لماذا منعت واشنطن الرئيس الفلسطيني من دخول نيويورك بينما سمحت للنظام الإيراني؟
أكدت الدكتورة تمارا حداد، الباحثة السياسية الفلسطينية، أن منع الولايات المتحدة الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي يتجاوز مسألة منح تأشيرة دخول، ليعكس استمرار التوتر السياسي بين واشنطن والقيادة الفلسطينية، ومحاولة استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي لدفع السلطة الفلسطينية إلى تغيير بعض مواقفها وسياساتها.
وأوضحت الدكتورة تمارا حداد في حديث خاص لموقع نيوز رووم، أن الإدارة الأمريكية بررت قرارها بوجود ما تعتبره إخفاقا فلسطينيا في تنفيذ التزامات وإصلاحات، إلى جانب التحرك الفلسطيني في المؤسسات والمحاكم الدولية.
وقالت الباحثة السياسية الفلسطينية إن توقيت القرار يحمل دلالة سياسية كبيرة، خصوصا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تمثل المنبر الدولي الأوسع الذي تستطيع القيادة الفلسطينية من خلاله عرض رؤيتها بشأن الحرب في غزة، والاستيطان والضفة الغربية، والدفع باتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحل الدولتين.
وأضافت أن منع الرئيس محمود عباس من الحضور شخصيا يحرم الجانب الفلسطيني من المشاركة المباشرة في نقاش دولي بالغ الأهمية.
وأشارت إلى أن اللافت هو أن الجمعية العامة نفسها صوتت بأغلبية 152 دولة مقابل 3 للسماح للرئيس عباس بالمشاركة عبر خطاب مسجل، وهو ما يعكس، بحسب وصفها، وجود تأييد دولي واسع لاستمرار الحضور الفلسطيني في أعمال الجمعية العامة، حتى في ظل المنع الأمريكي.
تمارا حداد: الخلاف لم يعد فلسطينيا أمريكيا فقط
وأشارت تمارا حداد إلى أن موقف الاتحاد الأوروبي الذي دعا واشنطن إلى إعادة النظر في قرارها، إلى جانب أسف الأمين العام للأمم المتحدة، يوضح أن القضية لم تعد فلسطينية - أمريكية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بمدى قدرة الأمم المتحدة على ضمان وصول ممثلي الدول والجهات المعتمدة إلى مقرها في نيويورك.
كما أكدت أن التحدي الأساسي يتمثل في عدم السماح بتحويل غياب الرئيس محمود عباس عن قاعة الأمم المتحدة إلى غياب للقضية الفلسطينية عن الأجندة الدولية.
وأضافت أن الخطاب الفلسطيني المرتقب عبر الفيديو يمكن أن يتحول إلى منصة سياسية لتأكيد المطالب الفلسطينية، خصوصا الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ووقف الحرب، وحماية المدنيين، ورفض الاستيطان والتهجير، والدفع نحو مسار سياسي يقود إلى حل الدولتين.
وأكدت الباحثة السياسية الفلسطينية أن القرار الأمريكي يمثل استمرارا لسياسة الضغط على القيادة الفلسطينية، لكنه في الوقت نفسه أظهر فجوة بين الموقف الأمريكي والموقف الغالب داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأوضحت أن واشنطن تمنع عباس من الحضور شخصيا، بينما اختارت أغلبية كبيرة من الدول الأعضاء أن تضمن له حق مخاطبة الجمعية العامة، وبالتالي فإن منع الشخص لا يعني بالضرورة منع الرسالة الفلسطينية من الوصول إلى المجتمع الدولي.
السماح لبزشكيان وعراقجي بدخول نيويورك.
وفي سياق متصل، قالت الدكتورة تمارا حداد إن السماح من قبل واشنطن للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي والوفد الإيراني الأساسي بدخول نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 لا يعني أن الولايات المتحدة تراجعت عن عدائها أو عقوباتها تجاه إيران.
وأوضحت أن السبب الرئيسي يتمثل في الالتزام القانوني الأمريكي بوصف الولايات المتحدة الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، مشيرة إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية قالت إن السماح للوفد الإيراني يأتي التزاما بالتزامات واشنطن كدولة مضيفة، في إطار اتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947.
وأضافت تمارا حداد أن هناك عدة اعتبارات مهمة في هذا السياق، أولها أن التأشيرات هنا دبلوماسية وليست تأشيرات عادية.
وأوضحت أن واشنطن لا تفتح الباب أمام الإيرانيين بشكل عام، وإنما سمحت بوفد إيراني محدود للمشاركة في اجتماعات رسمية للأمم المتحدة، لافتة إلى أن الولايات المتحدة لديها منذ يناير 2026 تعليق واسع لإصدار التأشيرات للإيرانيين، مع استثناءات تشمل بعض التأشيرات الدبلوماسية والرسمية.
تمارا حداد: واشنطن تريد الحفاظ على القنوات الدبلوماسية مع طهران
وأشارت الباحثة السياسية الفلسطينية إلى أن واشنطن تريد أيضا الحفاظ على القنوات الدبلوماسية، موضحة أنه رغم الحرب والمواجهة العسكرية، ما زالت هناك اتصالات ومحاولات تفاوض بين واشنطن وطهران.
وقالت إن حضور مسعود بزشكيان وعباس عراقجي إلى نيويورك يوفر قناة مباشرة للاتصالات، خصوصا أن ملفات مثل البرنامج النووي ومضيق هرمز وإنهاء الحرب تحتاج في النهاية إلى مسار تفاوضي.
وأكدت تمارا حداد أن رفض التأشيرة كان يمكن أن يخلق مشكلة قانونية ودبلوماسية أكبر، موضحة أن الولايات المتحدة تستطيع فرض قيود أمنية وسياسية على الوفود، لكنها عندما تكون الدولة المضيفة للأمم المتحدة تكون أمام التزامات خاصة تجاه وصول الوفود الأجنبية إلى مقر المنظمة.
وأضافت أن واشنطن اختارت السماح بالحضور مع فرض قيود مشددة بدلا من المنع الكامل.
قيود على تحركات الوفد الإيراني داخل الولايات المتحدة
وأوضحت الباحثة السياسية الفلسطينية أن الوفد الإيراني لن يتحرك بحرية في الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الموافقة جاءت مع تقليص حجم الوفد وفرض قيود على الحركة والشراء، بحيث تقتصر تحركاته عمليا على الأماكن المرتبطة بالمهمة الدبلوماسية، مثل مقر الأمم المتحدة والبعثة الإيرانية والمطار.
المفارقة الأبرز في معاملة واشنطن لعباس وبزشكيان
وأكدت تمارا حداد أن النقطة السياسية الأهم تتمثل في المفارقة اللافتة، وهي أن واشنطن سمحت للرئيس الإيراني ووزير خارجيته بالحضور، بينما منعت الرئيس الفلسطيني محمود عباس من دخول الولايات المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للعام الثاني على التوالي.
وقالت إن هذه المفارقة تفتح بابا مهما للتحليل، موضحة أن القرار الأمريكي لا ينبغي قراءته باعتباره تقاربا مع طهران، بل باعتباره مزيجا من الالتزام القانوني تجاه الأمم المتحدة، والحاجة إلى إبقاء قناة تفاوضية مع إيران، وإدارة الصراع حتى في ظل استمرار المواجهة العسكرية.
كما أشارت تمارا حداد إلى أن اختلاف المعاملة بين الوفدين الإيراني والفلسطيني سيطرح أسئلة سياسية ودبلوماسية قوية حول معايير واشنطن في استخدام التأشيرات كأداة من أدوات سياستها الخارجية.



