في مثل هذا اليوم من عام 1973، لم تكن مصر تخوض مجرد معركة عسكرية لعبور قناة السويس، وإنما كانت تخوض معركة لاستعادة الأرض والكرامة والثقة بالنفس، وكانت الأمة العربية كلها تعيش لحظة نادرة من التماسك، بدا فيها أن الخلافات التي فرقتها تراجعت أمام هدف أكبر، وأن الجيوش والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية تحركت، كل في مجاله، باتجاه واحد. ولهذا فإن السادس من أكتوبر ليس مجرد ذكرى لانتصار عسكري خالد في التاريخ المصري، وإنما هو يوم استعاد فيه المصريون والعرب معًا يقينًا كان قد اهتز بعد نكسة يونيو، وأثبتوا أن الهزيمة ليست قدرًا، وأن موازين القوة يمكن أن تتغير حين تتوافر الإرادة والتخطيط والقدرة.
لم يكن الطريق إلى أكتوبر قصيرًا، ولم تبدأ معركته في السادس من أكتوبر، وإنما بدأت منذ اللحظة التي قررت فيها مصر ألا تقبل بأن تتحول هزيمة يونيو 1967 إلى واقع دائم. كانت النكسة قد تركت جرحًا عميقًا في الوجدان المصري والعربي، واحتلت إسرائيل سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس، وبدا المشهد في ذلك الوقت وكأن المنطقة دخلت عصرًا طويلًا من الانكسار. لكن مصر بدأت مبكرًا في إعادة بناء قواتها المسلحة، وخاضت حرب الاستنزاف، وأعادت تنظيم صفوفها، واستعادت ثقة الجندي المصري بنفسه وبقدرته على مواجهة العدو، بينما تحركت الدول العربية سياسيًا واقتصاديًا لدعم دول المواجهة.
وفي هذا السياق جاءت قمة الخرطوم عام 1967، لتشكل إحدى المحطات المهمة في إعادة ترتيب الموقف العربي بعد النكسة، وكانت المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول التي دعمت مصر وسوريا سياسيًا واقتصاديًا، وأكدت أن المعركة ليست شأنًا مصريًا أو سوريًا منفردًا، وإنما قضية عربية تتصل بأمن المنطقة وكرامتها. وفي تلك المرحلة برز الدور التاريخي للملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمه الله، الذي أدرك مبكرًا أن المعركة لا تُحسم بالسلاح وحده، وأن السياسة والاقتصاد والدبلوماسية يمكن أن تتحول إلى أدوات قوة حين توضع في خدمة هدف واضح.
وحين جاء السادس من أكتوبر، الموافق العاشر من رمضان، كانت مصر قد أمضت سنوات في الإعداد للمعركة، فكانت القوات المسلحة المصرية على موعد مع واحدة من أعظم عمليات العبور في التاريخ العسكري الحديث. عبر الجنود قناة السويس، وحطموا الساتر الترابي وخط بارليف، وسقطت في ساعات الأسطورة التي حاولت إسرائيل أن تحيط بها هذا الخط، بينما تقدمت القوات السورية على جبهة الجولان، وشاركت قوات عربية في الحرب، من العراق والأردن والسعودية والمغرب والجزائر وتونس والكويت وغيرها، بدرجات وأشكال مختلفة، ليصبح السادس من أكتوبر لحظة عربية بقدر ما هو لحظة مصرية.
لكن أحد أعظم دروس أكتوبر أن الحرب لم تكن عسكرية فقط. فقد امتدت المواجهة إلى السياسة والاقتصاد والدبلوماسية، وأدركت الدول العربية أن لديها أدوات أخرى تستطيع استخدامها في إدارة الصراع. وكان قرار الدول العربية المنتجة للنفط بخفض الإنتاج واستخدام النفط أداة ضغط على الدول الداعمة لإسرائيل أحد أبرز مظاهر توظيف عناصر القوة الاقتصادية في خدمة الموقف السياسي، وكان للمملكة العربية السعودية بقيادة الملك فيصل دور بارز في هذا الموقف، فأدرك العالم أن الثروة يمكن أن تكون مصدرًا للقوة السياسية عندما تتوافر الإرادة لاستخدامها.
