كيف يستغل الإخوان تيك توك لتوسيع نفوذهم تحت عباءة الدين؟
بعبارات تبدو مألوفة في عيادات العلاج النفسي الحديثة، من «الاستماع الفعّال» إلى «العناية بالنفس» و«التطوير الذاتي»، يتوسع حضور ما يُعرف بـ«علم النفس الإسلامي» في فرنسا، مدفوعا بدرجة كبيرة بانتشاره عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصا «تيك توك» و«إنستجرام».
لكن خلف هذه اللغة المستمدة من الخطاب النفسي الحديث، يرصد تحقيق أجرته مجلة «لو بوان» الفرنسية صلات بين بعض الممارسين لهذا التيار وشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، مستندا إلى مسارات مهنية وتعليمية ومشاركات في فعاليات ومؤسسات دينية.
ولا يطرح التحقيق المسألة باعتبارها خلافا حول حضور الدين في الممارسة النفسية فحسب، وإنما يثير أيضا أسئلة تتعلق بالحدود الفاصلة بين الممارسة المهنية لعلم النفس والمرجعيات الدينية، وبمدى خضوع بعض الدورات والشهادات المتداولة عبر هذا المجال للرقابة المهنية في فرنسا.
نجمات على «تيك توك» و«إنستجرام»
من بين الوجوه التي يتناولها التحقيق وهيبة بحو، التي تصف نفسها بأنها «عالمة نفس إكلينيكية»، وتقول إنها تخرجت في جامعة باريس، وحصلت على تدريب إضافي في إنجلترا وتركيا وماليزيا.
وتتابع بحو نحو 70 ألف سيدة على «تيك توك» و«إنستجرام»، حيث تقدم محتوى يتناول موضوعات نفسية ودينية، وتعرض من خلاله رؤيتها لطريقة دمج المرجعية الإسلامية بالممارسة النفسية.
وفي أحد المقاطع التي بثتها عبر هاتفها الذكي، تتحدث بحو عن مريض يعاني ضيقا شديدا بسبب ميوله الجنسية خلال صيام شهر رمضان، ويشعر بأنه منافق، خصوصا في ظل وجود محيط لا يتعامل مع حالته بتفهم، ويقول له إن صيامه لا جدوى منه.
وتشرح بحو في المقطع الفرق بين «المعصية» من جهة، و«الميل» الذي لا ينخرط فيه الشخص من جهة أخرى، وبين الالتزامات الدينية، في محاولة لتناول الحالة من منظور يجمع بين الاعتبارات النفسية والدينية.
وبحو هي أيضا رئيسة «الرابطة الفرانكوفونية لعلم النفس الإسلامي»، التي تمنح شهادات اعتماد لدورات تدريبية مدفوعة، من دون اعتراف رسمي من الجهات المنظمة للمهنة، وفقا لما أورده تحقيق «لو بوان».
وتقدم بحو دمج القرآن مع المعارف النفسية باعتباره سمة أساسية في ممارستها، وترى أن «علم النفس الإسلامي» يوفر رعاية شاملة تجمع بين الروحانية والجانب الديني والمقاربة النفسية، معتبرة أنه من البديهي، بالنسبة إليها، ألا يُغفل الشخص المسلم علاقته بالله خلال متابعته النفسية.
ومن بين الأسماء التي يتناولها التحقيق أيضا حفصة قرقري، التي يتابعها قرابة 200 ألف شخص على «إنستجرام»، وتحمل درجة الماجستير في علم النفس من جامعة كان.
وتوجهت قرقري بعد ذلك إلى «المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية» في باريس لدراسة ما يوصف بـ«العلوم الإسلامية».
وبحسب «لو بوان»، فإن هذه الدراسة لا تحمل طابعا علميا بالمعنى المتعارف عليه في المؤسسات الأكاديمية، وإنما تتعلق في الواقع بدروس في العلوم الدينية.
صلات مفترضة بشبكات الإخوان
ويرى تحقيق «لو بوان» أن الرابط بين بعض هذه الشخصيات وشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين لا يقتصر على الإشارات الواردة في السير الذاتية، وإنما يظهر، بحسب المجلة، من خلال سلسلة من العلاقات التعليمية والمؤسساتية والأنشطة العامة.
وفي هذا السياق، يشير التحقيق إلى «المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية» في باريس، الذي كان مرتبطاً بصورة وثيقة بفرع «شاتو شينون» في إقليم نيفر.
وكان قد صدر في سبتمبر 2025 مرسوم بحل فرع «شاتو شينون» بقرار من مجلس الوزراء الفرنسي.
ووصف المرسوم المعهد بأنه «مرحلة حاسمة في مسار التطرف العنيف لعدد من طلابه السابقين»، وفق ما نقلته المجلة الفرنسية، وفي سيرتها الذاتية على منصة «لينكد إن»، تذكر قرقري أنها عملت مشرفة في مخيمات صيفية تابعة لمعهد «شاتو شينون».
كما ترأست فرع مدينة كان التابع لـ«طلاب مسلمي فرنسا»، وهي منظمة تصنفها الحكومة الفرنسية باعتبارها ذراع الشباب لجماعة الإخوان المسلمين في فرنسا.
