عاجل

لم يعد السؤال «هل فشلنا في تربية أبنائنا؟» مجرد جملة تقال في جلسة عائلية، أو تعليق عابر على واقعة داخل مدرسة. أصبح سؤالًا يفرض نفسه كلما خرجت واقعة جديدة إلى العلن: طالب يعتدي على زميله، واقعة تنمر، مشاجرة تتحول إلى فيديو متداول، طالب يتجاوز في حق معلمه، أو مجموعة من الطلاب تقف لتصوير الواقعة بدلًا من محاولة إيقافها.

وفي كل مرة، يبدأ المشهد نفسه: غضب واسع، اتهامات متبادلة، مطالب بالعقاب، ثم السؤال التقليدي: أين الأهل؟ ومن المسؤول عن تربية هؤلاء الأبناء؟

لكن ربما حان الوقت لأن نتوقف قليلًا أمام السؤال نفسه، لا لنبرئ أحدًا، ولا لنلقي المسؤولية على طرف بعينه، وإنما لنعترف بأن ما يحدث داخل بعض مدارسنا لم يعد مجرد مشكلات فردية يمكن حلها بعقوبة أو باستدعاء ولي الأمر.

فالطفل الذي يدخل المدرسة صباحًا لا يأتي إليها منفصلًا عن بيته ومجتمعه. يدخل إليها بكل ما تعلمه في المنزل، وبكل ما شاهده على الهاتف، وبكل ما يسمعه من أصدقائه، وبكل ما يراه حوله من نماذج وسلوكيات.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

نحن أمام جيل تغيرت طريقة تواصله، وتغيرت أدواته، وأصبحت مواقع التواصل جزءًا من حياته اليومية. مشاجرة كانت تنتهي في الماضي بمجرد انتهاء اليوم الدراسي، يمكن اليوم أن تتحول خلال دقائق إلى مقطع مصور يشاهده الآلاف، وتعليقات وسخرية وإعادة نشر، وربما أزمة تستمر آثارها طويلًا.

والأخطر أن بعض الطلاب أصبحوا يتعاملون مع تصوير الآخرين في لحظات الخوف أو الإحراج باعتباره نوعًا من الترفيه، وكأن وجود الهاتف في يد الطالب يعني أن كل ما يحدث أمامه يصلح لأن يتحول إلى محتوى.

لكن هل يعني ذلك أن الأسرة بريئة؟

بالتأكيد لا.

هناك أسر انشغلت بالدرجات والنجاح، ونسيت أن تسأل أبناءها عن سلوكهم، وعن علاقتهم بزملائهم، وعن الطريقة التي يتعاملون بها مع من يختلفون عنهم. وهناك آباء وأمهات يرفضون الاعتراف بخطأ أبنائهم، ويدافعون عنهم مهما كانت الحقيقة، وكأن الاعتراف بخطأ الابن إهانة للأسرة، بينما الحقيقة أن الطفل الذي لا يتعلم تحمل مسؤولية خطئه اليوم، قد يواجه صعوبة أكبر في تحمل مسؤولياته عندما يكبر.

لكن في المقابل، لا يمكن أن نضع كل شيء فوق كتف الأسرة.

فالمدرسة ليست مكانًا لتدريس المناهج فقط، وإنما بيئة يقضي فيها الطفل ساعات طويلة من يومه، ويتعلم فيها أيضًا كيف يتعامل مع الآخرين. ولذلك فإن وجود قواعد واضحة للسلوك، والتعامل الجاد مع التنمر والعنف، والاستماع إلى الطلاب، والتواصل مع أولياء الأمور، كلها أمور لا تقل أهمية عن الحصص والامتحانات.

كما أن المعلم نفسه يحتاج إلى الحماية والاحترام، مثلما يحتاج الطالب إلى الحماية والاحترام. فلا يمكن بناء بيئة تعليمية مستقرة إذا أصبح المعلم طرفًا في صراع دائم مع الطلاب أو أولياء الأمور، أو إذا أصبح الطالب يشعر أن الشكوى لن يسمعها أحد إلا بعد أن تتحول المشكلة إلى واقعة كبيرة.

المشكلة إذن ليست في «جيل سيئ» كما يحب البعض أن يقول، وليست في «أهالٍ لم يعرفوا التربية» وحدهم، وليست في المدرسة وحدها.

المشكلة أن العالم الذي نربي فيه أبناءنا تغير بسرعة، بينما ما زالت بعض أساليب التربية كما هي.

نطلب من الطفل ألا يتنمر، بينما قد يسمع في المنزل سخرية من الآخرين. نطلب منه ألا يستخدم العنف، بينما قد يكون العنف هو أول وسيلة نلجأ إليها عندما يغضب. نطالبه باحترام الآخرين، بينما يراه أحيانًا في بيئة لا تمنح المختلف عنها هذا الاحترام.

والطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له، وإنما مما يراه أمامه.

لذلك، فإن السؤال الأهم من «من المخطئ؟» هو: ماذا سنفعل بعد أن تهدأ الضجة؟

هل سنكتفي بعقاب الطالب؟ هل سنستدعي ولي الأمر؟ هل سنفصل طالبًا ونعتبر أن المشكلة انتهت؟ أم سنحاول أن نفهم لماذا تتكرر هذه السلوكيات، وكيف يمكن للأسرة والمدرسة أن تتعاملا معها قبل أن تتحول إلى أزمة جديدة؟

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الصراخ ولا إلى مزيد من تبادل الاتهامات. نحتاج إلى مواجهة أكثر صدقًا مع أنفسنا.

نعم، هناك آباء وأمهات يقصرون في التربية، وهناك مدارس تخطئ في التعامل مع بعض المواقف، وهناك سلوكيات جديدة فرضتها مواقع التواصل والتكنولوجيا، وهناك مجتمع بأكمله يؤثر في أبنائنا كل يوم.

لكن تحويل كل واقعة إلى محاكمة للأسرة أو المدرسة لن يحل المشكلة.

فربما لم نفشل تمامًا في تربية أبنائنا، وربما أخطأنا في أشياء كثيرة، لكن المؤكد أننا لم نعد نعيش في العالم الذي تربينا فيه.

ولهذا فإن التربية نفسها تحتاج إلى أن تتغير؛ لا بمعنى التخلي عن القيم والانضباط والاحترام، وإنما بمعنى أن نعرف كيف نغرس هذه القيم في طفل يعيش وسط هاتف وشاشة ومحتوى لا يتوقف، ويواجه يوميًا نماذج مختلفة تمامًا عما عرفته الأجيال السابقة.

وفي النهاية، لا يكفي أن نسأل بعد كل واقعة: «أين كانت الأسرة؟»

ربما علينا أن نسأل أيضًا: أين كنا جميعًا قبل أن تقع المصيبة؟

تم نسخ الرابط