ولم يكن أثر أكتوبر مقصورًا على ميدان القتال. فقد تغيرت بعد الحرب حسابات المنطقة والقوى الكبرى، وتحركت الدبلوماسية الدولية، وبدأت مرحلة جديدة من المفاوضات وفك الاشتباك، والأهم أن مصر والعرب خرجوا من الحرب برسالة مختلفة إلى أنفسهم وإلى العالم: أن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن الدول التي تمتلك الإرادة والتخطيط والقدرة تستطيع أن تغير قواعد اللعبة، حتى إذا بدت موازين القوة في البداية مختلة لصالح الطرف الآخر.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأكتوبر بالنسبة إلى أجيال اليوم. فالنصر لم يكن نتيجة السلاح وحده، وإنما كان نتيجة لتكامل عناصر متعددة: إعادة بناء القوات المسلحة، والتخطيط الدقيق، وإدارة الموارد، والتنسيق السياسي، والقدرة على اختيار اللحظة المناسبة، والأهم إرادة القتال التي جعلت الجندي المصري يدخل المعركة وهو يؤمن بأنه قادر على عبور القناة واستعادة الأرض. ولذلك فإن استعادة روح أكتوبر اليوم لا تعني الدعوة إلى الحرب، وإنما تعني استعادة القدرة على تحديد الهدف، وبناء القوة اللازمة لتحقيقه، والاعتماد على النفس، وعدم الاستسلام لفكرة أن موازين القوى ثابتة إلى الأبد.
واليوم، بعد واحد وخمسين عامًا على ذلك العبور، تبدو المنطقة العربية أمام عالم مختلف تمامًا، لكن الحاجة إلى روح أكتوبر لم تتغير. فالصراعات أصبحت أكثر تعقيدًا، والمواجهات لم تعد تدور فقط بين جيوش نظامية، وإنما دخلت إليها الجماعات المسلحة والطائرات المسيّرة والصواريخ والحرب السيبرانية والمعلوماتية، وأصبحت الممرات البحرية ومصادر الطاقة والبنية الاقتصادية أهدافًا مباشرة في صراعات تتجاوز حدود الدول. وفي الوقت نفسه، تعيد القوى الكبرى والإقليمية رسم مواقعها وحساباتها، فيما تبدو المنطقة أمام احتمالات متعددة لا يمكن التعامل معها بسياسة رد الفعل وحدها.
ومن هنا فإن أول ما يمكن أن نتعلمه من أكتوبر أن الوحدة في القضايا الكبرى تصنع فارقًا. وليس المقصود بالوحدة إلغاء خصوصية الدول أو تجاهل اختلاف مصالحها، وإنما القدرة على الاتفاق حول القضايا التي تمس الأمن القومي والمصالح الأساسية، فالدول حين تتحدث بلغة مشتركة في القضايا المصيرية تصبح قدرتها على التأثير أكبر، بينما يؤدي تشتت المواقف إلى إضعاف القدرة على التفاوض وحماية المصالح.
والدرس الثاني أن القوة لا تعني بالضرورة الحرب، بل إن امتلاك القوة قد يكون هو الطريق الأكثر أمانًا إلى السلام. فالدولة التي تمتلك قدرة عسكرية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية تستطيع حماية مصالحها والتفاوض من موقع أكثر توازنًا، أما الدولة التي تتخلى عن عناصر قوتها فتجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع قواعد يضعها الآخرون. ولهذا كان أحد أهم دروس أكتوبر أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، وأن الدبلوماسية تصبح أكثر فاعلية حين تستند إلى قدرة حقيقية.
