في المسرح، يكفي أحيانا أن يتغير القناع حتى يبدو الممثل وكأنه شخصية أخرى، ثوب جديد، لغة مختلفة، وإضاءة أكثر نعومة، ثم يبدأ المشهد من جديد كأن ما سبق لم يكن، لكن الجمهور لا ينسى الحكاية، ولا تتغير الشخصية لمجرد أنها عادت إلى الخشبة بملامح مختلفة، هكذا بدا المشهد في مؤتمر الإخوان بهولندا، وجوه جديدة تتحدث بلغة الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وواجهات مدنية وحقوقية تحاول تقديم الجماعة في صورة مختلفة أمام الرأي العام الأوروبي، وكأن تغيير المفردات قادر على فتح صفحة جديدة مع التاريخ، غير أن السياسة ليست مسرحا يمكن فيه تبديل الأقنعة كلما تغير الجمهور؛ فخلف اللغة الجديدة تبقى الأسئلة القديمة عن مشروع الجماعة، وعن تجربتها في الحكم، وعن مفهومها للتمكين والسيطرة على مؤسسات الدولة.
المفارقة أن المنصة التي أرادها الإخوان نافذة لإعادة تقديم أنفسهم تحولت إلى مرآة، فكلما حاولوا رسم صورة جديدة، حضرت الصورة القديمة، وكلما تغيرت الواجهة، عاد المضمون ليطرح نفسه وهنا تصبح حكاية مؤتمر هولندا أكبر من مجرد مؤتمر؛ إنها حكاية جماعة تبحث عن غلاف جديد، بينما يظل القارئ قادرا على تمييز الكتاب من عنوانه القديم.
الأكثر دلالة أن بعض ما قيل داخل المؤتمر نفسه فتح أسئلة محرجة للجماعة، عندما يتحدث أحد المشاركين عن تجربة خروجه من مصر، وعن جهات ومنظمات ساعدته، ثم يطرح تفاصيل تتعلق بمواقف تلك الجهات من إسرائيل، فإن الأمر لا يمكن أن يمر باعتباره مجرد تفصيل عابر، ليس لأن رواية شخص واحد تكفي لإدانة شبكة كاملة، وإنما لأن الحديث يفرض سؤالا سياسيا مشروعا: إلى أي مدى تتمتع هذه المنصات باستقلالية حقيقية؟ ومن يقف خلفها؟ ومن يمول أنشطتها؟ وما المصالح التي تتحرك في إطارها؟
وهنا تحديدا تبدو المفارقة، جماعة تتحدث باستمرار عن الاستقلال والقرار الوطني، بينما يدور جزء من نشاطها السياسي خارج الحدود وفي بيئات ومنصات وشبكات دولية، وتصبح علاقاتها بهذه الدوائر محل تساؤل، جماعة ترفع شعار حقوق الإنسان، بينما تتعامل مع حقوق الإنسان في كثير من الأحيان باعتبارها أداة سياسية للهجوم على الدولة المصرية، لا باعتبارها قيمة عامة ينبغي الدفاع عنها بمعيار واحد.
هذه ليست مشكلة مؤتمر واحد، وإنما أزمة ممتدة في خطاب الإخوان بالخارج، منذ خروج الجماعة من السلطة، اتجهت إلى إعادة إنتاج نفسها سياسيا من خلال منصات متعددة؛ مرة تحت لافتة المعارضة، ومرة عبر منظمات حقوقية، ومرة من خلال شخصيات تقدم نفسها باعتبارها مستقلة عن التنظيم، لكن السؤال الذي يظل قائما هو: هل تغير المشروع بالفعل أم أن الذي تغير هو طريقة تسويقه؟
الإجابة لا تأتي من الشعارات، وإنما من التاريخ والممارسة والجماعة التي امتلكت خطابا شديد القدرة على استثمار الأزمات، اكتشفت عندما وصلت إلى الحكم أن إدارة الدولة ليست مجرد معارضة دائمة، وأن تحريك الشارع ليس هو نفسه بناء المؤسسات، وأن امتلاك القدرة على نقد الدولة لا يعني امتلاك القدرة على إدارتها.
وهذه واحدة من أكبر مشكلات الإخوان: الجماعة تجيد صناعة الخصومة أكثر مما تجيد صناعة الحلول، تستطيع تحويل أي أزمة إلى مادة للحشد، لكنها لم تقدم خلال تجربتها القصيرة في الحكم نموذجا مقنعا لدولة تستوعب الجميع، ولم تستطع أن تتعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها مؤسسات وطنية تتجاوز التنظيم والحزب والجماعة.
ولذلك فإن الحديث عن إعادة تقديم الإخوان باعتبارهم مجرد «معارضة مدنية» يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق، المدنية ليست بدلة سياسية جديدة، والديمقراطية ليست كلمة تقال على منصة أوروبية، وحقوق الإنسان ليست ورقة ضغط تستخدم ضد الخصوم ثم تختفي عندما تتعارض مع مصالح التنظيم.
الأخطر من ذلك أن بعض الوجوه التي تحاول الجماعة تقديمها باعتبارها مستقلة لا تستطيع وحدها أن تمحو الذاكرة السياسية للمجتمع، المصري لا يقيس التجربة بالشعارات التي ترفع في الخارج، وإنما بما شاهده عندما كانت الجماعة في موقع المسؤولية، يتذكر الدولة عندما حاول التنظيم أن يجعل الولاء السياسي جزءا من معادلة الحكم، ويتذكر خطاب الاستقطاب، ويتذكر محاولة بناء نفوذ ممتد داخل مؤسسات المجتمع والدولة.
إن مؤتمر هولندا هو جزء من معركة مستمرة على الصورة والوعي الإخوان يدركون أن صورتهم في الداخل المصري أصبحت عبئا سياسيا، ولذلك يحاولون بناء صورة بديلة في الخارج، تعتمد على خطاب أكثر نعومة وأسماء أكثر مدنية ومفردات أكثر قبولا لدى المجتمعات الأوروبية، لكن المشكلة أن تغيير القناع لا يغير الوجه، أما أن تتحول المؤتمرات الأوروبية إلى مساحات لإعادة تدوير المظلومية، وتحميل الدولة المصرية مسؤولية كل شيء، ثم تقديم التنظيم في صورة الضحية الدائمة، فهذه محاولات يائسة لإعادة إنتاج الخطاب القديم بعبارات جديدة.
لقد كشفت فعالية هولندا شيئا مهما: الإخوان لا يزالون أسرى معركتهم القديمة مع الدولة المصرية، حتى وهم يحاولون إقناع العالم بأنهم تجاوزوا هذه المرحلة وكلما حاولوا الظهور بوجه جديد، عاد التاريخ ليطرح أسئلته، وفي النهاية، فإن أكبر مشكلة تواجه الجماعة ليست خصومها، وإنما ما تقوله هي عن نفسها، وحين يصبح المؤتمر الذي نظمته منصة لإعادة تقديم الإخوان فرصة لظهور أسئلة محرجة حول علاقات بعض المشاركين والجهات التي تعاملوا معها، فإن الجماعة تكون قد وجدت نفسها أمام مرآة لم تكن مستعدة للنظر فيها.
الإخوان أطلقوا الرصاص على صورتهم بأنفسهم؛ لأن المشكلة لم تعد فيمن يهاجمهم، وإنما في أن خطابهم ذاته أصبح يفتح الأبواب أمام الأسئلة التي حاولوا لسنوات إغلاقها.