الصين تحشد إمكانات الدولة لقيادة سباق الذكاء الاصطناعي من أمريكا بحلول 2030
تواصل الصين توسيع استثماراتها الحكومية في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، ضمن استراتيجية تقودها بكين لتعزيز قدراتها التكنولوجية ومنافسة الولايات المتحدة في أحد أبرز سباقات التكنولوجيا عالميًا، وسط تقديرات بوصول الاستثمارات التي ضختها الصناديق الحكومية في شركات الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من 184 مليار دولار بين عامي 2000 و2023.
ويقود الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا التوجه، معتبرًا الذكاء الاصطناعي محركًا رئيسيًا للتحول الاقتصادي المقبل، بينما تراهن بكين على قدرتها على حشد التمويل الحكومي والبنية التحتية والشركات الخاصة لتنفيذ أهدافها التكنولوجية على نطاق واسع.
مليارات الدولارات لدعم الذكاء الاصطناعي
وضخت الصناديق التي تقودها الدولة مليارات الدولارات في شركات الذكاء الاصطناعي على مدار أكثر من عقدين، فيما واصلت الحكومة والبنوك المملوكة للدولة تقديم تمويل إضافي للقطاع.

وتستعد الصين كذلك لضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات، في إطار توجه يعتمد على توظيف موارد الدولة لدعم نمو القطاع.
وتظهر هذه الاستراتيجية في المجمعات التكنولوجية التي أنشأتها الصين، حيث تعمل مئات الشركات على تطوير الرقائق المتقدمة ونماذج الذكاء الاصطناعي، بينما تقدم الحكومات المحلية دعمًا يتضمن قدرات حوسبة مجانية وحوافز مالية.
وفي شنغهاي، قدمت السلطات حوافز بملايين الدولارات للشركات التي تحقق اختراقات مهمة في المجال، بينما خصصت جهات ومؤسسات صينية مبالغ كبيرة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنشاء مجمعات صناعية متخصصة.
الذكاء الاصطناعي في المصانع والمستشفيات
ولا تقتصر الخطة الصينية على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما تستهدف دمج التكنولوجيا في قطاعات واسعة من الحياة اليومية.
وتسعى بكين إلى توسيع استخدام أدوات ووكلاء الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء البلاد بحلول عام 2030، بما يشمل المصانع والمستشفيات والمدارس وأنظمة المرور.
كما تراهن الصين على الروبوتات لمواجهة تداعيات انخفاض عدد السكان وارتفاع معدلات الشيخوخة، من خلال استخدامها في بعض الوظائف وتقديم خدمات صحية رقمية لسكان المناطق الريفية.

تركيز على التطبيقات العملية
ويختلف النهج الصيني في بعض جوانبه عن التركيز الأمريكي على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي العام، إذ يعطي المسؤولون في بكين أهمية أكبر للتطبيقات العملية التي يمكن دمجها سريعًا في الاقتصاد والصناعة.
كما تراهن الصين على النماذج مفتوحة المصدر، التي تتيح للشركات والمستخدمين الوصول إلى التقنيات وتعديلها وتطويرها، وهو توجه ساعد شركات صينية على توسيع انتشار نماذجها عالميًا.
استراتيجية بدأت قبل أكثر من عقد
وتعود جذور الاستراتيجية الصينية إلى سنوات سابقة، إذ دعا شي جين بينغ عام 2014 إلى تحول الصين من مجرد مستورد للتكنولوجيا إلى قوة رئيسية في إنتاجها، قبل أن تطلق بكين في 2017 خطة وطنية للذكاء الاصطناعي تستهدف الوصول إلى موقع ريادي عالمي في المجال بحلول عام 2030.
ومنذ ذلك الحين، توسع الدعم الحكومي للقطاع بالتزامن مع نمو الشركات الخاصة، خصوصًا مع صعود شركات ناشئة مثل «ديب سيك»، التي ساهم ظهورها في تسليط الضوء على قدرة الشركات الصينية على تطوير نماذج متقدمة بتكاليف أقل نسبيًا.
آلاف الشركات وملايين الروبوتات
وفي نهاية عام 2025، تجاوز عدد شركات الذكاء الاصطناعي في الصين 6 آلاف شركة، فيما وصلت قيمة الصناعة الأساسية إلى نحو 171 مليار دولار، بحسب الأرقام الواردة في التقرير.
كما تمتلك الصين أكثر من مليوني روبوت مستخدم في المصانع، مما يعكس حجم اعتمادها المتزايد على الأتمتة والروبوتات في القطاع الصناعي.
الرقائق تمثل أبرز التحديات
ورغم توسع الاستثمارات، تواجه الصين تحديات أبرزها نقص الكفاءات المتخصصة والقيود المفروضة على وصولها إلى أكثر الرقائق تقدمًا، وهي مكونات أساسية لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة.

وأنفقت بكين عشرات المليارات من الدولارات على مدى سنوات لتطوير صناعة محلية للرقائق، لكن القيود التكنولوجية لا تزال تمثل عقبة أمام الوصول إلى أحدث مستويات الحوسبة.
وتزداد أهمية هذه المشكلة في ظل القيود الأمريكية على تصدير بعض الرقائق المتقدمة إلى الصين، فيما لا تزال الشركات الصينية تعتمد على مسارات بديلة للوصول إلى قدرات الحوسبة اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي.
سباق تكنولوجي مع الولايات المتحدة
وترفض بكين الدعوات إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، في وقت ترى فيه أن القيود المفروضة على وصولها إلى التكنولوجيا المتقدمة تجعل تسريع قدراتها المحلية أولوية.
وفي المقابل، تتابع واشنطن التقدم الصيني عن كثب، وسط نقاشات متزايدة حول القيود على التكنولوجيا والرقائق والنماذج مفتوحة المصدر، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي أحد الملفات الرئيسية في المنافسة التكنولوجية بين البلدين.
ولا يدور هذا التنافس حول تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي فقط، بل يمتد إلى قدرة كل دولة على دمج التكنولوجيا في الصناعة والاقتصاد والخدمات، وتحويلها إلى تطبيقات واسعة النطاق.



