أما قبل؛ فإن عقول البشر طالما تقلبَتْ في أروقة النظريات الوافدة، تارة ترتكس في قوالب جافة مستوردة، وتارة تقف عند حدود القواعد المادية البحتة التي لا تعدو أن تكون عقوداً مؤقتة تضمن تبادل المنافع واستقرار التجمعات البشرية، فتراها ترسم للناس حدوداً من خارج ذواتهم، وتُخضع الأفعال لسلطانالوضع والاصطلاح المعزول عن جذوة الروح.
وأما بعد؛ فالناظر في مرآة التصور الإسلامي يرى عائداً أبعد غايةً وأعمق جذوراً وأثبت بناءً؛ فالإسلام لا يلقي بالقواعد إلقاءً على لسان السطح، بل يغرسها في شغاف النفوس غَرْساً محكماً، ليغدو الالتزام بها إشراقاً ذاتياً منبعثاً من صميم الوجدان، وانبعاثاً طاهراً من طوية الضمير الحي، لا قيداً خارجياً يفرضه قانون الغلبة أو ميزان المنفعة العابرة.
أما قبل؛ فحسبك بالكلمتين إذا التقتا على بساط المعرفة –"الخُلُق" و"المهنة"– أن تجدا في مكنون العربية الصافية ما يفسر سرهما ويجلو كنههما؛ فالخُلُق هيئة راسخة في باطن النفس، تصدر عنها الأفعال بسهولة ويُسر بغير حاجة إلى فكر متكلف ولا رويّة عسيرة، كما قرر ذلك الفلاسفة والأعلام من ابن مسكويه إلى الإمام الغزالي، حيث تتباين النفوس بين جبلة أصلية في المزاج وبين مستفادة بالرياضة وتكرار التدريب حتى تضحي ملكة متأصلة.
وأما بعد؛ فإن "المهنة" عمل يُستعان فيه بالخبرة والحذق والمهارة، مقترن دائماً بمعين "الخدمة" السامية للبشرية جمعاء، فإذا امتزج المعنيان وانسكب أحدهما في الآخر، استحالت أخلاق المهنة تلك الملكة النفسية المستقرة التي ينبثق منها السلوك القويم في ميادين العمل بلا تكلف ولا استكراه، متمرساً بصنوف الفضيلة تمرس الحاذق بصنعتها، ومستعلياً على نوازع القصور والجهل، وهذا الخلق ليس طارئاً عابراً على الإنسان، بل هو ثمرة مسار طويل ترتقي فيه النفس الإنسانية تدريجياً؛ تبدأ بوميض "الخاطر"، فالميل الخفيف، فالرغبة المشتعلة، فالإرادة الجازمة، فالعقل الموجه، حتى تستقر عادة وملكة راسخة في الجنان. ومن هذا المنطلق العالي، عَدَّ علماء الإسلام الأخلاق العملية فرعاً من فروع كمال الملكات، تحول المعارف الإنسانية من أبراجها العاجية المتموضعة في طيات الكتب إلى واقع حي يتحرك على أديم الأرض في صورة صدق ناطق، وأمانة وافية، وعدل ساطع، ورحمة غامرة.
أما قبل؛ وفي هذا الميدان الرحب الممتد على مساحة الوجود، لا تعرف النظرة الإسلامية تلك التفرقة الطبقية البائسة ولا العصبيات المقيتة التي تقسم المهن إلى "شريفة" مستعصية و"وضيعة" مهانة؛ وأما بعد؛ فمدار الشرف والرفعة والسمو في ميزان الإسلام القويم لا يتعلق بشكل العمل الخارجي، ولا بلونه أو مظهره، بل بوجوده المشروع والإتقان فيه. فالعمل -أياً كان لونه، أو طابعه، أو موضعه، ما دام مصحوباً باليقظة الأخلاقية والالتزام بروح الأمانة والنقاء- هو قمة المجد والعظمة الإنسانية. وإن انعدام العمل، أو اتخاذه مطية للزور والرياء، أو التكسب بالخديعة، لهو قمة الوضاعة والمهانة المستوجبة للمقت الإلهي والاجتماعي معاً.
