عاجل

عندما نتحدث عن الجيش المصري، فإننا لا نتحدث فقط عن مؤسسة عسكرية تقف على الحدود وتحمل السلاح في مواجهة أي تهديد خارجي، وإنما أمام مؤسسة حدد الدستور مهمتها بصورة واضحة، وربط وجودها بحماية الدولة وأمنها وسلامة أراضيها ومقوماتها الأساسية. وهنا يأتي النص الحاسم في المادة 200 من الدستور المصري التي تنص على أن: «القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد».

وهذا النص يكشف بوضوح أن مفهوم الأمن القومي المصري أوسع بكثير من مجرد حماية الحدود، وأن القوات المسلحة تتحرك داخل منظومة وطنية هدفها حماية الدولة والمجتمع ومقومات بقائهما. فحماية الأمن السياسي، وفقًا للمنظور الدستوري، ترتبط بحماية الدولة ومؤسساتها وصون الدستور والديمقراطية ومنع أي تهديد يستهدف وجود الدولة أو استقلال قرارها أو سلامة أراضيها. ومن هنا فإن امتلاك مصر لقوة عسكرية قادرة على الردع وحماية حدودها ومواجهة التنظيمات المسلحة والتهديدات العابرة للحدود يمثل أحد أعمدة الاستقرار السياسي للدولة.

أما الأمن الاجتماعي، فهو جزء لا ينفصل عن الأمن القومي؛ فالدولة التي لا تستطيع توفير الخدمات الأساسية والبنية التحتية والرعاية الصحية والإسكان والمياه لمواطنيها تصبح أكثر عرضة للاضطراب والضغط. ولذلك شاركت القوات المسلحة، وفق ما تعلنه وزارة الدفاع، في تنفيذ مشروعات الإسكان والرعاية الصحية والطرق والكباري والأنفاق والمياه والصرف الصحي وتنمية سيناء والمناطق العشوائية وغيرها من مشروعات البنية الأساسية.  وهذه الأدوار لا تعني أن الجيش يحل محل مؤسسات الدولة المدنية، وإنما تعكس استخدام الدولة لقدراته الهندسية والتنفيذية واللوجستية في مشروعات ذات طبيعة قومية.

ويأتي الأمن الغذائي في قلب معادلة الأمن القومي المصري، خصوصًا في ظل الأزمات العالمية واضطراب سلاسل الإمداد والحروب التي أثبتت أن الغذاء يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط سياسية. والدستور نفسه ينص في المادة 79 على حق المواطن في غذاء صحي وكاف وماء نظيف، ويلزم الدولة بتأمين الموارد الغذائية وتحقيق السيادة الغذائية بصورة مستدامة.  ومن هنا تأتي مشروعات الزراعة واستصلاح الأراضي والإنتاج والتصنيع الغذائي التي تشارك فيها مؤسسات الدولة المختلفة، ومن بينها القوات المسلحة، باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع تستهدف تعزيز قدرة الدولة على تأمين احتياجات مواطنيها.

والأمر ذاته ينطبق على الأمن البيئي، الذي لم يعد قضية رفاهية أو ملفًا ثانويًا، وإنما أصبح جزءًا من الأمن القومي. فالدستور ينص في المادتين 45 و46 على حماية البحار والشواطئ والبحيرات والممرات المائية والمحميات الطبيعية، ويؤكد حق كل إنسان في بيئة صحية سليمة، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يضمن التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة.  وبالتالي فإن حماية المياه والأراضي والسواحل والموارد الطبيعية، وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية التي تحد من مخاطر التلوث أو نقص الخدمات، تدخل ضمن منظومة حماية مقومات الحياة نفسها.

لكن يظل السور الأول للأمن القومي هو الحدود المصرية. فمصر دولة محورية، تقع في قلب منطقة شديدة الاضطراب، وتجاور مساحات جغرافية شهدت خلال السنوات الماضية حروبًا أهلية وصراعات مسلحة وانتشارًا لتنظيمات إرهابية وشبكات تهريب وهجرة غير شرعية. ولذلك فإن حماية الحدود البرية والبحرية والجوية ليست مجرد مهمة عسكرية تقليدية، وإنما هي دفاع عن الاقتصاد والمجتمع والاستقرار السياسي والسيادة الوطنية.

والحقيقة التي يجب إدراكها أن الأمن القومي المصري لم يعد مفهومًا عسكريًا ضيقًا؛ فالغذاء أمن قومي، والمياه أمن قومي، والطاقة أمن قومي، والاقتصاد أمن قومي، والبيئة أمن قومي، والاستقرار الاجتماعي أمن قومي، والحدود والسيادة أمن قومي. والجيش المصري، وفقًا للدستور، يقع في قلب منظومة حماية الدولة ومقوماتها، إلى جانب مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والاقتصادية.

لهذا فإن قوة الجيش لا تقاس فقط بما يمتلكه من سلاح وقدرات قتالية، وإنما أيضًا بقدرته على حماية المجال الوطني الذي تتحرك داخله الدولة والمجتمع. فحين تكون الحدود آمنة، ومقدرات الدولة محمية، وقدرتها على مواجهة الأزمات قائمة، تصبح التنمية ممكنة والاستقرار أكثر قابلية للاستمرار. وهذه هي فلسفة الأمن القومي في معناها الأوسع: دولة قادرة على حماية أرضها، وصون مؤسساتها، وتأمين مواردها، وحماية مجتمعها، والحفاظ على حق أجيالها القادمة في وطن آمن ومستقر.

تم نسخ الرابط