كيف تحول روسيا دروس حرب أوكرانيا إلى أسلحة تنتج بكميات كبيرة؟
تعمل روسيا على تقليص الفجوة بين تطوير السلاح وإنتاجه بكميات كبيرة، مستفيدة من خبرة الميدان وتعبئة مواردها الصناعية لتلبية احتياجات الحرب في أوكرانيا، في وقت تواجه فيه الدول الغربية تحديات في توسيع إنتاجها وتحويل الابتكارات العسكرية إلى معدات متاحة بأعداد كافية.
وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تمكنت روسيا خلال نحو عامين من تعديل نماذج أسلحة سابقة واختبارها في ظروف قتالية، ثم الانتقال سريعا إلى إنتاجها بكثافة، مستفيدة بدرجة كبيرة من مكونات صينية.
ومن أبرز هذه الأنظمة مسيرات «جيران» ذات المحركات النفاثة وصواريخ كروز «باندرول».
وتزامن ذلك مع توجيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موارد مالية وصناعية ضخمة إلى قطاع الدفاع، ما ساعد موسكو على مواصلة تطوير الأسلحة وإنتاجها رغم الضربات الأوكرانية.
اقتصاد الحرب يدعم الإنتاج
يرى المؤرخ العسكري الفرنسي المتقاعد فنسنت أرباريتييه أن روسيا تعمل فعلياً وفق نموذج «اقتصاد الحرب»، إذ تُوجَّه جهود البحث والتطوير بدرجة كبيرة لخدمة المجهود الحربي، معتبراً أن الصين تؤدي دوراً مهماً عبر تزويد موسكو بمواد خام تفتقر إليها.
ويقول العقيد الفرنسي المتقاعد جاك هوغار إن روسيا تستفيد من قاعدة صناعية عسكرية تعود جذورها إلى الحقبة السوفياتية، ما يمنحها القدرة على إنتاج أنظمة أسلحة أقل كلفة بسرعة وبكميات كبيرة.
ويضيف أن انخفاض كلفة الطاقة في روسيا مقارنة بالدول الغربية يدعم هذه القدرة، في حين تراجعت القاعدة الصناعية العسكرية الغربية خلال العقود الماضية. ويرى أن ارتباط الإنتاج الروسي بالدولة، بما في ذلك دور شركة «روستيك»، يمنح موسكو نموذجاً مختلفاً عن الشركات الأمريكية والأوروبية التي تعمل وفق اعتبارات تجارية.
ويخلص هوغار إلى أن الصناعات الغربية متأخرة عن متطلبات المرحلة، وأن مواجهة هذه التحديات ستحتاج إلى «ثورة صناعية حقيقية».
إغراق الدفاعات بعدد كبير من الأهداف
يربط المؤرخ العسكري الفرنسي المتقاعد جان مارك ماريل الخيارات الروسية بتقليد عسكري يقوم على اعتماد أسلحة موثوقة وسهلة الإنتاج، مستشهداً بدبابة T-34 خلال الحرب العالمية الثانية.
ويقول إن روسيا لم تكن في بداية حرب 2022 تتوقع خوض مواجهة بهذا الحجم، لكنها اكتسبت بعد الخسائر خبرة أكبر بأهمية المسيّرات وصواريخ كروز، إلى جانب امتلاكها تقنيات متقدمة في الصواريخ فرط الصوتية.
وبالتوازي، ركزت موسكو على تطوير المسيّرات والقنابل الطائرة بهدف إغراق الدفاعات الأوكرانية بأعداد كبيرة من الأهداف، ما يفرض على الخصم تحويل التفوق التقني إلى قدرة إنتاجية واسعة.
ويرى ماريل أن التكنولوجيا المتقدمة لا تصبح ميزة فعلية ما لم يكن بالإمكان إنتاجها بأعداد كبيرة، وهو ما يتطلب ميزانيات ضخمة ووقتاً طويلاً، مشيراً إلى أن روسيا تعمل وفق اقتصاد حرب، بينما لم تنتقل الدول الغربية إلى النموذج نفسه.
من الميدان إلى خطوط الإنتاج
ويربط الخبير العسكري والاستراتيجي العميد إلياس حنا سرعة التطور الروسي بطبيعة نظام اتخاذ القرار وقاعدة الصناعة العسكرية، مشيراً إلى أن روسيا دولة واحدة ذات قرار مركزي، بينما يضم حلف شمال الأطلسي دولاً متعددة، ما يجعل القرارات والتحرك المشترك أكثر تعقيدا.
وبحسب حنا، تختلف روسيا عسكرياً اليوم عن تلك التي دخلت الحرب عام 2022، بعدما راكمت خبرة ميدانية وأعادت تكييف صناعاتها مع متطلبات المعركة. ويضع تطوير «جيران» وصواريخ كروز ضمن دورة مستمرة من «الفعل ورد الفعل»، إذ يدفع ظهور وسيلة دفاعية إلى تطوير سلاح قادر على تجاوزها.
ويرى الدكتور في القانون والعلاقات الدولية بشارة صليبا أن قدرة موسكو على التقاط التطورات التي فرضتها الحرب واستيعابها بسرعة، ثم تحويلها إلى منتجات في صناعتها العسكرية، تمثل أحد عناصر قوتها.
في المقابل، تفتقر أوكرانيا إلى قاعدة صناعية عسكرية بالحجم والإمكانات نفسيهما، ما يجعل قدرتها على مواصلة سباق تطوير وإنتاج الأسلحة مرتبطة بدرجة كبيرة بالدعم والتكنولوجيا والإمدادات التي تحصل عليها من الدول الغربية.



