عاجل

في الحروب الحديثة، لم تعد المعركة تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ أو المساحات التي تسيطر عليها الجيوش، وإنما بقدرة كل طرف على الوصول إلى أهدافه، وإرباك خصمه، وتغيير حساباته، ثم تحويل ما يحدث ميدانيًا إلى تأثير سياسي واستراتيجي.
وهنا تتضح إحدى التحولات الأبرز في طبيعة الحرب الحديثة؛ فقد أعادت المسيّرات تعريف مفهوم المسافة، ونقلت الصراع إلى مناطق كانت تُعتبر بعيدة عن نطاق الاشتباك. كما أن طبيعة الأهداف تغيرت؛ فلم يعد الاستهداف مقصورًا على المواقع العسكرية، بل امتد إلى محطات الكهرباء والمنشآت النفطية والمطارات والموانئ وطرق الإمداد، أي إلى البنية التحتية التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى جزء من معادلة الصراع.
والتطور الذي شهدته المدينة المنورة يقدم نموذجًا واضحًا لذلك؛ إذ أعلنت السعودية استهداف محطة طيبة لتوزيع الكهرباء بمسيّرة، وهي المحطة المرتبطة بخدمة كهربائية لمنطقة المسجد النبوي، ما أدى إلى خروج أحد المحولات عن الخدمة دون تأثر شبكة الكهرباء بصورة عامة.
والقراءة الاستراتيجية هنا تبدأ من طبيعة الهدف، وليس فقط من حجم الضرر. فاستهداف منشأة مدنية بهذه الحساسية والموقع يحمل، إلى جانب أثره المادي، رسالة سياسية ونفسية ورمزية، وهو ما يجعل البنية التحتية جزءًا من أدوات الحرب الهجينة.
ومن هنا تتغير خريطة الصراع؛ فالمسيّرات قلصت مفهوم المسافة الآمنة، وأصبح الوصول إلى منشأة بعيدة في حد ذاته رسالة إلى الخصم، حتى إذا كان الضرر المادي محدودًا. وفي المقابل، فإن قدرة الدولة على حماية المنشآت الحيوية واحتواء الأضرار والحفاظ على الخدمات وإدارة الرسالة السياسية والإعلامية للهجوم، أصبحت جزءًا من قدرتها على الردع.
لذلك فإن السؤال لا يتوقف عند: لماذا استطاع طرف ما الوصول إلى هدف بعيد؟ وإنما يمتد إلى: ماذا يريد أن يحقق من وراء هذا الوصول؟ ففي الحروب المركبة، قد تكون قيمة الضربة في تأثيرها على حسابات الخصم وإدراكه لمدى قدرة الطرف الآخر، وليس في حجم الخسائر المباشرة فقط.
وهذه النقطة تقودنا إلى اليمن، حيث دخل المشهد خلال الساعات الماضية مرحلة جديدة مع إعلان مجلس القيادة الرئاسي اليمني إطلاق عملية « فجر اليمن ». وبحسب ما أعلنته المصادر اليمنية، بدأت القوات الحكومية تحركًا في الساحل الغربي لمحافظة تعز بمشاركة قوات « درع الوطن» و«ألوية العمالقة» وإسناد من المقاومة الشعبية، وأعلنت السيطرة على مديرية ذوباب وعدد من المواقع الاستراتيجية، ثم التقدم والسيطرة على منطقة باب المندب وقطع الطريق بين ذوباب والمخا.
وتكمن أهمية هذا التطور في طبيعة المنطقة نفسها. فذوباب ليست مجرد مديرية في خريطة الصراع اليمني، وباب المندب ليس مجرد موقع جغرافي؛ وإنما يمثل نقطة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتتعامل معها القوى الإقليمية والدولية  باعتبارها منطقة ذات أهمية للملاحة والتجارة والطاقة.
ومن ثم، فإن التحرك العسكري في الساحل الغربي لا يتعلق فقط باستعادة مواقع، وإنما  بمحاولة التأثير في البيئة الجغرافية التي تتحرك داخلها الحرب. وقطع طرق الإمداد، إذا أمكن تثبيته ميدانيًا، لا يقل أهمية عن السيطرة على المواقع نفسها؛ لأنه يحد من قدرة الخصم على نقل القوات والمعدات وإعادة الانتشار.
وهنا يصبح السؤال الأساسي هو: هل تتحول المكاسب الميدانية إلى تغيير مستقر في موازين القوة؟ فنجاح أي عملية عسكرية لا يتحدد فقط بسرعة التقدم، وإنما بقدرتها على تثبيت المواقع وتأمين خطوط الحركة ومنع الخصم من استعادة المبادرة.
وهذا ما يجعل «فجر اليمن» تطورًا يستحق المتابعة، خصوصًا إذا استمرت العمليات في اتجاه الساحل الغربي. فاليمن، بحكم موقعه على باب المندب واتصاله بالبحر الأحمر وخليج عدن، يجعل أي تغير كبير في السيطرة على هذه المنطقة ذا أبعاد تتجاوز حدود الصراع الداخلي.
وفي المقابل، فإن توسيع نطاق الاستهداف الحوثي يمكن قراءته من زاويتين؛ الأولى عسكرية، تتعلق بإظهار القدرة على الوصول إلى العمق ورفع تكلفة الحرب وتشتيت منظومات الدفاع، والثانية سياسية، تتعلق بإيصال رسالة بأن نطاق الصراع لم يعد محصورًا في خطوط المواجهة المباشرة.
ومن هنا أصبحت البنية التحتية هدفًا له قيمة تتجاوز المنشأة نفسها. فالتهديد المتكرر لمنشأة حيوية قد يفرض على الدولة إعادة توزيع مواردها الأمنية والعسكرية، حتى دون وقوع أضرار كبيرة. وهذا أحد أوجه حرب ما بعد المسيّرات، التي تتداخل فيها القدرة على الضرب مع القدرة على الحماية والاحتواء وإدارة الرسالة السياسية.
وفي الصراعات المركبة، لا يعني ذلك أن المستفيد من التصعيد هو بالضرورة الطرف الذي نفذه. فقد تستفيد أطراف أخرى من إطالة المواجهة أو استنزاف طرفين أو زيادة صعوبة الوصول إلى تسوية. 
ومن هذه الزاوية، تبدو التطورات من المدينة المنورة إلى الساحل الغربي في اليمن جزءًا من نمط أوسع تتداخل فيه التكنولوجيا العسكرية مع الجغرافيا السياسية والبنية التحتية وإدارة الرواية. فالمسيّرة لم تعد مجرد أداة لضرب هدف، والموقع الجغرافي لم يعد مجرد مساحة للسيطرة، والهجوم على منشأة حيوية لا يُقاس فقط بما دمره، وإنما بما أحدثه في حسابات الخصم وفي إدراكه لمستوى التهديد.
ولهذا فإن «حرب ما بعد المسيّرات» تعبر عن مرحلة أصبح فيها التفوق مرتبطًا بالقدرة على الجمع بين الهجوم و الدفاع، وبين العمل العسكري وإدارة الرواية، وبين تحقيق مكسب ميداني وتحويله إلى تأثير سياسي.
ففي الحروب الحديثة، قد يكون الهدف منشأة على الأرض، لكن تأثيره الحقيقي قد يمتد إلى ما وراء المنشأة. وقد تبدأ العملية بمسيّرة، لكن نتائجها النهائية تتحدد بما تتركه من تغيير في الحسابات وموازين القوة وقواعد الاشتباك.
وهنا تبدأ الحرب الحقيقية بعد سقوط المسيّرة.

تم نسخ الرابط