تعيش منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية ظُلمة وعبثية حيث تندلع الحروب وتستعر المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين القوى الإقليمية - من إيران وحلفائها إلى دول الخليج والمحيط العربي.. وفي خضم هذا الاستنزاف الذاتي والتفتت الإقليمي يستغل الاحتلال الإسرائيلي انشغال الجميع لتسريع مشروعه التوسعي وترسيخ واقع هيمنة جديد يتجاوز الحدود التقليدية ليلامس جوهر العقيدة التوسعية التاريخية "من النيل إلى الفرات".
إن المشهد الراهن يعكس حالة مؤلمة من التدمير الذاتي حيث تُحارب المنطقة نفسها بنفسها عبر جبهات مشتعلة تُبدد مقومات الوحدة وتفرغ الأمن القومي العربي والإسلامي من مضمونه.. وتتركز الحالة غير المسبوقة في وضعية يمكن أن نطلق عليها ثلاثية النزيف الإقليمي لأمة تدمر نفسها ..
تتلخص هذه الثلاثية أولا في استنزاف الشرايين البحرية واقتصاد الطاقة حيث تحولت الممرات المائية الحيوية — كالبحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز من شرايين للتجارة العالمية إلى ساحات مفتوحة لتبادل الضربات واستعراض القوى بين طهران وحلفائها من جهة والتحالفات الدولية ودول المنطقة من جهة أخرى.. هذا التصعيد أضر بسلامة الملاحة العربية وهدد استقرار التجارة واستنزف الموارد الاقتصادية الحيوية للعديد من الدول العربية والخليجيةلتصل إلى أسوأ وضع اقتصادي وأمني في تاريخها ..
العنصر الثاني هو الانزلاق من "حرب الظل" إلى الصدام المباشر .. فلم تعد الصراعات محصورة في النفوذ غير المباشر بل انتقلت إلى مواجهات صريحة بالصواريخ والمسيرات واستهداف البنى التحتية وتهديد استقرار المدن.. وتتضاعف العبثية حين تُنفق مئات المليارات من ثروات المنطقة على صفقات التسليح وبناء منظومات الدفاع لمواجهة "الجار الإقليمي" في حين يغيب ردع "العدو المشترك".
وثالث العناصر وأكثرها سخرية واستهزاء بالوضع العربي هو شلل المنظومات الجامعة وغياب الرؤية الإستراتيجية .. فقد تحولت العواصم الكبرى في العالم العربي والإسلامي إلى محاور متنافسة تُسخر طاقاتها لتأمين حدودها ونفوذها البيني .. أدى هذا الاستقطاب إلى شلل شبه تام في مؤسسات العمل الجماعي - وفي مقدمتها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي - مما أفقر المنطقة التي تم تفريغها من أي رؤية إستراتيجية موحدة تحمي مصالحها العليا.
وبالطبع لايوجد فرصة تاريخية للكيان الغاصب للتمدد الإسرائيلي الشامل فيقوم باقتناص "الفرصة الذهبية" للتوسع وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى .. فهذا المشهد الإقليمي هو "فرصة تاريخية استثنائية" لتنفيذ مخططات إسرائيل على عدة مستويات .. أولها حسم الملف الفلسطيني بالقوة الأحادية واستغلال انشغال العواصم العربية بالحروب الداخلية لتسريع التهام الضفة الغربية.. وتفريغ قطاع غزة.. وإعادة رسم الخريطة الديموغرافية.. وتصفية أي مقومات لقيام دولة فلسطينية مستقلة..
بالإضافة إلى "الهيمنة الجيو-اقتصادية والأمنية" فلم يعد مشروع "من النيل إلى الفرات" مجرد حلم جغرافي قديم بل تحول في الفكر الإستراتيجي الصهيوني إلى فرض هيمنة أمنية واقتصادية وتكنولوجية مطلقة تمتد من ضفاف النيل حتى الخليج والفرات عبر التحكم بمسارات الملاحة وتطويق الأمن المائي والجنوبي للقوى المركزية وإبقاء المحيط العربي في حالة تفتت دائم..
وأخيرا المراهنة على الإنهاك المتبادل.. حيث يراقب الاحتلال بكل أريحية تآكل القدرات العسكرية لإيران وحلفائها بالتوازي مع استنزاف الموارد المالية والأمنية للدول العربية بما يضمن خروج جميع الأطراف الإقليمية مجهدة وغير قادرة على الوقوف في وجه أطماعه..
أما المأساة الكبرى التي نواجهها فهي باختصار شديد أن سلاح الأمة أصبح الآن في غير موضعه وأصبح موجها لصدر العرب بعضهم البعض بدلا من توحيد الهدف وتوجيهه للعدو التاريخي المشترك .. فتكمن المأساة الحقيقية في أن السلاح والموارد التي كان ينبغي توجيهها لحماية الأرض والمقدسات ولجم التمدد الصهيوني، باتت توجه لإشعال الأزمات بين أبناء الأمة الواحدة وسفك الدماء في العواصم العربية !!
إن المعادلة الحالية تُقدم لكيان الاحتلال مكاسب مجانية لم يكن يحلم بتحقيقها عبر المواجهة المباشرة جيث يتم تفكيك الخصوم بجهد غير مباشر بترك القوى الإقليمية تستهلك بعضها البعض وتدمر مقومات قوتها بجهدها الذاتي.. مع "الاستفراد" بالشعب الفلسطيني وسط كل هذه الأحداث والحروب والأزمات الأمنية والاقتصادية ليتم الاستمرار في تصفية القضية الفلسطينية في ظل صمت وانشغال إقليمي ودولي تام.. هذا بخلاف ترك الساحة للقوى الغاصبة لفرض سياسة الأمر الواقع والتمدد الجغرافي والاستخباري والعسكري في البحر الأحمر وقرن إفريقيا والمنطقة الإقليمية دون رادع.
لقد وصلنا الآن لمرحلة لامفر فيها من ضرورة المراجعة الإستراتيجية قبل فوات الأوان بعد أن أصبحت المنطقة العربية والإسلامية بأكملها تعيش اليوم حالة من العمى الإستراتيجي إذ يقف "العدو الأصيل والتاريخي" موقف المشاهد المطمئن لصراعات جانبية تجسد أعلى درجات الهدر والعبثية..
وأخيرا فالأمرفي حاجة عاجلة لمراجعة تاريخية قبل فوات الأوان .. فلن يستقيم ميزان القوى ولن تتوقف حالة الانحدار إلا بوقفة تاريخية حازمة تعيد ترتيب الأولويات وتوقف نزيف الصراعات الداخلية لصالح بناء مشروع دفاعي وإستراتيجي عربي- إسلامي موحد قادر على صون الأمن القومي وحماية الأرض والشعوب من مخاطر التفتت والتمدد التوسعي المتصاعد.