عاجل

عندما نتحدث عن المياه، فإننا في الحقيقة نتحدث عن الإنسان. فالماء ليس مجرد مورد طبيعي أو قضية تتعلق بحسابات الدول وحصصها، وإنما يرتبط مباشرة بحقوق أساسية لا يستطيع الإنسان أن يعيش حياة كريمة من دونها، في مقدمتها الحق في الحياة والصحة والغذاء والعمل والتنمية.

وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010 الحق في مياه الشرب المأمونة والنظيفة والصرف الصحي باعتباره حقًا من حقوق الإنسان، وأكدت أن الحصول على المياه يمثل أساسًا للتمتع بالحياة وبسائر حقوق الإنسان، ومن هذا المنطلق، فإن حماية الموارد المائية لا يمكن فصلها عن مسؤولية الدول في حماية الإنسان وضمان مقومات الحياة الأساسية.

في هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى سد النهضة باعتباره خلافًا سياسيًا أو فنيًا بين دول حوض النيل فقط، وإنما يمكن قراءته أيضًا من منظور حقوق الإنسان: ماذا يحدث عندما تؤثر طريقة إدارة مورد مائي عابر للحدود في قدرة ملايين البشر على الحصول على احتياجاتهم الأساسية من المياه، وعلى قدرتهم على الزراعة والعمل وتأمين الغذاء والحفاظ على مستوى معيشي مستقر؟

وتكتسب المسألة أهمية استثنائية في مصر، لأن النيل ليس موردًا إضافيًا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، بل يمثل العمود الفقري للمنظومة المائية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. ولذلك فإن أثر سد النهضة لا ينبغي اختزاله في سؤال: كم مترًا مكعبًا من المياه يصل إلى مصر؟ فالمسألة الأعمق تتعلق أيضًا بمتى تصل المياه، وبأي انتظام، وتحت أي ظروف يمكن أن تنخفض التدفقات، وما قدرة الدولة على التنبؤ بهذه التغيرات والتعامل معها.

وتزداد حساسية المسألة خلال فترات الجفاف الممتدة. فإذا تزامن انخفاض الإيراد الطبيعي للنيل مع إدارة للسد تؤدي إلى تقليص التدفقات الواصلة إلى مصر، فإن الأثر المحتمل لا يتوقف عند نقص المياه المتاحة للشرب، بل ينتقل إلى قطاعات وحقوق مترابطة. فالمياه الأقل تعني ضغوطًا أكبر على الزراعة، وقدرة أقل على الحفاظ على الإنتاج الزراعي، ومخاطر إضافية على الأمن الغذائي، فضلًا عن زيادة الضغوط على شبكات مياه الشرب ومنظومات إعادة الاستخدام ومعالجة الصرف.

والزراعة تحديدًا تجعل قضية المياه أكثر التصاقًا بحقوق الإنسان. فالمياه التي تصل إلى الأراضي الزراعية لا تعني فقط إنتاج المحاصيل، وإنما تعني دخل ملايين الأسر، واستمرار أنشطة اقتصادية كاملة، وتوفير الغذاء، والحفاظ على فرص العمل في المجتمعات الريفية. ومن ثم فإن النقص المائي الممتد يمكن أن ينتقل أثره من النهر إلى الحقل، ومن الحقل إلى دخل الأسرة وأسعار الغذاء ومستوى المعيشة.

وهنا يصبح اليقين المائي جزءًا مهمًا من الحماية الحقوقية. فالمزارع يحتاج إلى معرفة الموارد المتاحة ليقرر ما يزرعه، والدولة تحتاج إلى بيانات دقيقة لإدارة السدود وشبكات الري ومياه الشرب، والقطاعات الاقتصادية تحتاج إلى التخطيط على أساس موارد يمكن توقعها. ولذلك فإن تبادل البيانات والمعلومات، والاتفاق على قواعد واضحة للتشغيل خلال سنوات الجفاف والسنوات الشحيحة، ليس مجرد ترتيب فني بين الحكومات، بل وسيلة لتقليل المخاطر التي يمكن أن تمس حياة ملايين البشر ومواردهم وحقوقهم.
وفي المقابل، فإن المنظور الحقوقي لا يعني إنكار حق إثيوبيا في التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية. فالتنمية نفسها ترتبط بحقوق الإنسان، والطاقة الكهرومائية يمكن أن تسهم في تحسين مستويات المعيشة. لكن ممارسة هذا الحق في نهر عابر للحدود تقتضي مراعاة الحقوق والمصالح الواقعة في دول المصب، بحيث لا تتحول منفعة مشروعة في دولة إلى مخاطر غير منضبطة على حقوق أساسية في دولة أخرى.

ومن هنا تبرز أهمية مبادئ التعاون، والاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، إلى جانب وجود قواعد واضحة للتشغيل، وآليات فعالة لتبادل البيانات، وترتيبات محددة للتعامل مع فترات الجفاف والسنوات الشحيحة. فكلما زادت القدرة على التنبؤ والتنسيق، أمكن تقليل الآثار الإنسانية والاقتصادية لأي انخفاض في التدفقات.

والقضية في جوهرها ليست البحث عن طرف ينتصر وطرف يخسر، وإنما كيفية إدارة مورد لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنه. فحق المواطن المصري في المياه وحق المواطن الإثيوبي في التنمية ليسا بالضرورة حقين متناقضين، وإنما يحتاجان إلى إطار للتعاون يوازن بين احتياجات دول المنبع والمصب، ويمنع انتقال مخاطر إدارة النهر إلى الشعوب التي تعتمد عليه في حياتها اليومية.

وفي النهاية، فإن حماية النيل ليست مسؤولية تجاه حاضرنا فقط، بل أمانة تجاه أجيال لم تولد بعد. فالماء الذي نحافظ عليه اليوم ليس ملكًا لجيل واحد، وإنما أساس لحقوق أجيال قادمة في الحياة والصحة والغذاء والعمل والتنمية. ولذلك فإن مستقبل الأنهار المشتركة لا ينبغي أن يُبنى على احتياجات اللحظة وحدها، وإنما على قواعد مستقرة وشفافة وقابلة للتطبيق، تضمن أن يظل النهر مصدرًا للحياة والتنمية، لا عاملًا يزيد هشاشة الإنسان أمام أزمات المستقبل.

تم نسخ الرابط