عاجل

العالم يتغير أمام أعيننا.. وموازين القوة تتحرك.. والتحالفات يعاد تشكيلها.. ومراكز صناعة القرار الدولي لم تعد كما كانت.. وفي قلب هذا المشهد التاريخي جاءت قمة بريكس الثامنة عشرة في العاصمة الهندية نيودلهي، لتكون بحق قمة قمم العالم، في لحظة فارقة يعاد فيها رسم ملامح النظام الدولي، وتتسارع فيها حركة انتقال القوة والنفوذ بين مراكز متعددة حول العالم.

هذه ليست مجرد قمة اقتصادية، وليست مجرد تجمع سياسي، وإنما مشهد عالمي بالغ الأهمية، تتقاطع داخله السياسة والاقتصاد والأمن والطاقة والتجارة والاستثمار ومستقبل النظام الدولي، وتطرح من خلاله القوى الصاعدة رؤيتها للعالم الذي يتشكل الآن.

وفي قلب هذا المشهد كانت مصر حاضرة بقوة، وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي يتحرك داخل القمة من موقع الدولة التي تعرف جيدًا أين تقف، وإلى أين تريد أن تصل، وما الذي تريده من العالم، وما الذي تستطيع أن تقدمه للعالم.

ومن هنا تأتي أهمية المشاركة المصرية في بريكس 18؛ فالرئيس السيسي لم يذهب إلى نيودلهي لمجرد تسجيل حضور مصر في قمة دولية كبرى، وإنما ذهب ليؤكد أن مصر موجودة في قلب التحولات الدولية، وأنها لا تنتظر أن يرسم الآخرون خريطة العالم ثم تبحث عن مكان لها عليها، بل تتحرك منذ الآن للمشاركة في صياغة ملامح هذه الخريطة.

إن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة بريكس الثامنة عشرة تمثل تأكيدًا جديدًا على الثقل السياسي والدبلوماسي لمصر، وعلى قدرتها على التحرك داخل واحدة من أهم المنصات التي تناقش مستقبل العالم، كما تؤكد أن مصر أصبحت تتعامل مع بريكس باعتباره فرصة استراتيجية لتعظيم المصالح الوطنية، وليس مجرد إطار للمشاركة الدولية.

والحقيقة أن مصر تدخل هذه المعادلة وهي تمتلك أوراق قوة لا يمكن تجاهلها؛ فموقعها الجغرافي يضعها في قلب حركة التجارة العالمية، وقناة السويس تمنحها موقعًا استثنائيًا في حركة التجارة الدولية، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تفتح الباب أمام الصناعة والاستثمار واللوجستيات، بينما يمنحها ثقلها العربي والأفريقي والدولي قدرة فريدة على التواصل مع أطراف متعددة.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة السياسة المصرية في المرحلة الراهنة.

فالقاهرة لا تختار أن تكون جزءًا من محور ضد محور، ولا تبني علاقاتها الدولية على الاستقطاب، وإنما تتحرك وفق قاعدة واضحة: المصلحة المصرية أولًا، والقرار المصري مستقل، والشراكات مفتوحة مع الجميع.

فعندما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كانت العلاقات المصرية الروسية ومشروعاتها الكبرى حاضرة بقوة، وفي مقدمتها محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب ملفات الطاقة والتجارة والاستثمار والسياحة والأمن الغذائي.

وعندما التقى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، كانت الشراكة المصرية الهندية حاضرة بكل ثقلها، بما تشمله من فرص لزيادة التجارة والاستثمارات الهندية في مصر، وتعزيز التعاون في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة النظيفة والسيارات وغيرها من المجالات.

لكن الأهم من ذلك أن الرئيس السيسي لم يكتفِ باللقاءات السياسية، وإنما فتح أبواب الاقتصاد مباشرة، والتقى رؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات الهندية، في رسالة واضحة بأن الدبلوماسية المصرية لم تعد تتحرك فقط لبناء العلاقات، وإنما لتترجم هذه العلاقات إلى استثمارات ومشروعات وفرص عمل ونمو اقتصادي.

وهنا تظهر فلسفة جديدة في إدارة العلاقات الخارجية المصرية:

السياسة تفتح الباب.. الدبلوماسية تمهد الطريق.. والاقتصاد يحول العلاقات إلى استثمارات ومشروعات وفرص حقيقية.

