ناتو عربي إسرائيلي لإخراج واشنطن من ورطتها
تضع مراكز الفكر والأبحاث الأمريكية think tanks أفكار و خطط لمستقبل مناطق النفوذ الأمريكي وأحيانا ما تستعين الإدارات المختلفة في واشنطن بتلك الأفكار أو تضعها في الأدراج لحين الحاجة إليها، و يبدو أن الإدارة الثانية للرئيس دونالد ترامب قد عادت لإخراج ملف الناتو العربي الإسرائيلي و مستقبل الشرق الأوسط من الدرج وهو الملف الذي كان مطروحا في فترة إدارة ترامب الأولى منذ أكثر من سبع سنوات و عاد الحديث حول تشكيل ناتو عربي شرق أوسطي، والدليل على ذلك ما نشر حول اجتماع مندوبين من تسع دول عربية زائد إسرائيل و أمريكا لرسم صورة الشرق الأوسط الجديد ،
حيث انتشرت لقطات من قناة 14 الإسرائيلية لاجتماع في أبوظبي جمع محمد بن زايد رئيس الإمارات مع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل و لقاء جمعهما مع ممثلي عربية وهي السعودية، الإمارات، البحرين، الكويت، عمان، مصر، المغرب، و ليبيا زائد إسرائيل و أمريكا ،
وتشير التكهنات ان الاجتماع ناقش مستقبل المنطقة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران و مستقبل مضيق هرمز وباب المندب و مستقبل قطاع غزة ،و مستقبل التعاون الاقتصادي بين المنطقة،
و غاب عن الحضور كلا من قطر، العراق، سوريا، لبنان، الجزائر، تونس.
و المعروف أن ترامب كان متحمسا في فترة ولايته الاولي لفكرة تشكيل ناتو عربي و أسراىيلي ، و قد وجهت سؤالا بنفسي في أغسطس 2022، إلى قائد القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية (AFCENT)، الفريق أليكسوس غرينكيفيتش، للاستفسار عن حقيقة المساعي لتشكيل تحالف عسكري إقليمي يشبه حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط، وهو ما يُعرف إعلامياً بمصطلح "الناتو العربي" أو "الناتو الشرق أوسطي" في إيجاز له لعدد من الصحفيين الدوليين ووقتها أوضح المسؤول الأمريكي في رده علي سؤالي ان المفهوم المعمول به ليس تحالفاً عسكرياً مغلقاً على غرار "الناتو". وبدلاً من ذلك، تركز الرؤية الأمريكية على تعزيز "مشاركة المعلومات والبيانات الاستخباراتية والأمنية" بين الشركاء الإقليميين، وبناء منظومات دفاعية متكاملة (مثل الدفاع الجوي المشترك)، مما يتيح لكل دولة اتخاذ قراراتها الدفاعية بشكل مستقل ولكن بناءً على صورة أمنية موحدة ومتكاملة.
و الجدير بالذكر ان ادارة ترامب الأولي كانت تتحدث عن ناتو عربي و تحالف عسكري مع اسرائيل لمواجهة ايران و البحث في ترتيب "أطر دفاع جوي متكاملة في المنطقة لمواجهة صواريخ إيران الباليستية ومسيراتها ،
و قد أشار ترامب في خطابه امام الامم المتحدة في سبتمبر ٢٠١٨ إلي فكرة تشكيل نسخة عربية سنية من حلف الناتو برعاية أمريكية او ما يطلق عليه لقب ميسا ( MESA ،(Middle East Strategy Alliance ، او "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي"،
و قد تم وقتها إعادة وضع تلك الفكرة في الأدراج الأمريكية و لكن تم إخراجها مؤخرا من الدرج ووضعها على الطاولة أمام الدول العربية في عدة اجتماعات بعضها غير معلن ،و تختلف تلك الفكرة مع ما سبق ان طرحته مصر بصيغة مختلفة فى القمة االعربية التى عقدت فى شرم الشيخ 2015 ، و تم انهاء تلك الفكرة من حانب السعودية وقتها بعد عدة اجتماعات عقدت بالفعل بين وزراء خارجية و دفاع ورؤساء أركان عدة دول عربية ، و تم ايضا اضعاف فكرة ترامب بانشاء ناتو عربي منذ سبع سنوات بسبب وجود أزمة مصرية خليجية مع قطر الأمر الذي شكل عائقا أمام عقد مثل هذا التحالف ،
علي الرغم من تخطيط الإدارة الأمريكية وقتها لتدشين "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى"، أو ما يعرف باسم "الناتو العربى"، والذى كان من المتوقع أن يضم 9 دول عربية هى دول مجلس التعاون الخليجى بالإضافة إلى لمصر والأردن والولايات المتحدة بهدف التصدى للعدوان الإيرانى والإرهاب والتطرف وتحقيق الاستقرار فى الشرق الأوسط. بحيث كان من المفترض أن يكون الحلف الجديد بمثابة نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي "الناتو"،
