عاجل

في قلب العاصمة السويسرية جنيف، داخل أروقة المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، عاشت المنظمة أسبوعاً استثنائياً بنكهة مصرية خالصة. بجهود البعثة المصرية، تحول مدخل المنظمة من ممر دبلوماسي جامد تحكمه النصوص القانونية، إلى ساحة نابضة بالحياة تعبق برائحة التاريخ.

استقبل المعرض زواره بشعار يحمل فلسفة وطن بأكمله: "حين يكون صوتي غُرزاً.. وكلامي خرزاً". من رمال سيوة إلى ضفاف النيل، ومن جبال سيناء إلى قلب الصعيد، أثبتت مصر أن ملابسها التراثية وحُليها ليست مجرد زينة، بل هي وثائق تاريخية حية خطتها أنامل حارسات التراث.

حين يلتقي العشق بالدبلوماسية

وراء هذا الإنجاز تقف سيدة جمعت بين عين المرشدة السياحية العاشقة لكل حبة رمل في مصر، ودورها كزوجة للسفير المصري في جنيف. إنها السيدة ريم منيب، صاحبة الفكرة ومنفذة الحلم.
لم تنظر ريم للتراث كقطع ملابس، بل كرسالة وطن. وبعشقها للآثار والتاريخ، أدركت أننا نملك الأصل والفصل، لكننا نحتاج أن نوثق ونحكي. ومن خلال البعثة المصرية، حولت فكرتها إلى واقع ونظمت أسبوع التراث المصري داخل الويبو.

تحت اسم معرضها الملهم، استطاعت أن تجمع مصر كلها في قاعة واحدة أزياء سيناء المطرزة، وأناقة واحة سيوة، والتوب العدوي الأسيوطي، والملس الصعيدي، والجلابية والعباية الرجالي، وجلابية الدلتا، ومجدل الواحات البحرية، وسحر التلي، وجرجار النوبة الأصيل.
لم يكن عرضاً للأزياء، بل كان درساً في الترويج والتنشيط السياحي. ريم منيب أثبتت أن كل غرزة في توب مصري هي دعوة سياحية للعالم ليزور الأصل، وأن حماية التراث بالملكية الفكرية هي في حد ذاتها أقوى حملة تسويق لمصر.

الرسالة الأهم  إنذار لحماية الذاكرة

هذا الحدث لم يكن مجرد احتفال عابر. الرسالة التي حملها من قلب الويبو للمصريين هي رسالة إنذار حاسمة: تراثنا في خطر. وإذا لم نسارع لتوثيقه بأدوات القانون الدولي، سيأتي من يسرقه ويعيد بيعه لنا.

*لماذا يمثل معرض جنيف نقطة تحول استراتيجية؟*
خروج التراث من القرى والواحات إلى أعلى منصة قانونية للملكية الفكرية في العالم يمنح مصر ثلاث ركائز للقوة:

*أولاً، صون الهوية من القرصنة الثقافية:* بيوت أزياء عالمية تسرق النقوش وتنسبها لنفسها. التسجيل في الويبو يقطع عليهم الطريق قانونياً.

*ثانياً، التمكين الاقتصادي لحارسات التراث:* خلف كل غرزة تلي ست مصرية مكافحة. تحويل حرفتها لأصل ملكية فكرية محمي يضمن لها دخلاً مستداماً ويحول الحرفة إلى قطاع اقتصادي قوي.

ثالثاً، تعزيز القوة الناعمة: أثبت المعرض للعالم أن عمق مصر لا يتوقف عند الآثار الفرعونية، بل يمتد إلى تراث شعبي حي ومستمر منذ آلاف السنين.

هنا أستغل الحدث لوضع رايه لخريطة الطريق  لحماية تراثنا*
لتحويل رسالة جنيف إلى واقع، نحتاج إلى استراتيجية متكاملة من ثلاثة أسلحة لتسجيل التراث المصري الامادي :

*1. المؤشرات الجغرافية (GIs):* وهي السلاح الأقوى الذي يربط المنتج بمكانه. يمكننا تسجيل  "مطرزات سيناء" كعلامات محمية دولياً، مما يمنع أي مصنع خارج هذه المناطق من تقليده علي غرار تسجيل "تلي شندويل".

*2. الرسوم والنماذج الصناعية:* وهي تحمي المظهر الجمالي من خطوط وألوان ونقوش. من خلالها نسجل تصاميم الخرز والتطريز باسم الجمعيات المصرية.

*3. التوثيق الدفاعي:* وهو خط الدفاع الأول. كتب في كل فروع التراث الثقافي الامادي مثل الاكلات والاعشاب التراثيه والاغاني والحكايات والاحاجي والكقوس اليوميه والملابس مثل كتاب الدكتورة شهيرة محرز Costumes of Egypt تعد وثيقة رسمية تثبت أن التراث ملك لمصر منذ مئات السنين وتمنع أي شركة من تسجيله باسمها.

*نداء لحارسات الذاكرة*
التحية التي أرسلتها السيدة ريم منيب والبعثة المصرية لكل امرأة وضعت غرزة، من رائدات منصات الحرف الوطنية مثل Niha Hetta و Tally and Thread و Jozee Boutique وغيرهن، يجب أن تتحول إلى حركة قومية شاملة.
إلى كل سيدة مصرية وضعت غرزة بيدها، من سيوة إلى أسوان، يا حارسات التراث.. تذكري أنكِ لا تخيطين ثوباً، فغرزتكِ ليست مجرد خيط، وكل خرزة من يديكِ ليست مجرد زينة.. غرزتكِ تاريخ، وخرزتكِ توقيع مصر الذي لا يقدر أحد على تزويره. إبرتكِ اليوم لم تعد أداة حياكة، بل أصبحت سلاح وطن يحمي ذاكرته وينسج اقتصاده.. فحافظي عليها واستمري، فالعالم كله الآن ينظر إلى غرزتكِ.

تم نسخ الرابط