فالدولة التي تتفاوض سياسيًا من أجل مصالحها، وتتحرك دبلوماسيًا من أجل أمنها، وتبحث اقتصاديًا عن الاستثمارات والأسواق، هي دولة تقرأ العالم بطريقة مختلفة.

وعلى المستوى السياسي، أكدت مشاركة الرئيس السيسي أن مصر لا تنفصل عن قضايا محيطها العربي والأفريقي، وأن القضية الفلسطينية تظل في مقدمة ثوابت السياسة الخارجية المصرية.

مصر تدعم وقف إطلاق النار، وتدعم إدخال المساعدات الإنسانية، وترفض تهجير الفلسطينيين، وتتمسك بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي السودان، تواصل مصر دعم وحدة الدولة السودانية وسيادتها وسلامة أراضيها، وتؤكد ضرورة التوصل إلى حل سياسي يحفظ الدولة ومؤسساتها ويعيد الأمن والاستقرار إلى الشعب السوداني.

وفي التعامل مع الأزمات الإقليمية، تؤكد القاهرة باستمرار أن التصعيد ليس طريقًا إلى الاستقرار، وأن الحلول السياسية والحوار واحترام سيادة الدول هي الطريق الأكثر قدرة على حماية المنطقة من الانزلاق إلى صراعات أوسع.

لكن هناك رسالة أخرى شديدة الأهمية خرجت من قمة بريكس، وربما تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا: مصر تتطلع إلى تولي رئاسة تجمع بريكس في المستقبل القريب.

هذه ليست عبارة عابرة، وليست مجرد طموح بروتوكولي.

إنها رسالة سياسية تحمل معنى واضحًا: مصر لا تريد أن تظل عضوًا يشارك في الاجتماعات فقط، وإنما تطمح إلى الانتقال إلى مستوى أكبر من التأثير والمساهمة في صياغة أجندة التجمع.

وتطلع مصر إلى رئاسة بريكس يعكس ثقة الدولة المصرية وقيادتها الحكيمة الواعية في مكانتها وقدرتها على الإسهام في قيادة التجمع، ويؤكد أن مصر تمتلك من الخبرة السياسية والدبلوماسية والثقل الإقليمي والمقومات الاقتصادية ما يؤهلها للقيام بدور أكبر في هذه المنصة الدولية.

وهنا يمكن فهم الصورة كاملة.

مصر لا تبحث عن مقعد فقط.. وإنما تبحث عن دور.

لا تريد أن تكون رقمًا في قائمة الأعضاء، وإنما تريد أن تكون دولة مؤثرة في النقاش حول مستقبل الاقتصاد والسياسة والنظام الدولي.

وهذا الطموح يتسق مع حقيقة أن العالم نفسه يتغير.

فدول الجنوب تصعد، والاقتصادات الناشئة تزداد وزنًا، والتجارة العالمية تعيد ترتيب مساراتها، ومؤسسات النظام الدولي تواجه أسئلة صعبة حول العدالة والتمثيل، بينما تبحث قوى كبرى وصاعدة عن آليات جديدة للتعاون.

وفي هذا السياق، فإن بريكس أصبح أكثر من مجرد تجمع اقتصادي؛ إنه أحد الميادين التي ستتحدد فيها ملامح جزء مهم من النظام العالمي القادم.

وفي هذا السياق، يثمّن كاتب المقال الجهود الكبيرة التي بذلها الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الصيني شي جين بينج، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في دعم مسيرة تجمع بريكس وتعزيز التعاون بين دوله، بما أسهم في إنجاح هذه القمة الكبرى وترسيخ مكانتها كواحدة من أهم منصات الحوار والتعاون الدولي.

لقد جاءت هذه الجهود في توقيت تاريخي بالغ الأهمية، وأكدت أن نجاح بريكس يمكن أن يكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل خريطة العالم السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وإعادة صياغة موازين القوى ومراكز صناعة القرار العالمي.

واللافت هنا أن نجاح بريكس لا يعني بالضرورة اختفاء أدوار القوى التقليدية، وإنما يعني أن العالم أصبح أكثر تعددًا، وأكثر تعقيدًا، وأكثر اعتمادًا على الشراكات المتنوعة.

وهذا تحديدًا ما يجعل الدور المصري مهمًا.