أما قبل؛ ولطالما تضافرت آيات القرآن الكريم لتأسيس هذا المعنى الأشم وتثبيت دعائمه في وجدان الأمة؛ فهذا هو النداء الرباني المطلق يجلجل في آفاق الوجود، وتلك هي الروح تسري متدفقّة في الآفاق بعد انقضاء فريضة الصلاة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [سورة الجمعة، الآية: 9، 10].
وأما بعد؛ لتلتقي غاية السعي الإنساني البشري بالرقابة الإلهية المطلقة والحساب الأبدي الدقيق في قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" [سورة الملك، آية 15]، وكأن ذكر "المؤمنين" بعد الأمر بالعمل الشريف إشارة لطيفة عميقة إلى أن الكادح لا يعمل لنفسه الفردية فحسب، بل ينسج خيوط المصلحة الاجتماعية والتعاون البشري في لحمة واحدة متينة مع جماعته وأمته.
أما قبل؛ وفي الهدي النبوي الشريف الساطع يتجلى البيان النبوي في أبهى حلله وأرقى معانيه؛ فما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وكان نبي الله داود عليه السلام يأكل من كد يمينه وعرق جبينه؛ وأما بعد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رفع من شأن الساعي على أهله وولده الصغار جاعلاً إياه في سبيل الله، وحذر أشد الحذر من أن يخلو العمل من روح الخلق القويم فيتحول إلى رياء ومفاخرة يقودان صاحبه إلى بوار السريرة وخراب الوجدان. ورغب صلى الله عليه وسلم في الحرفة والاحتطاب على الظهر تعففاً عن ذل السؤال والاحتياج للناس، جاعلاً التاجر الصدوق الأمين في رتبة النبيين والصديقين والشهداء الأبرار، ومحذراً من أن انحراف الضمير المهني واكتساب الحرام قد يكونان حجاباً ثخيناً يحجب إجابة الدعاء حين يرتزق الإنسان من كسب خبيث.
أما قبل؛ ولم يقتصر الأمر على مجرد التوجيه القولي والوعظ المجرد، بل رأينا الأنبياء والمرسلين والأنصار والمهاجرين والخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يتخذون الحرف والصناعات سبيلاً وعنواناً، حتى كان الفاروق يقول معاتباً ومستنكراً لمن لا حرفة له: "يعجبني الرجل فأسأله عن حرفته، فإذا لم أجد له حرفة سقط من نظري"؛ وأما بعد؛ فإن الله يحب العبد المحترف المتقن لعمله، ويقبل يداً علاها الكد من عناء العمل الشريف حين يقبلها بفخر واعتزاز وإجلال. وإن إتقان الصنعة وبذل الجهد فيها هما من صميم محبته سبحانه للعباد العاملين: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
أما قبل؛ وتأسيسًا على ذلك كله، تلاحمت رؤية الشريعة الغراء مع عقول الأعلام وأساطين الفكر الإسلامي كالإمام ابن تيمية والغزالي وابن الجوزي؛ وأما بعد؛ لتقرير أن الصناعات والفلاحة والنساجة والبناية ليست مجرد ترف أو كماليات، بل هي "فروض كفاية" يقوم بها المجتمع بأسره، فإذا تعطلت أثم الجميع، وإن قام بها البعض سقط الحرج عن الباقين، بل قد تصير فرض عين محتم على العاجز عنها من يحيطون بها وتتوقف مصالحهم على وجوده. وبهذا التحليل الرصين العميق، هدم الإسلام تلك النظرات العنصرية والطبقية المتخلفة التي تزدري حرفاً دون أخرى، ليُلبس كل عامل مجتهد ومتقن لعمله تاجاً وضّاءً من الكرامة الإنسانية المستمدة من تشريع السماء، وليرفع راية العمل خفاقة في سماء الوجود البشري بلا شائبة ولا مهانة، ولتبقى أخلاق المهنة في التصور الإسلامي هي النبراس الأبهى الذي ينير دروب البشرية جمعاء نحو العمران الطاهر والغاية المثلى في الدارين.