يستهلك الإنسان شطرًا من عمره في حراسة ما لا يستحق الحراسة؛ يفتش في نبرات الأصوات، ويدقق في الرسائل المتأخرة، ويستنطق العيون والنوايا كأنما أُقيم قاضياً على السرائر. يعيش في توتر التحقيق الدائم، متوهماً أن معرفة كل خبيئة تمنحه قوة وسلطاناً، بينما هي في حقيقتها قيدٌ يثقل روحه بأعباء لا تخصّه.
وفي قلب هذا الشقاء العبثي، تضيء حكمة منسوبة للإمام علي بن أبي طالب بوصفها خارطة نجاة: «عظّموا أقداركم بالتغافل عن الدنيّ من الأمور، ولا تبحثوا عما غاب عنكم».
ليست المسألة جهلاً بالواقع، بل ترفّعاً عن النزول إليه؛ فالفرق شاسع بين عجزٍ عن المواجهة يورث المهانة، وبين قدرةٍ عليها تخمدها كرامة النفس. في عرف أهل التصوف والسائرين في دروب المعنى، لا يُمنح كل عابرٍ حق الإقامة في القلب؛ تمر الكلمة فيتجاهلها الصوفي، ويهبّ الخاطر المكدِّر فيتركه يمضي. فالقلب وعاءٌ لطيف، متى ما ازدحم بسفاسف الخصومات وتتبع سقطات الخلق، ضاق عن الاتصال بالسماء وعن استشعار السكينة.
التغافل في جوهره اقتصادٌ وجودي في الانتباه. إنه يقينٌ بأن المعرفة ليست كلها خيراً، وأن من تمام العافية ألا تنكشف لك بعض الأستار، فكم من باب فضولٍ فُتح على ريبة، وكم من معركة صغيرة انتصر فيها المرء بالمنطق والحجة، لكنه خسر فيها صفاء سريرته. وأسوأ الهزائم أن يخوض الإنسان غمار ردود الأفعال حتى يتحول، دون أن يشعر، إلى نسخة أخرى من السلوك الذي كان يمجّه وينفر منه.
وصدق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال:
"من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"
عظمة القدر لا تتجلى في حسم كل سجال، ولا في إثبات الصواب عند كل عثرة، بل في السيادة على مساحتك الداخلية. أن تترك بعض الحكايات تموت دون خاتمة، وتدع بعض الأسئلة معلقة في الهواء دون جواب، وتدرك أن أرقى مراتب القوة ليست في خوض كل حرب تُعرض عليك، بل في امتلاك البصيرة التي تميّز ما هو أدنى من أن تلتفت إليه.