عاجل

بينما نتابع تصريحات وزير الري بشأن سد النهضة، يحدث في الداخل الإثيوبي ما يستحق أن نتوقف أمامه.. لأن ما يجري هناك قد يساعدنا على فهم المشهد بصورة أوسع من مجرد الحديث عن السد ومياه النيل.

وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم قال عبارة تختصر جانبًا مهمًا من جوهر القضية: " بناء سد على نهر دولي ليس مثل فرش سجادة في المنزل" . ورغم بساطة التعبير، فإنه يضع أيدينا على جوهر القضية.

فالسد يمكن أن يكون مشروعًا للكهرباء والتنمية من وجهة نظر إثيوبيا، لكن النهر لا يبدأ عند السد ولا ينتهي عنده. هناك دول أخرى ترتبط به، وملايين البشر تعتمد على مياهه، وبالتالي فإن أي مشروع كبير عليه لا يمكن أن يُدار بمنطق القرار المنفرد.

وهنا يأتي السؤال الذي يهم المواطن المصري قبل أي حديث فني أو سياسي:

ماذا سيحدث للمياه التي تصل إلينا؟

كيف تتم إدارة التخزين؟ ماذا يحدث في سنوات الجفاف؟ كيف يتم تبادل المعلومات؟ وما القواعد التي تضمن ألا تتحول الظروف الاستثنائية إلى أزمة جديدة؟

هذه هي النقطة التي تجعل سد النهضة أكبر من مجرد منشأة لتوليد الكهرباء.

إنه ملف يمس حياة المصريين، ويرتبط بأمنهم المائي، وفي الوقت نفسه يتداخل مع حسابات سياسية وأمنية واقتصادية تمتد إلى خارج الحدو.

لكن لفهم الصورة كاملة، علينا أن ننظر قليلًا إلى داخل إثيوبيا نفسها.

فالدولة التي تدير سد النهضة تشهد في الوقت ذاته تطورات سياسية وأمنية لافتة، كان أحدثها إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف في مواجهة حكومة آبي أحمد، وتضم هذه التشكيلة قوى من مناطق ومكونات كانت بينها في السابق مواجهات وخلافات، من بينها تيجراي وأمهرة وأوروميا.
والخبر هنا ليس فقط أن سبع جماعات اجتمعت. الأهم أن قوى كانت تتواجه فيما بينها وجدت نفسها اليوم أمام خصم مشترك.

وهذا لا يعني أن التحالف أصبح قوة واحدة متماسكة، ولا يعني أن الحكومة الإثيوبية فقدت السيطرة على البلاد. فلكل طرف حساباته، وبين هذه القوى اختلافات كبيرة، وقدرة هذا التحالف على الاستمرار والعمل المشترك ستظل مرتبطة بتطورات الميدان والسياسة.

لكن وجود هذا التحالف في حد ذاته يقول شيئًا مهمًا: الداخل الإثيوبي ليس هادئًا، والمشهد السياسي والأمني أصبح أكثر تعقيدًا.

وهنا نصل إلى نقطة مهمة. فلا توجد علاقة مباشرة معلنة بين هذا التحالف وبين سد النهضة، وليس من الدقة أن نقول إن أحدهما تسبب في الآخر.

لكن الاثنين موجودان داخل الدولة نفسها.

وهذا مهم؛ لأن إدارة مشروع استراتيجي بحجم سد النهضة لا تتم بمعزل عن قدرة الدولة على إدارة أوضاعها الداخلية، ولا عن علاقتها بجيرانها، ولا عن قدرتها على اتخاذ قرارات مستقرة وطويلة المدى.

بمعنى أبسط: كلما زادت ضغوط الداخل، أصبحت إدارة الملفات الخارجية أكثر تعقيدًا.

وإثيوبيا ليست دولة بعيدة عن دوائر التأثير من حولها.

هي دولة رئيسة في حوض النيل، وفي قلب القرن الأفريقي، ولديها موقع قريب من البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وإلى جوارها السودان الذي يعيش حربًا مفتوحة، وإريتريا التي ترتبط بها ملفات أمنية وسياسية حساسة، فضلًا عن تداعيات أزمة تيجراي وما تركته من آثار داخلية وإقليمية.
ولهذا، فإن قراءة سد النهضة بمعزل عن هذه الخريطة ستكون قراءة ناقصة.

ومن هنا، فإن التحرك المصري في أفريقيا ليس ملفًا جانبيًا عن سد النهضة، بل هو جزء من إدارة القضية نفسها.

كل حضور مصري في دول حوض النيل، وكل مشروع تنموي، وكل شراكة اقتصادية، وكل مساحة حوار، يمكن أن تضيف إلى قدرة مصر على حماية مصالحها وبناء علاقات أكثر توازنًا في محيطها.
وفي النهاية، فإن قوة الموقف المصري لا تقاس فقط بقدرتنا على مواجهة الأزمة، وإنما أيضًا بقدرتنا على توسيع الخيارات أمامها.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: ماذا يحدث في سد النهضة؟

ولكن: ماذا يحدث داخل إثيوبيا؟ وكيف تتغير خريطة الإقليم؟ وكيف تستطيع مصر أن تحوّل هذا التعقيد إلى مساحة أوسع لحماية أمنها المائي وبناء مصالح مشتركة مع محيطها الأفريقي؟

فالنيل ليس مجرد مياه تعبر بين الدول؛ النيل مصالح وجغرافيا وسياسة، وفي قلب المعادلة لا تتحرك المياه وحدها، بل تتحرك معها المصالح، وتعيد السياسة رسم ما حولها.

تم نسخ الرابط