فمصر تمتلك القدرة على التحرك بين دوائر متعددة في الوقت نفسه: العربية، والأفريقية، والمتوسطية، والآسيوية، والدولية.

وتمتلك علاقات قوية مع روسيا والصين والهند، وفي الوقت نفسه تحافظ على شراكاتها الدولية الأخرى.

وهذا التوازن ليس رفاهية دبلوماسية، وإنما عنصر من عناصر حماية الأمن القومي والمصالح الاقتصادية.

إن مصر اليوم أمام فرصة تاريخية.

فإذا أحسنت استثمار عضويتها في بريكس، واستطاعت تحويل العلاقات السياسية إلى استثمارات ومشروعات ونقل تكنولوجيا وزيادة في التجارة، فإن العائد لن يكون سياسيًا فقط، بل سيكون اقتصاديًا وتنمويًا أيضًا.

وإذا نجحت في توظيف موقع قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في هذه المعادلة، فإنها تستطيع أن تتحول إلى واحدة من أهم نقاط الاتصال بين اقتصادات بريكس والأسواق الأفريقية والأوروبية والعربية.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستأخذ مصر من بريكس؟

بل:

ماذا تستطيع مصر أن تقدم لبريكس؟

والإجابة أكبر من مجرد أرقام اقتصادية.

مصر تقدم موقعًا استراتيجيًا لا يتكرر، وقناة السويس، وسوقًا كبيرة، وقوة بشرية، وثقلًا عربيًا وأفريقيًا، وخبرة دبلوماسية ممتدة، وقدرة على الحوار مع أطراف مختلفة، ورؤية تقوم على التوازن والاستقرار واحترام سيادة الدول.

ومن هنا فإن طموح مصر لرئاسة بريكس في المستقبل القريب يصبح مفهومًا باعتباره امتدادًا طبيعيًا لدورها المتزايد، وليس مجرد هدف شكلي.

لقد كانت نيودلهي مسرحًا لمشهد أكبر من القمة نفسها.

كانت هناك رسالة تقول إن العالم يدخل مرحلة جديدة.

مرحلة لا يوجد فيها مركز واحد للقوة.

مرحلة تتعدد فيها مراكز الاقتصاد والسياسة والتأثير.

مرحلة تبحث فيها دول الجنوب عن صوت أكبر.

مرحلة يعاد فيها صياغة قواعد التجارة والاستثمار والتمويل والتعاون الدولي.

وفي قلب هذه المرحلة كانت مصر.

مصر التي لا تنتظر المستقبل.. وإنما تستعد له.

والرئيس السيسي، من نيودلهي، لم يكن يتحرك فقط داخل جدول أعمال قمة دولية، وإنما كان يتحرك داخل مساحة أوسع عنوانها: أين ستكون مصر في العالم الذي يتشكل الآن؟

والإجابة جاءت واضحة:

ستكون في قلبه، لا على هامشه.

إن بريكس 18 كانت بحق قمة قمم العالم؛ لأنها لم تجمع فقط قادة دول كبرى، وإنما جمعت إرادة دول تسعى إلى إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي.

وكان الحضور المصري قويًا، وكانت الرسالة المصرية واضحة، وكان الطموح أكبر من مجرد المشاركة.

مصر تريد دورًا.. ومصر تستحق دورًا.. ومصر تمتلك أوراق هذا الدور.

وفي النهاية، فإن التاريخ لا ينتظر من يقف على الرصيف ليراقب حركة العالم، وإنما يسجل أسماء الدول وقيادتها التي امتلكت الشجاعة والرؤية والإرادة لتدخل إلى قلب المشهد.

وقمة بريكس 18 من نيودلهي تقول إن خريطة العالم تتحرك.

وموازين القوة تتغير.

ومراكز القرار تتعدد.

وبريكس يوسع دائرة التأثير.

ومصر بقيادة فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي تتحرك بثبات نحو موقعها المستحق في هذه الخريطة.

إنها ليست مجرد قمة انتهت أعمالها في نيودلهي.. إنها بداية فصل جديد في قصة عالم يتغير.. ومصر حاضرة في قلب هذا الفصل.. وبريكس بالفعل يغيّر المعادلة ويرسم ملامح خريطة العالم الجديد.

تم نسخ الرابط