في مدخل المبني الرئيسي لدار الأوبرا وقفت سيدة راقية تستقبل حضور حفل الافتتاح بابتسامة صادقة، وفجأة تتوجه الي واحد من فريق العمل بتعليمات دقيقة عن مستجدات عاجلة، ثم تلتفت الي أحد مساعديها تطلب التواصل مع مكتب الوزير للتأكد من موعد وصوله لتكون في استقباله ..
انها السيدة سهير عبد القادر رئيس ومؤسس مهرجان "أولادنا ".. سيدة آمنت بحلمها وحققته حتي بات علامة مسجلة ..
أتذكر جيداً اول مرة قابلت فيها تلك السيدة القوية كان في عام 2017 ترتدي ملابس سوداء تبكي زوجها وتطلب دعم وزارة الهجرة حينها - لاتمام مشروعها الذي ينتظره اصحاب القدرات الخاصة بعد ان وضعت فيه خبرتها في رئاسة اهم المهرجانات وتنظيم اكبر الفعاليات ..
في كل عام كنت اتابع باهتمام تتطور المهرجان واراهن علي قدرة استاذة سهير في اقناع الشركاء ودعوة الفنانين من مختلف دول العالم رغم كل التحديات العالمية والتي تلقي بظلالها علي اي احداث ثقافية كانت او سياسية
وسنة ورا سنة حتي وصلنا للعام العاشر لتثبت ان هناك مشروعات تنجح في الاستمرار، ومشروعات يتحول استمرارها إلى قيمة في حد ذاته.. و«اولادنا» واحد من هذه المشروعات.
عشر سنوات من السعادة والحب، ومنح ذوي القدرات الخاصة مساحة حقيقية للموهبة والابداع، حتى أصبح الملتقى موعدا ينتظره الجمهور، ويجمع حوله فنانين ومبدعين من مصر والعالم.
في دورته العاشرة، وتحت رعاية فخامة السيد رئيس الجمهورية، احتفل «اولادنا» بسنواته العشر في دار الأوبرا المصرية، بالتزامن مع مهرجان الفولكلور الدولي «افروصيني»، برئاسة تلك السيدة المبدعة المخلصة لحلمها والتي لا تعرف المستحيل سهير عبد القادر، وبمشاركة فرق وفنانين من 56 دولة افريقية واسيوية واوروبية وعربية.
من اللحظة الاولى كان واضحا اننا امام احتفال مختلف.. ديكورات وتصميمات اصلية من ابداع الدكتور الفنان" اشرف رضا" صنعت حالة بصرية مبهرة، واستعراضات جديدة اخرجها وليد عوني، واوبريتات قدمتها الفنانة الكبيرة صفاء ابو السعود مع اولادنا، في مشهد امتزج فيه الفن بالبهجة.. كل ذلك في حضور وزيري التعليم العالي القائم بأعمال وزير الثقافة ووزيرة التضامن الاجتماعي ورئيس المجلس القومي للمرأة ومحافظ القاهرة وعدد من الوزراء السابقين .
لكن الابهار الحقيقي كان على المسرح ، منذ الاطلالة الأولي للنجمة رانيا فريد شوقي تغني وترقص مع اولاد وشباب من ذوي القدرات الخاصة الي دقائق عزف نسمة عبد العزيز وحولها أولادنا .. الي كل فقرات قدمها باتقان فنانين محترفين من كل انحاء العالم يقدمون السينما والمسرح والغناء والاستعراض والفنون التشكيلية والحرف اليدوية، بثقة وحضور يؤكدان ان الموهبة لا تحتاج الى تعريف، وان الدمج الحقيقي يبدأ عندما يصبح صاحب القدرة جزءا طبيعيا من المشهد، لا ضيفا عليه.
وهذه في رأيي واحدة من أهم رسائل «اولادنا» خلال السنوات العشر: ان نرى الموهبة قبل الاعاقة، وان يكون التقدير للفن نفسه، لا لمجرد التغلب على الظروف، وأن مكانة الفنان ليست فقط علي قدر موهبته بل بقدرته علي التأثير في المجتمع .
وهكذا اكتمل المشهد بعطاء فنانين أصحاب بصمات متميزة، مثل داليا البحيري وسولاف فواخرجي يشاركون في لجان التحكيم والورش والفعاليات، ويمنحون من وقتهم وخبرتهم، فيتحول المهرجان الى مساحة للتعلم والتفاعل، وليس فقط للعرض.
ولا تخلو فعاليات المهرجان من تقديم رسائل انسانية ووطنية، كان من بينها هذا العام دعم معنوي ضخم لأهلنا في فلسطين،و تكريم «بلياتشو غزة» والاستماع لرسالته للعالم بالفيديو من قلب الحصار ، الى جانب تكريم حمزة العيلي وريهام عبد الغفور بعد نجاح مسلسل «نرجس» الذي يعكس دور الثقافة كواحدة من أهم القوي الناعمة.
كلما شهدت الحفلة السنوية اتساءل لماذا نحب هذا المهرجان؟
في كل مرة الاجابة انه مغزول بحب كل المشاركين، قناعتهم التي تنجح سنوياً في جمع عشرات الدول الى القاهرة بثقافاتها وفنونها، وان تلتقي على مسرح واحد، وان تقدم مصر للعالم صورة عن الفن والاحتواء والقدرة على صناعة الفرح.
لتثبت من جديد القوة الناعمة ليست فقط في النجوم والفعاليات الكبرى، وانما في الاثر الذي يبقى بعدها.. في علاقة انسانية، او صورة جميلة، او موهبة متميزة .. في رسالة دعم حقيقية.. و فيما يعكسه لمكانة مصر وريادتها الفنية..
وهذا هو المردود الأهم ل «اولادنا» في عشر سنوات: انه لا يقدم عروضاً فنيا فقط، بل صنع اسم كبير يقدم مساحة مستمرة للابداع والدمج والفرح.
عشر سنوات مرت.. وما زال «اولادنا» قادرا على أن يمنحنا أجمل ما في الانسان:
السعادة.. والحب.. والقدرة على ان نرى بعضنا بشكل انقي