عاجل

 

كان الجو حارًا للغاية يومها فقررت المكوث في المنزل ولأن برنامج «القاهرة اليوم» الذي كان يقدمه الإعلامي الشهير عمرو أديب يستضيف رجل الأعمال ممدوح إسماعيل من لندن قررت أن أشاهد الحلقة مع زوجتي آنذاك [ أم البنات] .

كانت «السلام الغارقة» حديث الساعة في مصر وكان اسم ممدوح إسماعيل قد ظل حاضرًا في الصحافة ووسائل الإعلام لما يقرب من عام وسط هجوم متواصل عليه ولهذا كنت أرغب في أن أسمع الرجل بنفسه بعيدًا عما كتب وقيل عنه خصوصًا أن هذا اللقاء كان ظهوره الأول .
ظهر الرجل من غرفة مغلقة كأنما يطل على مصر كلها من خلف باب موصد وما إن بدأ الحوار حتى أمطره عمرو أديب بأسئلته القاسية سؤالًا وراء آخر وكانت نبرة الحوار مشحونة بالتوتر وكأن شيئًا ما قد ينفجر في أي لحظة لكن ممدوح إسماعيل ظل هادئًا على نحو لافت ؛ كانت ردوده في غاية الأدب والإقناع غير أن ما لفتني أكثر كان نبرة صوته ؛ فقد كان يتحدث بانكسار واضح وكأن حجم الإساءة والافتراء اللذين قال إنه تعرض لهما قد تركا أثرًا عميقًا في نفسه ..
كان يبدو لي أنه يرى نفسه مظلومًا من الإعلام والصحافة بعدما صوّروه كما بدا من حديثه وكأنه «دراكولا»!
شيئًا فشيئًا وجدتني أتعاطف معه والأغرب أنني لم تكن تربطني بهذا الرجل أي صلة لا من قريب ولا من بعيد بل إنني قبل الحادث لم أكن أسمع عنه من الأساس !!
دلفت إلى غرفتي تلك الليلة وأنا أشعر بضيق واكتئاب لا أعرف لهما سببًا واضحًا وظل مشهد الرجل ونبرة صوته المنكسرة يدوران في رأسي حتى غلبني النوم.
وكعادتي استيقظت في الثامنة صباحاً لكنني هذه المرة استيقظت مشبعًا بفكرة مقال عن ممدوح إسماعيل !! رجل الأعمال الذي أصبح في نظر المصريين «رجل العبارة الغارقة» والذي وجدتني على غير ما توقعت أتعاطف معه في ليلة الأمس ..
جلست أفكر كيف يمكن لرجل لم أكن أعرف عنه شيئًا قبل تلك الحلقة أن يشغلني إلى هذا الحد؟ وما الذي رأيته أو سمعته منه حتى بقيت حكايته عالقة في ذهني طوال الليل؟!! وشرعت في كتابة مقال تحت عنوان: «ارحموا عزيز قومٍ!!» وعلي الفور اتصلت بالأستاذ محمد سمير المسؤول التنفيذي للجريدة والذي كنت قد تعرفت إليه قبل فترة على مائدة الأستاذ وحيد حامد بالمريديان وعرضت عليه المقال، فوافق على نشره في اليوم التالي ..
وهكذا خرج المقال إلى النور وكنت وقتها فيما أذكر الوحيد في برّ المحروسة الذي كتب متعاطفًا مع ممدوح إسماعيل رجل عبارة «السلام» الغارقة !!
نزل المقال وفرحت به في المساء، حين رأيته في الطبعة الأولى للجريدة وشعرت بسعادة كبيرة ونمت تلك الليلة سعيدًا للغاية دون أن أعرف أن صباح اليوم التالي يحمل لي مفاجأة لم تخطر لي على بال .. 
استيقظت في السابعة والنصف صباحًا على صوت التليفون الأرضي يرن ؛ كان الرنين مفاجئًا إلى درجة أفزعتني وأفزعت زوجتي انذاك أيضًا ؛ أجابت هي على المكالمة ثم فوجئت بها تمد لي السماعة وتهمس:
— منصور حسن.
نظرت إليها غير مستوعب:
— منصور حسن مين؟
قالت:
— الوزير المشهور ؟!
— أيوه .. 
أخذت السماعة من يدها وأنا أحاول أن أستوعب لماذا يحدثني هاتفيًا منصور حسن وزير الإعلام والثقافة وشؤون الرئاسة في عهد السادات !! ولماذا في هذا التوقيت المبكر؟ ومن أين حصل أصلًا على رقم تليفون منزلي؟
كانت أسئلة كثيرة تدور في رأسي بينما جاءني صوته من الطرف الآخر :
— ألو، صباح الخير يا فندم.
— آسف يا تامر إني صحيتك بس أنا لسه قاري مقالك عن ممدوح إسماعيل فكلمت الوالد على طول وخدت رقمك عشان أشكرك وأشجعك !!
فرحت كما لم أفرح من قبل وشعرت بفخر شديد بينما كانت زوجتي آنذاك تستمع إلى تلك الشهادة فيما كتبت.
قلت له:
— ألف شكر يا فندم.
فقال:
— أنت راجل منصف وجدع وأنا قلت لازم أنصفك لأن فيه كتير هيهاجموك جامد وهيكسروا مقاديفك ..
ثم أملى عليّ رقمه وطلب مني أن أسجله وأن أظل على تواصل معه - رحمه الله - وللحديث بقية مع رجل العبارة ..

تم نسخ الرابط