لم يعد التعليم بالنسبة إلى كثير من الأطفال رحلة معرفية ممتعة، بقدر ما أصبح سباقًا متواصلًا مع الوقت والواجبات والاختبارات والدرجات. فمنذ بداية اليوم الدراسي وحتى العودة إلى المنزل، تتوالى الالتزامات بين الدراسة والدروس والواجبات والمراجعة، ثم يأتي الامتحان باعتباره المحطة التي يُقاس عندها كل هذا الجهد. وبين هذه الدائرة المتكررة، يبرز سؤال أكثر أهمية من مجرد شكل العام الدراسي أو عدد فصوله: أين يجد الطفل المساحة الكافية ليلعب، ويرتاح، ويكتشف مواهبه، ويعيش سنوات طفولته بصورة طبيعية؟
ومن هنا، فإن الحديث عن توحيد الفصلين الدراسيين أو تنظيم خريطة العام الدراسي لا ينبغي أن ينحصر في عدد الأسابيع الدراسية أو مواعيد الامتحانات والإجازات، وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال جوهري يتعلق بالطفل نفسه، باعتباره محور العملية التعليمية وهدفها الأول.
فالتعليم الجيد لا يقاس فقط بكمية المناهج التي يستطيع الطالب إنهاءها، ولا بعدد الاختبارات التي يخوضها، وإنما بقدرته على اكتساب المعرفة والفهم والتفكير والاستقلالية، دون أن تتحول المدرسة إلى مصدر دائم للضغط النفسي والإرهاق. فالطفل يحتاج إلى وقت للدراسة، لكنه يحتاج أيضًا إلى وقت للراحة والحركة واللعب والتواصل مع أسرته وأصدقائه.
وتزداد أهمية هذا الأمر في ظل التوسع في الدروس والمراجعات والواجبات، حيث قد يجد بعض الأطفال أنفسهم أمام يوم طويل يبدأ بالمدرسة وينتهي بالمذاكرة، بما يترك مساحة محدودة للنشاط البدني والهوايات والراحة. ومع تكرار هذا النمط، يمكن أن تتحول العملية التعليمية تدريجيًا من وسيلة لبناء شخصية الطفل إلى منظومة من الالتزامات التي تركز بصورة مفرطة على التحصيل والنتيجة النهائية.
ولا يعني ذلك أن تنظيم العام الدراسي أو توحيد نظام الفصلين يمثل مشكلة في حد ذاته؛ فالقضية الحقيقية ترتبط بكيفية تنفيذ النظام، ومدى ملاءمة حجم المقررات والزمن المتاح لها، وطبيعة التقييم، وعدد الواجبات والاختبارات، فضلًا عن قدرة المدرسة على تحقيق التوازن بين التحصيل الأكاديمي واحتياجات الطفل النفسية والاجتماعية والجسدية.
كما أن الأسرة تتحمل جانبًا مهمًا من مسؤولية إعادة هذا التوازن. فليس كل وقت يقضيه الطفل بعيدًا عن الكتاب وقتًا ضائعًا، وليس اللعب دائمًا خصمًا من رصيد التحصيل الدراسي. فاللعب والحركة والأنشطة الفنية والرياضية والاجتماعية يمكن أن تكون جزءًا من بناء شخصية متوازنة، وتساعد الطفل على تطوير مهارات لا توفرها الكتب والاختبارات وحدها.
وتحتاج المدرسة كذلك إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح؛ فالدرجات مهمة، لكنها ليست المؤشر الوحيد على نجاح الطفل. هناك الإبداع، والقدرة على التواصل، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والثقة بالنفس، والقدرة على تحمل المسؤولية. وكلها جوانب ينبغي أن تجد مكانًا داخل المنظومة التعليمية.
إن تطوير التعليم لا ينبغي أن يتحول إلى سباق مع الطفل، وإنما إلى رحلة تسير بإيقاع يناسب قدراته واحتياجاته العمرية. فالمطلوب ليس تقليل قيمة العلم أو تخفيف الجدية في التعليم، بل بناء نظام يحقق المعادلة الصعبة بين المعرفة والراحة، وبين الانضباط والمرونة، وبين الدراسة والحياة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد طفلًا يحفظ أكثر ويختبر أكثر، أم طفلًا يتعلم بصورة أفضل ويكبر بصورة أكثر توازنًا؟ فالمناهج تتغير، وأنظمة الدراسة تتطور، ومواعيد الامتحانات يمكن تعديلها، لكن سنوات الطفولة لا تتكرر، وما يفقده الطفل من حقه في اللعب والراحة والتجربة والاكتشاف قد يكون من الصعب تعويضه لاحقًا