سباق القمر.. تنافس صيني أمريكي على موارد الفضاء والنفوذ العالمي
يتجدد التنافس بين الصين والولايات المتحدة في مجال استكشاف الفضاء، وسط سباق يتجاوز الوصول إلى القمر إلى أبعاد اقتصادية وإستراتيجية، تشمل استغلال موارده وإنشاء بنية تحتية دائمة أو طويلة الأمد وتعزيز النفوذ الدولي، إلا أن طموحات البلدين لا تزال تواجه تحديات تتعلق بجدوى المشروعات وقواعد حوكمة الفضاء.
وذكر موقع «إيست آسيا فوروم» أن أيًا من بكين وواشنطن لم يقدم حتى الآن مبررات مقنعة للمكاسب طويلة الأمد التي يمكن تحقيقها من الوجود المستمر على سطح القمر، مشيرًا إلى أن القيمة الإستراتيجية الأبرز لهذا التنافس قد تتمثل في تعزيز الهيبة والمكانة الوطنية والعالمية.
موارد القمر تشعل المنافسة بين القوتين
ويرتبط الجانب العلمي من السباق أيضًا باحتمالات مستقبلية تتعلق بقدرة البشر على الانتقال إلى مناطق أخرى من النظام الشمسي، في حين تتركز الأهداف العملية للبلدين على الوصول إلى القمر واستكشافه وتطوير بنية تحتية عليه، إلى جانب دراسة إمكانية الاستفادة من موارده لأغراض اقتصادية وأمنية.
ومنذ عام 2019، حذر مسؤولون وخبراء أمريكيون من احتمال سيطرة الصين على الموارد القمرية ووضع قواعد تنظيمية قد لا تتوافق مع المصالح الأمريكية.
وفي المقابل، وصفت وسائل إعلام صينية استكشاف الفضاء بأنه «منافسة على الوجود والاستدامة على المدى الطويل»، بينما قدم مسؤولون صينيون الولايات المتحدة باعتبارها منافسًا على موارد القمر.

الصين توسع قدراتها في الفضاء العميق
وبدأت الصين منذ عام 2000 أبحاثًا تمهيدية لاستكشاف القمر، قبل أن تطور برنامجًا متعدد المراحل قد يقود خلال السنوات المقبلة إلى إرسال رواد فضاء إلى سطحه.
واستند هذا البرنامج إلى بناء قدرات فضائية متقدمة، شملت توسيع إمكانات تصنيع وإطلاق الأقمار الاصطناعية والمركبات الفضائية، وتطوير صواريخ إطلاق قابلة لإعادة الاستخدام، وتشغيل محطة فضائية مأهولة، إلى جانب تنفيذ مهمات في الفضاء العميق.
وتسعى بكين، على غرار واشنطن، إلى توسيع التعاون مع شركاء دوليين في برامجها الفضائية، رغم استمرار التنافس بين القوتين على مستقبل الأنشطة القمرية.
ورغم صعوبة التعاون بين البلدين في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، فإن التجارب التاريخية تظهر إمكانية التوصل إلى تفاهمات في مجال الفضاء حتى خلال فترات التنافس الدولي.
فخلال الحرب الباردة، تمكنت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ودول أخرى من صياغة معاهدة الفضاء الخارجي عام 1967، كما أسفر التعاون لاحقًا عن مهمة «أبولو-سويوز»، التي شكلت إحدى مقدمات التعاون الدولي الذي أدى إلى إنشاء محطة الفضاء الدولية.
دعوات لقواعد مشتركة للاستخدام الآمن للفضاء
ويرى الموقع أن إيجاد أرضية مشتركة بين واشنطن وبكين بشأن قواعد الاستخدام الآمن والمستدام للفضاء، بما في ذلك البيئة القمرية، قد يخدم مصالح الطرفين، رغم التحديات التي قد تعترض مثل هذا التعاون.
وتبرز «اتفاقات أرتميس» باعتبارها أحد الأطر التي تقودها الولايات المتحدة لتنظيم الأنشطة الفضائية، إلا أنها مبادئ غير ملزمة تواجه حدودًا واضحة، في ظل عدم استعداد الصين للانضمام إلى إطار لم تشارك في صياغته ومع ذلك، يمكن لواشنطن الاستناد إلى المبادئ التي تتضمنها الاتفاقات خلال أي مفاوضات مستقبلية مع بكين بشأن حوكمة الفضاء.
وتطرح الخطط القمرية للبلدين تساؤلات أخرى بشأن العلاقة بين الأنشطة المزمعة والمكاسب الإستراتيجية المعلنة، فالتعدين على القمر لا يبدو ذا جدوى مالية كبيرة وفقًا لظروف أسواق السلع الحالية، كما لا توجد حتى الآن حجة واضحة تتعلق بالأمن القومي تجعل القمر أولوية، إلا إذا افترضت الدول أن موارده ومناطقه ذات قيمة تستوجب الحماية.
كذلك، لا توجد ضمانات بأن تحقيق السبق في نشاط قمري معين سيمنح الدولة صاحبة المبادرة القدرة على فرض معايير تلتزم بها بقية الدول.
ومن المتوقع أن تستحوذ الصين والولايات المتحدة على الجزء الأكبر من النشاط القمري خلال العقد المقبل، لكن قواعد تنظيم هذا النشاط لن ترتبط بالضرورة بنتيجة التنافس بينهما.

مهمة صينية تبحث عن الجليد المائي على القمر
فعلى سبيل المثال، من غير المرجح أن يؤدي بحث الصين عن الجليد المائي خلال مهمة «تشانغ آه-7» المقبلة إلى قبول الولايات المتحدة تلقائيًا لأي قواعد صينية تتعلق بتعدين المياه القمرية.
ويحمل السباق الفضائي الحالي، على غرار التنافس الذي شهدته حقبة الحرب الباردة، جانبًا رمزيًا يرتبط بالهيبة والمكانة الوطنية، وتمثل خطط الصين لإرسال رواد فضاء إلى القمر جزءًا من مسار يمتد لأكثر من 6 عقود، تسعى بكين من خلاله إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى.
وفي المقابل، أطلقت الولايات المتحدة برنامج «أرتميس» عام 2019، وقدمت من خلاله عودتها إلى القمر باعتبارها جزءًا من جهود الحفاظ على ريادتها العالمية في مجال الفضاء.



