عاجل

في السادس من أكتوبر من كل عام، تستعيد مصر اللحظة التي عبر فيها جنودها قناة السويس، فحطّموا أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وغرسوا العلم المصري من جديد في رمال سيناء. لكن بهجة هذه الذكرى لا تكتمل إلا حين نرى سيناء كما رآها المصري القديم. فمن مناجم الفيروز في سرابيط الخادم، إلى قلاع البوابة الشرقية في رفح التي خفق عليها العلم عام 1982، ظلت سيناء الحلقة التي تشدّ ماضي مصر إلى حاضرها، وتؤكد أن هذه الأرض ليست مجرد امتداد جغرافي، بل جزء من الروح المصرية ذاتها.

نظر المصري القديم إلى سيناء كامتداد لوطنه ومصدر لثروته. أطلق عليها اسم "ختيو" أي مدرجات الفيروز، وسمّى وادي المغارة "جبل الفيروز"، وعرفها أيضًا باسم "بيا"، أي المنجم. كانت سيناء في عين المصري القديم أرضًا غنية، تستحق الرحلة الطويلة عبر الصحراء، وتستحق أن تُروى قصتها على جدران المعابد والمقابر.

بدأ اهتمام المصريين بسيناء منذ عصور مبكرة، لما تزخر به من ثروات معدنية. فخرجت البعثات المصرية إلى وادي المغارة لاستخراج النحاس، وإلى سرابيط الخادم للحصول على الفيروز، وتركت على صخورها نقوشًا تسجل أسماء الملوك والبعثات التي وصلت إلى هذه المناطق. وفي سرابيط الخادم اتخذ النشاط التعديني بُعدًا دينيًا أيضًا، حيث شُيّد معبد للمعبودة حتحور، سيدة الفيروز. كما تكشف بقايا صهر النحاس في مناطق مثل وادي نصب عن اتساع نطاق النشاط التعديني والصناعي في سيناء.

ومع تزايد أهمية هذه الموارد وتعدد الطرق التي تصل من خلالها البعثات إلى مناطق التعدين، برزت في الوقت نفسه ضرورة تأمين هذه الطرق وحماية المنطقة التي تمر عبرها.

ان موقع سيناء لم يمنحها قيمتها الاقتصادية فحسب، وإنما جعل منها كذلك البوابة الشرقية لمصر. ومن هنا أُقيمت سلسلة من القلاع والمحطات العسكرية، انطلاقًا من قلعة ثارو، في القنطرة شرق، وعبر شمال سيناء، حتى منطقة رفح الحالية. وتشير الأدلة الأثرية في تل حبوة وتل البرج إلى أن هذه المنشآت لم تكن مجرد تحصينات عسكرية، بل ضمت مرافق إدارية ومخازن ومنشآت خدمية، بما يعكس أهمية الطريق وحرص الدولة على تأمينه. وهكذا ارتبطت أهمية سيناء الاقتصادية بأهميتها الاستراتيجية.

هذا الإرث الطويل من الارتباط لم يغب عن الذاكرة المصرية، فحين احتُلت سيناء في يونيو 1967، كان ذلك قطعًا لحبل سُرّي يمتد منذ فجر التاريخ. ومن هنا جاءت حرب أكتوبر 1973 لتكون لحظةً لاستعادة جذور الانتماء، وعودة سيناء التي ظلت حاضرة في الذاكرة المصرية بوصفها جزءًا أصيلًا من الأرض والتاريخ. 

في السادس من أكتوبر، عبرت القوات المصرية القناة، وحطّمت خط بارليف الذي ظُنّ حصنًا لا يُخترق، وحققت مفاجأة استراتيجية بدّلت موازين الشرق الأوسط. 

صحيح أن سيناء لم تتحرر بالكامل في ذلك اليوم، لكن أكتوبر فتح الباب الذي ظلّ موصدًا. فبعد الحرب تغيّرت الحسابات، وعادت الثقة إلى المقاتل العربي، حتى تُوّج ذلك باتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978، ثم معاهدة السلام في مارس 1979 التي نصّت على انسحاب إسرائيلي كامل. اكتمل المشهد في الخامس والعشرين من أبريل 1982، حين خفق العلم المصري فوق رفح، البوابة الشرقية القديمة. وبعد سنوات من معركة دبلوماسية وقانونية، حُسم أمر طابا لصالح مصر بتحكيم دولي عام 1989، لتُغلق آخر صفحة من ملف الاسترداد.

في ذكرى أكتوبر، وعلى رمال سيناء، حيث يهمس التاريخ في أذن الحاضر، كتب جنود أكتوبر ملحمة الاستبسال بمداد من نور. هناك، على الخط الذي رسمه الأجداد منذ فجر الزمان، وقف الجندي المصري يستعيد مجدًا لم يغب يومًا عن الوجدان. وحين وطئت أقدامهم أرضًا عبرتها جيوش تحتمس الثالث، وطرد منها سيتي الأول ورمسيس الثاني كل من تسوّل له نفسه أن يدخلها عنوة، كان استردادها امتدادًا طبيعيًا لجيش الأجداد، وصدى خالدًا لملوك مصر العظام الذين حرسوا هذه البوابة الشرقية منذ فجر التاريخ.

من قلعة ثارو التي لا تُفتح إلا لمن يحمل إذنًا، إلى معبد حتحور سيدة الفيروز، إلى عبور الجندي المصري قناة السويس، ظلت سيناء ذاكرة وطن وحدوده وثروته وبوابته إلى العالم.

وفي ذكرى السادس من اكتوبر، نستحضر معًا جنود أكتوبر الذين أعادوها إلى حضن الوطن، وأجدادًا حرسوها منذ فجر التاريخ.

تم نسخ الرابط