وعلى السبب الذي يحقق هذا التأثير. فقوة الجيش تظهر في قدرته على مواجهة العدو وردعه، كما تظهر في سلاحه وعتاده وكفاءته في استخدامهما.
وعلى هذا، فإن اتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال كان من صور القوة في جيوش العصور الماضية، بينما أصبحت الدبابات والمدافع والطائرات المسيّرة والطائرات الحربية والصواريخ من صور القوة في جيوش عصرنا الحاضر.
ويترتب على ذلك وجوب السعي إلى إعداد القوة المستطاعة، وهو ما قرره عدد من العلماء في إطار فرض الكفاية؛ إذ تتعاون الأمة في توفير أسباب الدفاع، والتدريب، وإعداد الأفراد، وتنمية الخبرات، وتطوير الوسائل التي تحقق المنعة وتحمي المجتمع.
ولا يقتصر الإعداد على امتلاك أدوات القتال، بل يشمل التدريب المستمر، والتربية على الانضباط والمسؤولية، وإعداد الأفراد إعدادًا بدنيًا وعلميًا وأخلاقيًا، وبذل أقصى ما تسمح به الإمكانات من أجل تحقيق الاستعداد المطلوب.
وتدخل في ذلك كل الوسائل التي يمكن أن تحقق القوة والمنعة؛ فمنها التدريب على الرمي بالسهام في العصور الماضية، ومنها الحصون والمنجنيق، ومنها في العصر الحديث وسائل الدفاع المتقدمة، والتقنيات العسكرية، والعلوم والصناعات التي تقوم عليها.
فكل قوة مستطاعة يجب على الأمة أن تسعى إلى إعدادها، كلٌّ بحسب قدرته واستطاعته؛ فالقادر يسهم بقدرته وماله وعلمه وعمله، وغيره يسهم بما يستطيع من دعم ومشاركة. والمقصود أن تتحمل الأمة مسؤولية الإعداد، وألا تفرط في الأسباب التي تحفظ أمنها وتصون مقدراتها.
بناء الإنسان أساس القوة
إذا كانت القوة، بمفهومها الواسع، لا تقوم إلا بمن يحملها ويوجهها، فإن الإنسان هو أصل كل قوة وميدانها الأول. ولذلك لم يكن بناء الإنسان في المنهج الإسلامي أمرًا هامشيًا، بل ارتبط برسالته في الأرض واستخلافه فيها.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، أي طلب منكم عمارتها وإصلاحها.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، فصلاح الإنسان لتحمل المسؤولية يقوم على الكفاءة والأمانة، ولا تكتمل إحداهما دون الأخرى.
ولذلك قال يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، فجمع بين القدرة على أداء العمل، والعلم الذي يعينه على إتقانه، والأمانة في تحمل المسؤولية.
وقد نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس باعتبار ما يملكونه من طاقات ومواهب قابلة للنماء، فقال: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».
وكان صلى الله عليه وسلم يكتشف مواهب أصحابه، ويضع كلًّا منهم في الموضع الذي يُحسن القيام به؛ ومن ذلك استفادته من زيد بن ثابت رضي الله عنه في تعلم اللغات التي يحتاج إليها المسلمون في شؤونهم ومكاتباتهم.
وهذا يدل على أهمية اكتشاف المواهب، وحسن توظيف القدرات، وإسناد المسؤوليات إلى من يمتلكون الكفاءة اللازمة لها؛ فبناء الإنسان لا يتحقق بمجرد التعليم، وإنما يحتاج كذلك إلى التدريب، والخبرة، والعمل، وإتاحة الفرصة لكل فرد كي يسهم بما يمتلكه من قدرات.
ولم يكن بناء الإنسان في الحضارة الإسلامية مقتصرًا على العلم والتنظير، وإنما اقترن بالعمل والإنتاج والاستقلال، وبالاعتماد على النفس وصيانة كرامة الإنسان.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير له من أن يسأل الناس». كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده».
وفي ذلك تأكيد لقيمة العمل والإنتاج، والحث على السعي، ورفض الاتكالية، وترسيخ مبدأ الاعتماد على النفس؛ فالأمم لا تنهض بالأماني وحدها، وإنما تنهض بعقول أبنائها، وجهودهم، وإخلاصهم، وقدرتهم على تحويل المعرفة إلى عمل وإنجاز.
فالقوة البشرية الحقيقية تتمثل في طاقات مؤهلة، وعقول متعلمة، وأيدٍ عاملة، ونفوس مسؤولة، وأخلاق تضبط استخدام القوة وتوجهها إلى ما يحقق الخير ويحفظ مصالح المجتمع.
إن بناء الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه سائر صور القوة؛ فالعلم من دون عمل لا يحقق غايته، والقدرة من دون أمانة قد تتحول إلى أداة للفساد، والموارد من دون حسن إدارة قد تصبح عبئًا بدلًا من أن تكون سببًا للتقدم.
ومن ثم، فإن قوة الأمم الحقيقية تتحقق بالتكامل بين الإيمان والعلم والعمل، وبين الأخلاق والكفاءة، وبين الإعداد المادي وبناء الإنسان؛ فكل عنصر منها يكمل الآخر، ولا غنى للأمة عن أي منها إذا أرادت أن تحمي حاضرها وتصنع مستقبلها.
ولقد كتب الله عز وجل النصر لهذه الأمة في معارك شتى، وجاء النصر مقرونًا بالإيمان والصبر والثبات والأخذ بالأسباب، مع اليقين بأن الأمر كله لله، وأن القوة مهما بلغت لا تستقل بتحقيق النصر بعيدًا عن مشيئته سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
فالإعداد واجب، والأخذ بالأسباب ضرورة، وبناء الإنسان أساس النهضة، والعمل طريق التقدم؛ أما النصر في النهاية فمن عند الله وحده.
وما النصر إلا من عند الله.