عاجل

كل فترة يظهر مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية.. تبدأ المناقشات، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي، يتحدث الجميع عن الحضانة والرؤية والنفقة والاستضافة والولاية على الأطفال.. ثم فجأة يهدأ كل شيء، ويختفي القانون من المشهد ، ثم نبدأ من جديد.

هذه المرة، المفارقة أكبر  فآخر مشروع لقانون الأحوال الشخصية جهزته الحكومة وأحيل إلى مجلس النواب في مايو الماضي، ومع ذلك انتهى دور الانعقاد الأول دون أن تبدأ مناقشته، ثم عاد الحديث من جديد عن استكمال الملف في دور الانعقاد الحالي.. وهنا السؤال: لماذا كل هذا التأخير في قانون يمس ملايين الأسر المصرية؟ ولماذا لا نصل إلى صيغة نهائية تحسم هذا الملف الذي ظل مفتوحًا لسنوات؟.

هذا القانون يخص أمور مباشرة في حياة الناس، الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والرؤية والاستضافة والولاية على الأطفال، أي عن تفاصيل تمس حياة الأسرة بالكامل، وتحدد شكل العلاقة بين الأب والأم والأبناء بعد انتهاء الزواج.

المنظومة الحالية تعود جذورها إلى ما يقرب من ١٠٠ عام مع تعديلات محدودة جرت عليها على مدار السنوات.. وخلال هذه الفترة تغير المجتمع، وتغيرت طبيعة الأسرة، وظهرت مشكلات لم تكن موجودة بهذا الشكل من قبل، وأصبح من الضروري أن يكون لدينا تشريع واضح يواكب الواقع بدل أن تظل كل أزمة جديدة سببًا في فتح الملف من البداية.

الأخطر أن التأخير يحدث بينما المشكلة موجودة على الأرض كل يوم.. يوميا نشاهد فيديوهات لخناقات بين أزواج انفصلوا، وأب يتحدث عن حرمانه من رؤية أولاده، وأم تتحدث عن عدم حصولها على النفقة، وفي المنتصف طفل يتحول إلى طرف في خلاف لم يختره ولم يكن له أي ذنب فيه.

ولا يمكن أن نقول إن كل قصة على مواقع التواصل الاجتماعي تعبر عن الحقيقة الكاملة، لكن تكرار هذه الوقائع يكشف أن هناك أزمة تحتاج إلى معالجة تشريعية وتنفيذية جذرية، لا إلى انتظار موجة جديدة من الجدل كل عدة أشهر.

القانون الجديد لا يجب أن يكون معركة بين الرجل والمرأة.. هذه هي البداية الصحيحة للنقاش، فالأب له حقوق، ومن بينها أن يرى أبناءه وأن يحافظ على علاقة طبيعية بهم، والأم لها حقوق، ومن بينها ألا تتحول النفقة المستحقة لأطفالها إلى معركة طويلة أو وسيلة ضغط عليها، لكن الطفل له الحق الأكبر في أن يعيش بعيدا عن الصراع، وأن يحتفظ بعلاقته بأبيه وأمه دون أن يصبح ورقة تفاوض بينهما.

هنا تظهر مشكلة أكبر من صياغة مواد القانون نفسها: مشكلة التنفيذ.. ما قيمة حكم قضائي إذا ظل تنفيذه سببًا في نزاع جديد؟ وما قيمة حكم بالرؤية إذا تحول يوم التنفيذ إلى مشاجرة بين الأب والأم؟ وما قيمة حكم بالنفقة إذا احتاج صاحبه إلى إجراءات طويلة حتى يحصل على حقه؟!.

لهذا أرى أن أي إصلاح حقيقي للأحوال الشخصية يجب ألا يتوقف عند إصدار القانون، وإنما يجب أن يصاحبه نظام واضح لتنفيذ الأحكام الأسرية.. من ضمن المطالبات الجادة ، تكون هناك شرطة متخصصة لشؤون الأسرة، أو وحدات متخصصة داخل وزارة الداخلية، تتولى تنفيذ الأحكام المتعلقة بالرؤية والاستضافة والحضانة وغيرها، وتكون لديها كوادر مدربة على التعامل مع هذه النوعية من النزاعات؟ الهدف ليس تحويل الخلافات الأسرية إلى قضايا أمنية، وإنما منع الاحتكاك بين أطراف وصلت علاقتهم إلى طريق مسدود، وضمان تنفيذ الحكم بطريقة تحفظ كرامة الأب والأم وتحمي الطفل.

كذلك يجب أن يحسم القانون مسألة الاستضافة والرؤية بشكل يقلل مساحة الخلاف.. لا يمكن أن يظل حق الأب في رؤية أبنائه مرتبطًا بمدى اتفاقه مع الأم، ولا يجوز في المقابل أن تستخدم الحضانة أو النفقة أو أي حق آخر كوسيلة لمعاقبة الطرف الآخر.

الطلاق ينهي علاقة زوجية، لكنه لا يلغي الأبوة، ولا يلغي الأمومة، ولا ينهي مسؤولية الطرفين تجاه الطفل.  وهذا تحديدًا ما يجب أن يضعه المشرع أمام عينيه ، نحن لا نحتاج قانونًا جديدًا لمجرد تغيير نصوص قديمة.. ولكن نحتاج قانونًا يغلق أبواب النزاع التي يعرفها كل من تعامل مع محكمة الأسرة، ويضع مواعيد وإجراءات أكثر وضوحًا، ويضمن سرعة تنفيذ الأحكام، ويمنع استخدام الطفل في تصفية الحسابات.

الأهم أن يكون هناك وضوح في التعامل مع المشروع الموجود بالفعل.. إذا كانت هناك مواد تحتاج إلى تعديل، فليتم الإعلان عنها ومناقشتها، وإذا كانت هناك ملاحظات من الجهات المختصة أو من المتخصصين في القانون والأسرة، فليكن الحوار حولها واضحًا، أما أن يعرف المواطن أن هناك مشروعًا أُحيل إلى البرلمان، ثم يظل ينتظر معرفة متى تبدأ مناقشته ومتى ينتهي، فهذا لا يساعد على بناء الثقة في مسار التشريع.

قانون الأحوال الشخصية ملف كل أسرة يمكن أن تتأثر به، وكل طفل يمكن أن يجد نفسه يومًا في إحدى هذه الحالات.

ولهذا فإن السؤال أصبح: لماذا يتأخر؟ ومتى ينتهي هذا الانتظار؟ ومتى يصبح لدينا قانون واضح، قابل للتطبيق، يحمي الطفل، ويضمن للأب حقه، ويحمي الأم من التعنت، ويضع حدًا لحالة الفوضى التي تبدأ غالبًا بعد انتهاء الزواج.

تم نسخ الرابط