والدرس الثالث أن أدوات القوة لم تعد عسكرية فقط. فاقتصاد الدولة، وموقعها الجغرافي، وقدرتها على حماية طرق التجارة والطاقة، وثقلها السياسي والدبلوماسي، ومكانتها الدولية، كلها أصبحت عناصر في معادلة الأمن القومي. وهذا ما يجعل تجربة أكتوبر أكثر راهنية مما قد يبدو، لأنها قدمت نموذجًا مبكرًا لكيفية توظيف أدوات متعددة في مواجهة واحدة، بدل اختزال القوة في السلاح وحده.
وفي هذه الصورة تظل المملكة العربية السعودية حاضرة في ذاكرة أكتوبر، كما هي حاضرة اليوم في معادلات الأمن والاستقرار العربي. فقد كان موقف الملك فيصل أحد أبرز المواقف العربية في حرب أكتوبر، واليوم تواصل المملكة، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، بناء حضور إقليمي يجمع بين القوة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وحماية أمن المملكة والمساهمة في استقرار محيطها. ومن ثم فإن استحضار الدور السعودي في أكتوبر ليس خروجًا عن الذاكرة المصرية للحرب، وإنما جزء من قراءة التجربة العربية التي وقفت إلى جانب مصر في لحظة تاريخية فارقة.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نفهم أن روح أكتوبر لا تعني استعادة ظروف عام 1973، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، وإنما استعادة العقلية التي صنعت النصر: تحديد الهدف، والاستعداد له، وتوحيد الجهود، وبناء القوة، وإدارة الموارد بكفاءة، وعدم السماح للخلافات الثانوية بأن تبتلع القضايا الكبرى.
فمصر التي عبرت القناة في السادس من أكتوبر لم تكن تمتلك في ذلك الوقت كل عناصر القوة التي تمتلكها اليوم، لكنها امتلكت أهمها: الإرادة. وكان الجندي المصري يعرف ماذا يريد، والقيادة تعرف كيف تصل إلى الهدف، والأمة العربية تعرف أن انتصار مصر وسوريا هو انتصار لقضية أكبر من حدود البلدين.
ولهذا فإن الوفاء الحقيقي لشهداء أكتوبر لا يكون فقط باستعادة أسمائهم أو تكرار سيرتهم في كل عام، وإنما بالحفاظ على المعنى الذي دفعوا حياتهم من أجله: أن تبقى مصر قوية، وأن تظل قادرة على حماية أمنها ومصالحها، وأن يبقى العرب قادرين على الدفاع عن قضاياهم، وأن تتحول التجارب التاريخية إلى وعي سياسي واستراتيجي لا إلى مجرد ذاكرة عاطفية.
في السادس من أكتوبر، لا نحتفل بالماضي فقط، وإنما نستعيد درسًا للمستقبل. فقد علمنا العبور أن الأرض لا تستعيدها الأمنيات، وأن الحقوق لا يحميها الضعف، وأن القوة لا تولد من السلاح وحده، وإنما من الإنسان الذي يؤمن بقضيته، والدولة التي تعرف هدفها، والمؤسسات التي تخطط، والأمة التي تعرف متى تتوحد.
ما أحوجنا اليوم إلى استعادة روح أكتوبر؛ لا لكي نذهب إلى الحرب، وإنما لكي نعرف كيف نحمي السلام، ولا لكي نعيش على أمجاد الماضي، وإنما لكي نبني المستقبل، ولا لكي نستعيد معركة انتهت، وإنما لكي نستعيد الإرادة التي صنعتها.
فالتاريخ لا يمنح مكانًا دائمًا لمن ينتصر مرة، وإنما لمن يمتلك القدرة على أن يتعلم من انتصاره، ويحوله إلى قوة مستمرة، ويظل شريكًا في صناعة التاريخ، لا مجرد شاهد على ما يصنعه الآخرون.