عاجل

التوتر المتزايد داخل الأراضي الإثيوبية يفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول مستقبل الدولة نفسها فالأزمة لم تعد محصورة في خلاف سياسي 
أو مواجهة دبلوماسية مع دول الجوار وإنما أصبحت تتشابك فيها الصراعات الداخلية والتوترات الإقليمية وأزمة سد النهضة والعلاقات المتدهورة مع إريتريا والسودان ومصر فلم يعد المشهد الإثيوبي مجرد خلاف 
مع دول الجوار ولم تعد أزمة النيل ملفاً منفصلاً عن بقية أزمات المنطقة فكلما ارتفع منسوب التوتر داخل إثيوبيا ازدادت حساسية الملفات الخارجية وأصبح السؤال أكبر من مجرد سد 
أو مفاوضات إلى أين تتجه إثيوبيا إذا اجتمعت عليها أزمات الداخل وضغوط الخارج فخلال الساعات الأخيرة اتخذ التصعيد منحى أكثر حساسية بعدما أعلنت إثيوبيا بإنذار دبلوماسي مصري بالمغادرة لترد القاهرة بإجراء مماثل في وقت كانت فيه العلاقات الإثيوبية الإريترية ايضاً قد وصلت إلى مرحلة شديدة الخطورة كما عادت المواجهات في تيغراي إلى الواجهة مع اتساع دائرة الصراع وهنا تظهر القضية الأخطر هل تستطيع إثيوبيا إدارة كل هذه الملفات في وقت واحد فالدولة التي تواجه ضغوطاً داخلية وأمنية واقتصادية وتدخل في الوقت نفسه في صدامات متزايدة مع محيطها تحتاج إلى قدر هائل من الحكمة السياسية حتى لا يتحول الضغط الخارجي إلى وقود لأزمة داخلية أكبر لأن إثيوبيا تواجه تعقيدات سياسية وأمنية وإقليمية متشابكة وأي تصعيد جديد في إحدى الجبهات يمكن أن ينعكس على الجبهات الأخرى وفي مثل هذه الظروف تصبح إدارة الخلافات بالحكمة ضرورة لأن الدولة التي تفتح أكثر من جبهة في الوقت نفسه قد تجد نفسها أمام أزمات يصعب احتواؤها وفي قلب هذا المشهد يقف ملف مياه النيل لأن مصر تتعامل مع المياه باعتبارها قضية حياة وأمن قومي وتؤكد تمسكها بحقوقها ومصالحها المائية وترفض أن تتحول إدارة النهر إلى إجراءات أحادية الجانب تمس مصالح دول المصب وفي المقابل تتمسك إثيوبيا بحقها في التنمية واستغلال مواردها المائية لأن ملف مياه النيل هو الأكثر حساسية بالنسبة لمصر فالقاهرة تؤكد أن أمنها المائي ليس مجالاً للتنازل وتتمسك بحقوقها المائية بينما تواصل أديس أبابا التأكيد على حقها في تطوير مواردها المائية ورفض أي ترتيبات تعتبرها انتقاصاً من سيادتها وقد أكدت مصر والسودان رفضهما للإجراءات الأحادية التي قد تضر بمصالحهما المائية وطالبتا بالالتزام بمبادئ القانون الدولي والتشاور وعدم إحداث ضرر ذي شأن لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول المياه من مورد للحياة والتنمية إلى أداة للصراع السياسي ففكرة التحكم المنفرد في مورد مائي عابر للحدود أو التعامل مع المياه باعتبارها ورقة يمكن توظيفها في العلاقات مع دول المصب لا تزيد المنطقة إلا توتراً والأكثر خطورة أن تتحول مشروعات المياه إلى جزء من الحسابات الداخلية بحيث تصبح المواجهة الخارجية وسيلة لتغطية أزمات الداخل أو توحيد الجبهة الداخلية حول خطاب قومي شديد التصعيد فالتنمية حق والمياه حق والسيادة حق لكن حقوق الدول