و كان حلف الناتو المكون من 28 عضوا قد افتتح في ٢٠١٦ أول مركز إقليمى له بالمنطقة بالكويت فى إطار مبادرة أسطنبول للتعاون الإستراتيجى مع دول الخليج التى تمت عام 2004، وهى المبادرة التى لم تنضم إليها وقتها كل من السعودية وسلطنة عمان ، وتم التأكيد على أن هدف المركز هو التعاون لا سيما فى الحرب على الإرهاب والتحليل الإستراتيجى والتخطيط للطوارئ المدنية والتعاون العسكري، والمعروف أن مبادرة أسطنبول للتعاون الإستراتيجى أطلقها حلف الناتو فى قمته بتركيا عام 2004 وانضمت إليها كل من البحرين وقطر والكويت والإمارات، بغرض التعاون الأمنى الثنائى مع دول الخليج، وتقديم الاستشارات فى المجالات الدفاعية، وتشجيع التعاون العسكري-ومكافحة الإرهاب من خلال تبادل المعلومات والتعاون البحري،
و قد اشارت جريدة «وول ستريت جورنال» في ٢٠١٨ أن إدارة الرئيس الأمريكى ترامب تبحث إنشاء قوة عسكرية عربية على غرار الناتو، بحيث يكون أى اعتداء على دولة من أعضائه بمثابة اعتداء على كل أعضاء الحلف، وستهدف القوة العسكرية لمكافحة النفوذ الإيرانى، وأن أمريكا ستقدم الدعم العسكرى والاستخبارى لها، وقد يتعاون مع إسرائيل فى إطار تبادل المعلومات الاستخبارية،
كما أن فكرة إنشاء ناتو عربى ليست جديدة، فقد أطلق مركز الأبحاث السياسية بلندن هذه الفكرة فى سبتمبر ٢٠١٦ لتشكيل ناتو عربى بقيادة مصر، وتخوف البعض منها واعتبرها محاولة لدس السم فى العسل، من أجل جر مصر إلى ويلات عسكرية هى فى غنى عنها، كما نشر موقع «بريتبارت» الأمريكي، الذى تم إنشاؤه لدعم المرشح الجمهورى الأمريكى دونالد ترامب هذه الفكرة، مشيرا إلى أن مدير مركز الأبحاث السياسية بلندن التقى عددا من المسئولين المصريين الذين تحدثوا معه عن قوة مصر وقدرتها على مكافحة الإرهاب سواء فى مصر أو بعض البلاد العربية، ما دعاه إلى إطلاق تلك الدعوة التى تقوم على قيادة مصر لجيش من الدول العربية لمكافحة الإرهاب، بحيث يتعاون مع الناتو ،
و الحقيقة أن محاولات الناتو للتعاون مع دول عربية خاصة مصر كانت تبرز كل فترة، بل إنه دار حديث فى عام 2002 لانضمام مصر للناتو، وكذلك تم الاتفاق فى 2014 على حوار رفيع المستوى ولكنه لم يحدث، حيث كان وزير الخارجية السابق نبيل فهمت قد التقى فى إبريل 2014 على هامش زيارته إلى بروكسل لرئاسة الوفد المصرى إلى القمة الأوروبية - الإفريقية الرابعة، مع “أندرس فوج راسموسن” سكرتير عام حلف شمال الأطلنطى (ناتو) السابق، حيث تم بحث العلاقات بين مصر وحلف الناتو سواء على المستوى الثنائى أو فى إطار مشاركة مصر فى “الحوار المتوسطي” الذى بدأ عام 1994. ومجالات التعاون بين الجانبين ومن بينها قضايا مكافحة الإرهاب. وتم الاتفاق على تعزيز حوار رفيع المستوى بين مصر والناتو وعقد عدد من اللقاءات بين الجانبين على المستوى السياسى والتعاون العملى، لبحث تفاصيل دعم علاقات التعاون بين الجانبين، خاصة فى مجال مكافحة الإرهاب،
والجدير بالذكر أنه تم الإعلان عن تعاون بين الناتو وسبع دول ليست عضواً فى الحلف عام 1994، وهذه الدول هى مصر التى انضمت للحوار المتوسطى فبراير 1995 وكل من إسرائيل وموريتانيا وتونس والأردن والجزائر والمغرب ، بهدف تأسيس علاقات متوسطية أفضل.
و برغم كل هذا فان مصر كانت منتبهة الى محاولات أطراف لاستخدام ورقة التعاون بين الناتو ودول المنطقة لجر جيوش عربية و على رأسها مصر لحروب تحت غطاء مسمى قوة عسكرية على غرار الناتو لإنهاك الجيش وإضعافه ، وربما خلق حروب إقليمية، الأمر الذى لن يَصْب إلا فى مصلحة إسرائيل وحدها، فتصدير فكرة أن العدو هو إيران فقط، وأن إسرائيل دولة صديقة أمر خطير، ويبتعد تماما عن هدف الفكرة المصرية بتشكيل قوة عربية مشتركة لمواجهة التحديات التى تواجه الأمة العربية، ولتكون قوة ردع أمام الطامعين فى أحداث فوضى بالمنطقة العربية كلها ،
و يبدو أن ملف تشكيل ناتو عربي إسرائيلي قد خرج مجددا من الأدراج و عاد إلى طاولة المشاورات في إطار إخراج أمريكا من ورطتها الحالية في إيران بحيث يصبح هدف مواجهة إيران عسكريا هو الأساس و لكن بأيدي عربية خليجية إسرائيلية وأن تكون هناك مساعدات لوجستية وعسكرية أمريكية ، و هو هدف لايزال محل تشاور بين الدول التي انضمت للاجتماع في الإمارات .