ويتناول التحقيق أيضا علي حبيبي، وهو ممارس فرنسي مقيم في المغرب، ويصفه بأنه المؤسس الفعلي للرابطة الفرانكوفونية لعلم النفس الإسلامي.
وبحسب «لو بوان»، شارك حبيبي عدة مرات في «اللقاءات السنوية لمسلمي فرنسا»، التي تنظمها منظمة «مسلمو فرنسا»، المعروفة سابقا باسم «اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا»، وهي منظمة تقول المجلة إن لها صلة تاريخية موثقة بجماعة الإخوان المسلمين.
كما ظهرت وهيبة بحو نفسها ضمن برنامج «RAMF 2026»، الذي عقد في مدينة لو بورجيه الفرنسية في أبريل.
طارق رمضان ومركز «شفاء»
وكشف تحقيق «لو بوان» أيضا أن طارق رمضان، حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، يدرّس حاليا من سويسرا في مركز «شفاء»، الذي تديره فاني بوير-موتي، وهي طبيبة في علم النفس الإكلينيكي.
ويجمع البرنامج الذي يقدمه المركز، بحسب المجلة، بين الإنسانيات والأنثروبولوجيا وعلم النفس والتطوير الذاتي ودراسة القرآن.
ويربط التحقيق هذا المسار الأوسع بجذور فكرية تعود إلى البروفيسور مالك بدري، السوداني الذي تخرج في بريطانيا وعاش بين عامي 1932 و2021.
وكان بدري من أبرز من طرحوا ما عُرف بـ«العلاج المعرفي الإسلامي»، فيما أورد التحقيق عنه مواقف اعتبر فيها المثلية الجنسية اضطرابا يمكن علاجه، كما ربط انتشار فيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز» بما وصفه بأنه عقاب إلهي على «انحلال الغرب».
فراغ تنظيمي في فرنسا
ولا تتوقف الأسئلة التي يثيرها التحقيق عند الخلفيات الفكرية أو العلاقات المؤسسية، إذ يتناول أيضا الإطار التنظيمي لممارسة علم النفس في فرنسا.
ومنذ مرسوم صدر عام 1985، يشترط لممارسة مهنة عالم النفس الحصول على إجازة جامعية وماجستير في علم النفس، إلى جانب ما لا يقل عن 500 ساعة من التدريب تحت إشراف ممارس، كما أن التسجيل في السجل المهني لممارسي الصحة إلزامي، لكن علماء النفس، على خلاف الأطباء، لا يملكون هيئة مهنية مماثلة لـ«نقابة الأطباء».
وتعارض بعض المنظمات المهنية إنشاء مثل هذه الهيئة، معتبرة أن وجودها قد يمثل تهديداً لتعددية الممارسات في مجال علم النفس.
وفي المقابل، توجد مدونة أخلاقيات لعلماء النفس تحظر التبشير واستغلال العلاقة المهنية لأغراض «دينية أو طائفية أو سياسية»، غير أن هذه المدونة ليست ملزمة من الناحية القانونية.
ونقلت «لو بوان» عن رينيه كلاريس، الأستاذ الفخري في علم النفس والرئيس السابق للجمعية الفرنسية لعلم النفس، قوله إن المدونة تمثل «دليلاً إرشادياً» يُدرّس منذ مرحلة التكوين، لكن احترامها أو عدم احترامها يعود في النهاية إلى الممارس نفسه.
أما اللجنة الوطنية الاستشارية لأخلاقيات المهنة، التي تتابع احترام مدونة المهنة، فهي جمعية خاضعة لقانون 1901، ولا تملك سلطة فرض عقوبات، وإنما تصدر آراء بشأن القضايا التي تنظر فيها.
وبحسب التحقيق، لم تصدر اللجنة حتى الآن آراء تتعلق بـ«علم النفس الإسلامي».
وقال كلاريس إن اللجنة «لم تواجه هذا الموضوع حتى الآن»، مضيفاً أن الأمر «ربما لا يكون سوى مسألة وقت».
انتشار واسع وشهادات خارج الاعتراف الرسمي
ويتزامن هذا الفراغ التنظيمي مع توسع لافت في حضور هذا النوع من المحتوى والخدمات عبر الإنترنت.
وتشير المعطيات التي أوردها التحقيق إلى أن قوائم الانتظار لدى بعض الممارسين قد تمتد من ثمانية إلى عشرة أشهر، فيما يشكل النساء، وفقا لقرقري نفسها، الجمهور الأوسع لهذه الخدمات، كما توسعت قنوات الوصول إلى هذا النوع من المحتوى، من «إنستجرام» و«تيك توك» إلى «يوتيوب»، إلى جانب الدورات التدريبية المدفوعة التي تقدم عبر الإنترنت.
وتمنح بعض الجهات شهادات أو اعتمادات مرتبطة بهذه الدورات، رغم عدم وجود اعتراف رسمي بها من الجهات المنظمة لمهنة علم النفس في فرنسا.