لا تعني أن تتحول الأنهار العابرة للحدود إلى ملكية منفردة ولا أن تصبح المياه وسيلة ضغط على شعوب تعيش على ضفاف النهر نفسه والنيل ليس سلعة سياسية وليس ورقة للمساومة وليس ملكاً لدولة واحدة وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول فكرة التحكم في المياه إلى جزء من الحسابات السياسية الداخلية أو أن يصبح التصعيد مع دول المصب وسيلة لتوحيد الداخل خلف خطاب قومي فمثل هذه السياسة قد تحقق مكاسب سياسية مؤقتة لكنها تحمل في داخلها مخاطر استراتيجية كبيرة لأن ما يحدث الآن في إثيوبيا يجعل هذا الاحتمال محل متابعة وقلق إقليمي خصوصاً مع تداخل أزمة تيغراي مع التوتر مع إريتريا والخلافات حول السودان والبحر الأحمر وملف النيل فالتوترات المتعددة في منطقة القرن الأفريقي والصراعات الداخلية والتوترات الحدودية والإقليمية تجعل أي تصعيد جديد أكثر قابلية للانتشار وما يبدأ بخلاف دبلوماسي يمكن أن يتحول إلى أزمة سياسية ثم إلى أزمة أمنية إذا غابت قنوات الحوار ولهذا فإن تبادل الإجراءات الدبلوماسية بين القاهرة وأديس أبابا يجب ألا يُنظر إليه باعتباره نهاية الطريق
بل باعتباره إنذاراً بأن المسافة بين الخلاف السياسي والتصعيد أصبحت أكثر حساسية فمصر في المقابل تبدو أمام معادلة واضحة
لا تبحث عن أزمة لكنها لا تستطيع أيضاً أن تتعامل مع أمنها المائي باعتباره ملفاً قابلاً للتأجيل لأن مصر ليست أمام رفاهية التنازل 
عن أمنها المائي وفي الوقت نفسه ان حماية الحقوق لا تعني بالضرورة إغلاق باب السياسة فالدبلوماسية القوية ليست في رفع الصوت وإنما في امتلاك القدرة على حماية المصالح مع إبقاء أبواب الحل مفتوحة أما إثيوبيا فإن التحدي الأكبر أمامها قد يكون في الداخل قبل الخارج فكلما ازدادت الضغوط الداخلية يصبح اتخاذ القرارات المتزنة أكثر أهمية لأن الدولة لا تستطيع أن تعالج أزماتها الداخلية بفتح أزمات جديدة مع محيطها واللافت أن القاهرة ما زالت تترك مساحة للدبلوماسية والحلول السلمية بينما تؤكد في الوقت نفسه أن حماية أمنها المائي تمثل قضية أساسية لذلك فإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المنطقة هو أن تتحول سلسلة الأزمات الحالية إلى مسار تصادمي مفتوح أزمة داخلية في إثيوبيا وتوتر مع إريتريا وحرب مستمرة في السودان وخلاف حول مياه النيل وصراع متزايد على النفوذ فى البحر الأحمر لذلك لن تكون المشكلة في سد واحد ولا في خلاف دبلوماسي واحد وإنما في منظومة أزمات يمكن أن تتفاعل مع بعضها بصورة يصعب التحكم في نتائجها فالمشكلة الحقيقية ليست في اختلاف المصالح وإنما في الطريقة التي تُدار بها هذه الاختلافات بل يمكن لدول النيل أن تتعامل مع النهر باعتباره مساحة للتعاون والتنمية المشتركة ويمكنها إذا غلب منطق المواجهة أن تجعل منه أحد أخطر ملفات الصراع في المنطقة والاختيار هنا ليس بين الضعف والقوة بل بين عقل الدولة ومنطق التصعيد فالمنطقة تعبت من الحروب والأزمات وأي انفجار جديد في القرن الأفريقي لن يبقى محصوراً داخل حدود دولة واحدة لكن تأثيراته يمكن أن تمتد إلى البحر الأحمر والسودان ومصر وحركة التجارة والطاقة والأمن الإقليمي بأكمله لذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقول تعرف أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الأزمة وإنما في القدرة على منعها والرسالة الأهم هنا أن النيل لا ينبغي أن يكون نهراً للصراع بل نهراً للتعاون فإثيوبيا تحتاج إلى التنمية والطاقة ومصر تحتاج إلى المياه والسودان يحتاج إلى الاستقرار وحماية مصالحه وهذه المصالح لا يلغي بعضها بعضاً إذا حضرت الإرادة السياسية والعقل الدبلوماسي فهل تنجح الدبلوماسية خلال الأسابيع القادمة في احتواء العاصفة أم تستمر الأزمات في التراكم حتى تصل المنطقة إلى حالة يصعب عندها إيقاف الإنفجار لنجد أنفسنا أمام نقطة يصعب بعدها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء

تم نسخ الرابط